إيران ظالمة أم مظلومة؟

محمد الصغير
"ضد عدوان إيران على جيرانها، ونقل الحرب إلى العمق الخليجي، واستهداف المنشآت المدنية وترويع الآمنين"- جيتي
"ضد عدوان إيران على جيرانها، ونقل الحرب إلى العمق الخليجي، واستهداف المنشآت المدنية وترويع الآمنين"- جيتي
شارك الخبر
شرك القبور هو التعلق بدعاء الموتى ممن ينسبون إلى الولاية -بالحق أو بالباطل- وتقديم النذور لهم، وتخصصت جماعات دعوية في التخويف منه والتحذير من عاقبته. أما شرك القصور فهو تعلق أيضا بساكنيها، وحط الرحال على أعتابهم، والسعي في تحقيق الحظوة عندهم بالحق أو بالباطل. والتحذير من هذا النوع لا يقارن بالقسم الأول، لأن طريقه مخوفة، ولا يجرؤ عليه إلا سادة الشهداء، كما جاء بذلك الخبر عن سيد البشر صلى الله عليه وسلم حيث قال: سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى حاكم جائر أمره ونهاه فقتله". واستطرادا في هذه المسألة فإن كلمة الحق عند الحاكم العادل والاحتساب في حضرته، لا تقل خطورة عن أمر الحاكم الجائر ونهيه، وهذا عن واقع وتجربة وليس عن حدس وتخمين.

أردت من هذه المقدمة الطويلة الوصول إلى صورة قريبة من هذه المقابلة، ولكنها هذه المرة بين بلاط السلاطين ورغبات المتابعين، فإن كان علماء السلطان ودعاة البلاط ضبطوا أداءهم على هوى الحاكم، فإن من الدعاة من خضع لسلطان المريدين ورغبات الجماهير، وأصبح يقدم ما يطلبه المتابعون، ويشارك بما يرضيهم أملا في إعجابهم. ومن نوادر حكم الشيخ محمد الغزالي -وقد جمعتها من السبعين مؤلف في كتاب واحد- قوله: رغبات العوام لا تهادَن"، أي لا تسايَر وإنما ترشّد وتقاوَم.

كأن القسمة لا تكون إلا ثنائية فقط، وإذا لم تكن معي فأنت في المعسكر المعادي، وتنطلق عبارات التخوين، وتنتشر اتهامات من جنس المتأيرنين في مقابل المتأمركين. وبما أن الفضيلة وسط بين طرفين فهناك طريق ثالث ومنهج وسط، وليس بالضرورة أن أرابط في أحد الخندقين

وفي أتون المعركة الدائرة في بلاد المسلمين الآن، انقسم الناس إلى فريقين حمي بينهم الوطيس أكثر من وطيس الميدان، فالأول منهم مع إيران على أي حال، ويرى موقفها من دعم فلسطين يجب ما قبله ويغفر ما بعده، لأنها القوة الوحيدة في منطقتنا التي استطاعت الوقوف أمام الحملة الصهيو-صليبية الجديدة، ومعاملة ترامب معاملة الند سياسيا وعسكريا، ومن هنا فالوقوف معها محتم من كل وجه، وهو واجب الوقت.

والفريق الثاني يرى أصابع إيران ما زالت تقطر من دم السوريين، وكانت تأمل أن تكمل بالشام عقد العواصم العربية التي باتت تحت سيطرتها، وأنها وقفت مع الأمريكان في غزو العراق، ومن قبله في احتلال أفغانستان، وأننا في مرحلة ينتقم الله من ظالم بظالم، ثم ينتقم منهما جميعا، ونخرج من بينهم سالمين، كما تخرج الشعرة من العجين.

وكأن القسمة لا تكون إلا ثنائية فقط، وإذا لم تكن معي فأنت في المعسكر المعادي، وتنطلق عبارات التخوين، وتنتشر اتهامات من جنس المتأيرنين في مقابل المتأمركين. وبما أن الفضيلة وسط بين طرفين فهناك طريق ثالث ومنهج وسط، وليس بالضرورة أن أرابط في أحد الخندقين، لذا فإنني مع إيران في وقوفها في وجه الحملة الجديدة، التي ترمي إلى تغيير خريطة المنطقة وتسييد نتنياهو عليها، ضمن خطة ترامب للشرق الأوسط الجديد، والتي أسميتها مرحلة "ترامبياهو" كما كانت اتفاقية ‎سايكس-بيكو (1916) التي وقعتها بريطانيا و‎فرنسا لتقسيم مناطق النفوذ، وترسيم الحدود في الدول العربية إبان الحرب العالمية الأولى، والتي وقعها البريطاني مارك "سايكس" والفرنسي جورج "بيكو"، والآن مرحلة ‎ترامبياهو يسعى فيها الأمريكي ‎ترامب والصهيوني ‎نتنياهو لإعادة وحدة هذه الدول المقسمة، لكن تحت راية ‎إسرائيل الكبرى !

وفي الوقت نفسه أنا ضد عدوان إيران على جيرانها، ونقل الحرب إلى العمق الخليجي، واستهداف المنشآت المدنية وترويع الآمنين، وما أذكره عن استهداف الشوارع وأماكن السكان إنما أحدّث عن رأي العين وليس من شريط الأخبار، ولا يمكن أن أكون محايدا بين قطر وإيران، والصواريخ أراها بعيني، بل إن الحياد هنا معناه الخيانة لبلد يختار موقعه بعناية من القضايا العادلة، ويضرب في كل غنيمة صالحة بسهم،
ستتوقف هذه الحرب لا محالة، والنصر والهزيمة في حالتنا يتجلى في أخذ الدرس والاستفادة من التجربة، فمن توقع العدوان من إيران قد أصبح شاهد عيان، ومن التمس كف عدوانها من الأمريكان، فهو كالمستجير من الرمضاء بالنار
كما أمّن كل مظلوم أوى إليه في القديم والحديث، حتى أصبح مضرب المثل في ذلك، واستُهدف بالقصف قبل بضعة أشهر من الصهاينة لأنه يستضيف قادة المقاومة، ويرعى ملف التفاوض بصدق وأمانة. لذا فأنا مع إيران "المظلومة" أمام هيمنة الصهاينة واستعلاء الأمريكان، وضد إيران "الظالمة" لقطر ودول الجوار، التي سعت لإيقاف الحرب بكل ما تملك.

وخلاصة القول: قديما جاء أبرهة الأشرم بالفيل لهدم الكعبة المشرفة، وصرف العرب إلى كنيسة القليس التي بناها في ‎اليمن، وجاء الآن دور أبرهة الأشقر -رمز حزبه الفيل- لهدم التاريخ وتغيير الجغرافيا، لتحقيق حلم ‎إسرائيل الكبرى فما ‎نتنياهو وعصابته إلا كتيبة متقدمة في جيش الإمبراطورية الأمريكية، التي آذنت شمسها بالمغيب، وسيأفل معها نجم ربيبتها اللقيطة عن قريب.

ستتوقف هذه الحرب لا محالة، والنصر والهزيمة في حالتنا يتجلى في أخذ الدرس والاستفادة من التجربة، فمن توقع العدوان من إيران قد أصبح شاهد عيان، ومن التمس كف عدوانها من الأمريكان، فهو كالمستجير من الرمضاء بالنار.

وفي الختام:

 فإن الله عز وجل ذكر ألوانا في القرآن غير الأبيض والأسود، فلماذا نحصر الاختيار في أحد اللونين، وهناك في غيرهما ما يسر الناظرين؟ وأنكى ما في الموضوع أن أصحاب الاتجاهات الحادة، والاختيارات المتطرفة، لو وافقتهم العمر كله وخالفتهم مرة واحدة، لقالوا: ما رأينا منك خيرا قط..!

لذا في معركة الوعي كن صوت الضمير لا مطية الجماهير، وأخلص العمل فإن الناقد بصير، وعبّر عما تعتقده وتدين به، وما تحب أن تلقى الله عليه.
التعليقات (0)