ليس مضيق
هرمز مجرد ممر مائي ضيق تختنق فيه ناقلات النفط وتتشابك فيه مصالح
القوى الكبرى، بل هو شريان كوني تتقاطع عنده الجغرافيا مع الاستراتيجية، وتتعثر
عند عتبته أوهام الهيمنة. هنا، حيث يمر قرابة ثلث النفط المنقول بحرا، تتكشف حدود
القوة الأمريكية، وتظهر واشنطن وكأنها تقف أامام سؤال وجودي: كيف تدير العالم حين
تعجز عن ضمان عبور آمن في ممر لا يتجاوز عرضه بضع عشرات من الكيلومترات؟
لقد اعتادت الولايات المتحدة أن ترى البحار امتدادا طبيعيا لسلطانها، وأن
تعتبر الأساطيل أدوات طيعة لفرض إرادتها حيث شاءت، غير أن مضيق هرمز يقاوم هذا
التصور، لا لأنه عصي عسكريا فحسب، بل لأنه محاط بجغرافيا سياسية معقدة، حيث تتداخل
إيران مع
الخليج، وتتقاطع المصالح الإقليمية مع حسابات القوى الدولية، في مشهد أقرب
إلى شطرنج مفتوح على احتمالات الانفجار.
يتجلى المأزق الحقيقي لواشنطن، فهي بين خيارين أحلاهما مر؛ إما التصعيد بما يحمله من مخاطر الانفلات، وإما التفاوض بما يحمله من تنازلات ضمنية. وفي الحالتين، يتآكل تصور الهيمنة المطلقة، ويتقدم منطق التوازنات المعقدة
في هذا السياق، تبدو خيارات واشنطن محدودة ومكلفة. الخيار العسكري المباشر،
رغم حضوره في الخطاب، ليس سوى مقامرة عالية المخاطر. فأي تصعيد في المضيق لن يكون
مجرد مواجهة موضعية، بل قد يتحول إلى حرب إقليمية تتجاوز حدود السيطرة. إيران،
التي تدرك حساسية الموقع، لا تحتاج إلى إغلاق المضيق كليا لتربك السوق العالمية،
بل يكفي أن تزرع الشك في أمنه، وأن تجعل من كل ناقلة هدفا محتملا، حتى ترتفع أسعار
النفط وتضطرب الأسواق، وتدخل واشنطن في دوامة من التداعيات الاقتصادية والسياسية.
أما الخيار الثاني، القائم على الردع البحري وتعزيز الوجود العسكري، فهو خيار
استنزافي بطبيعته. فالحضور الدائم للأساطيل يتطلب كلفة هائلة، دون ضمان حقيقي لردع
الخصم. بل إن هذا الحضور قد يتحول إلى عامل توتر دائم، حيث يكفي خطأ تكتيكي صغير لإشعال
مواجهة واسعة. وهنا، لا تعود القوة مصدر اطمئنان، بل تصبح عبئا استراتيجيا يثقل
كاهل صانع القرار الأمريكي.
يبقى الخيار الدبلوماسي، وهو الأكثر عقلانية نظريا، لكنه الأصعب عمليا.
فالتفاوض مع إيران حول أمن المضيق يعني الاعتراف بدورها الإقليمي، وهو ما يتناقض
مع الرؤية الأمريكية التقليدية التي سعت طويلا إلى احتواء طهران وتقليص نفوذها.
ومع ذلك، فإن الوقائع على الأرض تشير إلى أن أي معادلة أمنية في هرمز لا يمكن أن
تستثني إيران، تماما كما لا يمكن أن تقوم دون مشاركة دول الخليج والقوى الدولية
المستفيدة من استقرار تدفق الطاقة.
هنا، يتجلى المأزق الحقيقي لواشنطن، فهي بين خيارين أحلاهما مر؛ إما التصعيد
بما يحمله من مخاطر الانفلات، وإما التفاوض بما يحمله من تنازلات ضمنية. وفي
الحالتين، يتآكل تصور الهيمنة المطلقة، ويتقدم منطق التوازنات المعقدة.
غير أن المسألة لا تتوقف عند حدود الجغرافيا السياسية، بل تمتد إلى عمق
التحولات في النظام الدولي. فصعود قوى كبرى كالصين، وتنامي دور روسيا، يجعلان من
مضيق هرمز ساحة تنافس عالمي، لا مجرد نقطة توتر إقليمية. الصين، التي تعتمد بشكل
كبير على نفط الخليج، تنظر إلى استقرار المضيق كمسألة أمن قومي، وقد بدأت بالفعل
في توسيع حضورها البحري والدبلوماسي في المنطقة. وروسيا، من جهتها، ترى في أي توتر
فرصة لإعادة تشكيل موازين القوى، وتعزيز موقعها كلاعب دولي لا يمكن تجاوزه.
مضيق هرمز، في جوهره، ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو مرآة تعكس تحولا أعمق في بنية النظام العالمي؛ من عالم أحادي القطبية، كانت فيه واشنطن تمسك بخيوط اللعبة، إلى عالم متعدد المراكز، تتوزع فيه القوة وتتقاطع فيه المصالح
في ظل هذه المعطيات، لم تعد واشنطن اللاعب الوحيد القادر على رسم قواعد اللعبة،
بل إنها تجد نفسها مضطرة لمراعاة حسابات أطراف أخرى، ما يقلص هامش حركتها، ويفرض
عليها نوعا من التواضع الاستراتيجي الذي لم تعتد عليه.
إن مضيق هرمز، في جوهره، ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو مرآة تعكس تحولا أعمق في
بنية النظام العالمي؛ من عالم أحادي القطبية، كانت فيه واشنطن تمسك بخيوط اللعبة،
إلى عالم متعدد المراكز، تتوزع فيه القوة وتتقاطع فيه المصالح. وفي هذا العالم
الجديد، لم يعد بوسع أي قوة، مهما بلغت، أن تفرض إرادتها دون حساب دقيق لتوازنات
معقدة.
لذلك، فإن السؤال الذي يطرحه هرمز على واشنطن ليس كيف تؤمن مرور النفط فحسب،
بل كيف تعيد تعريف دورها في عالم لم يعد يقبل بالهيمنة المطلقة. وهل تستطيع
الانتقال من منطق السيطرة إلى منطق الشراكة، أم أنها ستظل أسيرة تصور قديم، يزداد
تآكلا مع كل أزمة جديدة؟
في النهاية، قد لا يكون المضيق هو الذي يضيق، بل الأفق الاستراتيجي لواشنطن هو
الذي يواجه اختبارا حقيقيا. وبين أمواج الخليج المتلاطمة، تتكشف حقيقة بسيطة:
الجغرافيا، حين تتحالف مع السياسة، قادرة على إعادة رسم حدود القوة، مهما بدت تلك
القوة مطلقة في ظاهرها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.