حرب غامضة فاضحة

هشام الحمامي
"إيران ما بعد خامنئي ستكون إيران جديدة تماما"- جيتي
"إيران ما بعد خامنئي ستكون إيران جديدة تماما"- جيتي
شارك الخبر
كان الفيلسوف الألماني هيجل (ت: 1831م) يرى أن للحرب دورا حضاريا هاما في حركة التاريخ، وشبهها بالرياح العاتية التي تحفظ الأنهار من الأوساخ والروائح النتنة. وهو قول صحيح إلى حد كبير، فليس مثل الحروب ما يُحدث تغييرا واسعا وعميقا في مجرى التاريخ. وتشهد المنطقة الآن حربا ينطبق عليها توصيف الفيلسوف الألماني بدرجة كبيرة، وهى بالفعل كما فيها من غموض تبعا للمعلن عن أهدافها وتوقيتها، ففيها أيضا من الكشف والفضح عن كثير من خفايا السياسة وصناع القرار.

الجميع يعلم أن الأهداف المعلنة للحرب ليست هي كما في واقع الحال، وأن هناك كذبا كبيرا حول علاقاتها بهذه الأهداف، وكما قال لنا المفكر الألماني هاردر (ت: 1803م) لدينا دائما شك في أين تكمن الحقيقة التاريخية.. بالفعل، فالتاريخ له أحواله الخاصة التي يتحرك بها في دنيا الوجود، وهو في النهاية فعل من أفعال العناية الإلهية كما قال..

وكنت قد كتبت كثيرا قبل اندلاع هذه الحرب، أن هناك شيئا خفيا غامضا يتعلق بموضوع أمريكا وإيران وبالطبع إسرائيل، فلا النووي ولا التهديد الباليستى، ولا كل هذه الأسباب المعلنة الواهنة، تستطيع أن تفسر لنا وصول حاملتي طائرات وحشد كل هذه القوة. وربطا بسيطا بين القدرة الاستخبارية للغرب وإسرائيل وبين إعلاناتهم المتكررة عن أهدافهم؛ سيكشف لنا أن هناك علامات استفهام كثيرة تعترض ما يقال.

تكفي المفاجأة الكبيرة التي جاءته من لبنان وحزب الله، بعد أن قال الكثير طوال 15 شهرا مضت عن التدمير والتفكيك والاغتيالات.. وقد كان الحزب مفاجأة حقيقية بالفعل في هذه الجولة وبعد كل الضربات التي تلقاها على كافة المستويات

إن يكن من أمر فقد بدأت الحرب وأخذت مجراها على مدى أسبوعين، ولم يتبد لنا حتى الآن دوافعها الحقيقية. وإذا أخذنا كلام نتنياهو عن التاريخ والإنسانية والشرق وموازين القوى على محمل الجد، وهو ليس كذلك، فسيكون في موضع اتهام مباشر في قدراته وإمكاناته كسياسي قديم يقود بلاده على حافة التوتر الدائم الذي لا ينقطع، توتر في داخله وتكوينه وتوتر في محيطه وإقليمه..

وتكفي المفاجأة الكبيرة التي جاءته من لبنان وحزب الله، بعد أن قال الكثير طوال 15 شهرا مضت عن التدمير والتفكيك والاغتيالات.. وقد كان الحزب مفاجأة حقيقية بالفعل في هذه الجولة وبعد كل الضربات التي تلقاها على كافة المستويات.. بل وتوقيت دخوله أيضا، والذي يبدو أنه مدروس بعناية على مستوى الداخل وعلى المستوى الخارج الإقليمي الذي يمثل لوحة كاملة في الحقيقة بالنظر إلى المشهد كله، كما وحجم العمليات التي ينفذها ويفرض عليها الإعلام الإسرائيلي والجبهة الداخلية تكتما شديدا.

وواضح أن هذه العمليات من الوزن الثقيل والمؤلم سياسيا وعسكريا، ويبدو واضحا في تصريحات نتنياهو ووزير دفاعه الثرثار، وهو ما سيفتح الباب واسعا أمام تساؤلات هامة، عما حدث داخل الحزب ومعه طوال الفترة الماضية، من جهة تسليح الحزب بهذه القدرة، ومن جهة تجهيز قياداته وقدراته لهكذا مواجهة.

لا أستبعد أن تكون جاءته إمدادات حديثة من جبهة سوريا المعقدة، والتي يطل علينا منها مشهد إقليمي من صميم التاريخ، ومن صميم حقيقة المنطقة التي ترى في الوجود الإسرائيلي عدوانا.. أمس واليوم والغد، وما هو إلا عدو مبين، بغض النظر عن التطورات التي شهدتها سوريا مؤخرا في علاقاتها الإقليمية في ظلال الحضور التركي الحصيف.

وإذا تحدثنا عن تركيا بقوة حضورها المعاصر فلا يمكن أن نتصور أنها مجرد مشاهد لما يحدث أمام عينيها وعلى مشارف يديها، بالنظر لما قاله الزعيم التركي الكبير أردوغان من أنه يستحيل تحديد شيء في الشرق الأوسط في غياب تركيا عن الطاولة، وهو قول صحيح بامتياز من جميع الزوايا الاستراتيجية والمخابراتية والأمنية والإقليمية.

الحالة الأمريكية بعيدا عن قوة نيرانها وعنفها، تبدو في أكثر أوقاتها فضحا من خلال تصريحات اعلى مستويات القيادة فيها، بدءا من ترامب، وحتى وزير الحرب ووزير الخارجية، بل حتى الخبراء والمعلقين.. الحالة بالغة التناقض والهشاشة، بطريقة مهينة لدولة تعتبر نفسها إمبراطورية

ليس فقط موقف حزب الله الذي كان كاشفا، لكن موقف إسرائيل نفسه هو الذي كان فاضحا لنفسها بالنظر الى ما كنا نسمعه من تصريحات عنترية لازالت تسكن الوهم العتيق.

ويبقى سؤال الأمن الخليجي الذي كان من أكثر ما تكشف وأطل على المنطقة، وبات يطرح نفسه بقوة خلال هذه المواجهة، وهو ما سيفتح أبواب مستقبل ما بعد الحرب حول تغييرات كبيرة في ثوابت نظريات الأمن الخليجي الفاعلة والنافذة في ظل هذه القواعد العسكرية التي تستنزف الموارد، بغض النظر عن حسابات إيران في هذه الخطوة مع جوارها الإقليمي، لكنها وهي المعتدى عليها ترى أمامها قواعد أمريكية تحيط بها وتنطلق منها النيران عليها. والموقف هنا يبدو غريزيا بالأساس وبما يتجاوز حسابات السياسة والاستراتيجيا في الدفاع عن النفس، لكنها الجغرافيا التي يتحتم عليها أن تكون لها كلمتها..

الحالة الأمريكية بعيدا عن قوة نيرانها وعنفها، تبدو في أكثر أوقاتها فضحا من خلال تصريحات اعلى مستويات القيادة فيها، بدءا من ترامب، وحتى وزير الحرب ووزير الخارجية، بل حتى الخبراء والمعلقين.. الحالة بالغة التناقض والهشاشة، بطريقة مهينة لدولة تعتبر نفسها إمبراطورية في البر والبحر والجو.

على الجانب الآخر فان إيران ما بعد خامنئي ستكون إيران جديدة تماما، ليس فقط لأن العدو منحها زادا ضخما من أعماقها المذهبية بقتل مرشدها الأعلى، وما سيفعله ذلك في ثقافة "الدم والحزن والثأر" التي تسكن الوعي الشيعي.. بل أيضا لما أحدثته الحرب في تماسكها الداخلي، وترتيب موازين القوة بين مراكزها الفاعلة واستكمال حضورها التاريخي وفق هذه الموازين.

أيام قليلة وستنتهي هذه الحرب، ولن يخرج منها أطرافها كما دخلوها، وعلينا أن نتوقع مشهدا مختلفا تماما عما قبلها.

x.com/helhamamy
التعليقات (0)