إسرائيل هي المشكلة

عزام التـميمي
الكاتب قال إنه بعد تحييد معظم دول العالم العربي لم يتبقَّ لإسرائيل سوى خصم إقليمي واحد وهو إيران- جيتي
الكاتب قال إنه بعد تحييد معظم دول العالم العربي لم يتبقَّ لإسرائيل سوى خصم إقليمي واحد وهو إيران- جيتي
شارك الخبر
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، شهدت منطقة غرب آسيا، أو ما يُعرف تقليديًا بالشرق الأوسط، حروبًا عديدة. أعقبت النكبة الفلسطينية عام 1948، أو ما يسميه الإسرائيليون حرب الاستقلال. كانت تلك سلسلة متتابعة من المواجهات المسلحة التي كان يجمع بين معظمها قاسم مشترك واحد: تورط إسرائيل فيها إما بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر.

في عام 1956، تعرضت مصر لهجوم من قبل ثلاث قوى متحالفة هي: بريطانيا وفرنسا وإسرائيل. كانت جيوش الدول الثلاث عازمة على غزو البلاد وتغيير النظام رداً على تأميم جمال عبد الناصر لقناة السويس. ولولا تدخل الرئيس الأمريكي، الذي أمر بوقف الحملة فوراً، لكانت القاهرة قد سقطت في قبضة الغزاة في غضون بضعة أيام من الهجوم.

ثم في عام 1967، غزت إسرائيل ما تبقى من فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة) واحتلت أراضٍ تابعة لثلاث دول عربية مجاورة هي مصر والأردن وسوريا. على الرغم من أن الحرب تُعرف باسم حرب الأيام الستة، إلا أن إسرائيل لم تستغرق سوى بضع ساعات لهزيمة الدول العربية الثلاث والتوسع في مساحة تزيد عن ضعف مساحتها السابقة.

اظهار أخبار متعلقة


وفي عام ١٩٦٨، شنت إسرائيل حرباً على الأردن، فيما يسميه الأردنيون والفلسطينيون معركة الكرامة، نسبةً إلى القرية الأردنية الأقرب إلى ساحة المعركة. كان الهدف من الهجوم الفاشل هو تفكيك معسكرات تدريب المقاومة الفلسطينية في وادي الأردن.

حين يتحدث السياسيون الإسرائيليون عن رؤيتهم لإسرائيل الكبرى، التي تمتد جغرافياً من النيل في مصر إلى الفرات في العراق، فإنهم يقصدون التحول إلى قوة إقليمية تتجاوز هيمنتها السياسية والعسكرية والاقتصادية هذه المساحة الجغرافية.

ثم طوال سبعينيات القرن العشرين، واصلت إسرائيل مهاجمة المواقع الفلسطينية واللبنانية في جميع أنحاء لبنان، وفي عام ١٩٨٢ غزت البلاد وصولاً إلى قلب العاصمة بيروت. وبعد انسحاب قواتها بعد عدة أشهر من غزو بيروت، أبقت إسرائيل على وجود عسكري لها في جنوب لبنان، ونصّبت وكيلاً لها، وهو سلطة عسكرية لبنانية عميلة تُعرف باسم جيش لبنان الجنوبي بقيادة سعد حداد، والذي ظل مسيطراً على الجنوب حتى هُزم على يد المقاومة اللبنانية، التي حررت الجنوب من الاحتلال الصهيوني، بقيادة حزب الله.

لم تشارك إسرائيل بشكل مباشر في حرب الخليج الأولى، الحرب التي شنّها الدكتاتور العراقي صدام حسين على إيران في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، ولكن يعتقد على نطاق واسع بأن إسرائيل كانت من أبرز المستفيدين من تلك الحرب التي استمرت ثماني سنوات.

كان صدام حسين ومن دعمه قد برروا شنهم الحرب على إيران بأنهم يريدون استباق خطر محدق بهم زعموا أن إيران الجديدة تشكله عليهم، والعمل على إحباط مساعي نظام الجمهورية الإسلامية في طهران لتصدير الثورة. أما في الواقع، كانت الغاية من الحرب هي شلّ قدرات بلدين، كانا وحدهما في المنطقة يشكلان خطراً على الكيان الصهيوني، إيران الجديدة والعراق الصاعد، من خلال ضربهما ببعض. وفعلاً، أضعفت الحرب البلدين بعد أن حصدت أرواح ملايين العراقيين والإيرانيين وأهدرت كماً هائلاً من مقدرات البلدين.

ليس سراً أن تلك الحرب موّلتها السعودية والكويت، ودعمتها الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية التي زوّدت صدام حسين بالأسلحة والذخائر، بما فيها الأسلحة الكيميائية. وإلى جانب الدمار الذي ألحقته الحرب بالقوتين الإقليميتين، فقد أطلقت موجة من التوتر والعداء الطائفي المتبادل، الذي لم يزل مهيمناً على شعوب المنطقة بأسرها منذ ذلك الحين.

وفي عام ١٩٩١، قادت الولايات المتحدة تحالفاً دولياً لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي. وكان صدام حسين قد غزا الدولة الخليجية الصغيرة في أغسطس/آب من عام 1990، وأعلنها المحافظة التاسعة عشر للعراق بعد تفاقم النزاع بينه وبين أسرة آل صباح الحاكمة والتي كانت تطالبه باسترداد مليارات الدولارات التي دُفعت له على مدى السنوات الثماني الماضية لمحاربة الجمهورية الإسلامية في إيران.

لذا، لم يكن من المستغرب أن تُوصف الحرب التي قادتها الولايات المتحدة على العراق بأنها الفصل الثاني من حرب الخليج. ومرة أخرى، كانت بصمات إسرائيل واضحة في كل مكان. فبالرغم من الطبيعة الديكتاتورية لنظام صدام، اعتقد الإسرائيليون أنه بالرغم من الضرر الذي لحق ببلاده خلال سنوات حربه الثماني ضد إيران، فإنه لا يزال يُمثل أكبر تهديد للمشروع الصهيوني.

ولعل هذا ما يُفسر الدور المحوري الذي لعبه الإسرائيليون في تحريض إدارة جورج دبليو بوش، سلطة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، على غزو العراق وتغيير نظامه عام 2003، بحجة أن النظام العراقي كانت له علاقة بهجمات الحادي عشر من سبتمبر على أمريكا، وأنه يحتضن الإرهاب ويدعمه، وينتج ويراكم أسلحة الدمار الشامل.

طوال ذلك الوقت، وعبر السنين منذ عام 1948، لم تتوقف حرب إسرائيل على أهل فلسطين. فبينما طُرد في النكبة معظم الفلسطينيين، ما يقارب مليون نسمة من أهل الأرض، لإفساح المجال أمام استيطان المهاجرين اليهود الأوروبيين، لم تتوقف عمليات التشريد والاعتقال والترحيل ومصادرة الأراضي وهدم المنازل وبناء المستوطنات أو توسيعها.

اظهار أخبار متعلقة


أما بالنسبة لإيران، فقد اعتبر الإسرائيليون الثورة الإيرانية عام 1979 أخطر تغيير شهدته المنطقة منذ قيام الكيان الصهيوني. فما أن سقط نظام الشاه، حتى أوقفت سلطات الثورة الإيرانية تزويد إسرائيل بالنفط، وسلمت مبنى السفارة الإسرائيلية في طهران إلى منظمة التحرير الفلسطينية. لم تزل إيران منذ الثورة الدولة الأكثر دعماً لفصائل المقاومة الفلسطينية التي تناضل ضد الاحتلال الإسرائيلي. إضافةً إلى ذلك، لعبت إيران دوراً محورياً في تمكين الشيعة في لبنان، وفي إنشاء حركة المقاومة التابعة لهم، حزب الله، وفي تمويلها وتسليحها. ولذلك لطالما شكلت طموحات إيران في الهيمنة الإقليمية وفي تطوير كافة أشكال تكنولوجيا القتال الحديثة مصدر قلق دائم لإسرائيل ولحلفائها في الشرق والغرب.

بعد تغيير النظام في العراق، وبعد تحييد معظم دول العالم العربي، علناً عبر معاهدات السلام أو سراً عبر تفاهمات متبادلة، لم يتبقَّ لإسرائيل سوى خصم إقليمي واحد: إيران. ورغم عقود من الاختراق والتجسس والتخريب، لم يتمكن الإسرائيليون من فرض تغيير النظام من الداخل. لذا، بدت الحرب الوسيلة الوحيدة الممكنة للتغيير. إلا أن الإدارات الأمريكية السابقة لم تكن مستعدة لتحمل هذه المخاطرة. ثم مع وصول رئيس غير مسبوق إلى السلطة، غير راغب، أو غير قادر، على رفض طلبات حلفائه الصهاينة، بدت اللحظة المناسبة قد حانت. ومن هنا جاء الهجوم الإسرائيلي الأمريكي على إيران قبل ما يزيد قليلاً عن شهرين.

كانت الفكرة التي روّج لها الموساد الإسرائيلي للبيت الأبيض هي أنه بمجرد إزاحة القيادة العليا الإيرانية، سيخرج الإيرانيون إلى الشوارع ويفرضون تغيير النظام من الداخل. وتم إقناع دونالد ترامب بأن كل شيء على ما يرام وأن العملية برمتها لن تستغرق أكثر من بضعة أيام.

ها نحن اليوم، بعد أكثر من شهرين من اندلاع الحرب، نعيش في خضم أزمة عالمية لا تلوح لها في الأفق نهاية. دفعت هذه الأزمة عدداً متزايداً من الناس في الولايات المتحدة وفي أوروبا الغربية إلى طرح تساؤلات حول إسرائيل والصهيونية، وحول الأدوار التي لعبتها حكوماتهم طوال هذه الفترة. وبات كثير من الناس يدركون الحقيقة التي لطالما سعى سياسيوهم ووسائل إعلامهم لعقود إلى إخفائها عنهم.

اعتاد الناس الحديث عن القضية الفلسطينية، أو المشكلة الفلسطينية، رغم أن المشكلة في جوهرها لم تكن يوماً فلسطينية. صحيح أن الفلسطينيين كانوا هدفاً أولياً مباشراً، فهم الذين غُزيت بلادهم، واحتُلت أرضهم، ودُمّرت حياتهم، وقُتلت أحلامهم. لكن الغاية النهائية أكبر من الفلسطينيين، وتتجاوز الوطن الذي شُردوا منه. تكمن المشكلة الحقيقية في الفكرة الصهيونية، التي تُرجمت في الواقع على شكل دولة يهودية في فلسطين، ذات مشروع عنصري استعماري استيطاني، غايته الهيمنة والسيطرة على المنطقة بأسرها.

حين يتحدث السياسيون الإسرائيليون عن رؤيتهم لإسرائيل الكبرى، التي تمتد جغرافياً من النيل في مصر إلى الفرات في العراق، فإنهم يقصدون التحول إلى قوة إقليمية تتجاوز هيمنتها السياسية والعسكرية والاقتصادية هذه المساحة الجغرافية. ولذا، ورد في تصريحات بعضهم أن تركيا ستكون هدفهم التالي بعد إيران. بل وهدد بعضهم باكستان بنفس المصير.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)