قانون التاريخ القاسي.. كيف تبدأ الإمبراطوريات بالسقوط؟

عادل الحامدي
المفارقة الأكثر إيلاما، أنه وفي لحظة تاريخية تشهد فيها المنطقة تحولات عاصفة، يبدو العرب عاجزين حتى عن الاجتماع أو صياغة موقف موحد.. الأناضول
المفارقة الأكثر إيلاما، أنه وفي لحظة تاريخية تشهد فيها المنطقة تحولات عاصفة، يبدو العرب عاجزين حتى عن الاجتماع أو صياغة موقف موحد.. الأناضول
شارك الخبر
يبدو المشهد الدولي أقرب ما يكون إلى لحظة تحوّل تاريخي عميقة. فالحرب الدائرة في الشرق الأوسط، والتوتر المتصاعد بين إسرائيل وأمريكا وإيران، وما يرافق ذلك من ارتباك في القرار الإسرائيلي وتردد في الرؤية الأمريكية، كلها مؤشرات على مأزق سياسي واستراتيجي أوسع. فالأحداث لم تعد تُقرأ فقط في إطار موازين القوة العسكرية، بل في سياق أعمق يتعلق بتآكل الهيبة السياسية والأخلاقية للقوى التي قادت النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

في الحالة الإسرائيلية، بدا واضحًا أن الحرب التي كان يُراد لها أن تعيد ترميم صورة الردع المتآكلة في غزة، انتهت إلى نتيجة معاكسة. فقد دخلت إسرائيل في دوامة من الأزمات العسكرية والسياسية والأخلاقية، كشفت هشاشة الأسس التي قامت عليها فكرة "التفوق المطلق". فالمجتمع الدولي يشهد اليوم، للمرة الأولى منذ عقود، نقاشًا واسعًا حول شرعية السلوك الإسرائيلي، وحول حدود القوة العسكرية في فرض الوقائع السياسية. إن ما يتعرض له المدنيون من مآسٍ إنسانية في غزة وسواها لم يعد مجرد خبر عابر، بل أصبح جزءًا من محاكمة أخلاقية عالمية لسياسات القوة.

في الحالة الإسرائيلية، بدا واضحًا أن الحرب التي كان يُراد لها أن تعيد ترميم صورة الردع المتآكلة في غزة، انتهت إلى نتيجة معاكسة. فقد دخلت إسرائيل في دوامة من الأزمات العسكرية والسياسية والأخلاقية، كشفت هشاشة الأسس التي قامت عليها فكرة "التفوق المطلق". فالمجتمع الدولي يشهد اليوم، للمرة الأولى منذ عقود، نقاشًا واسعًا حول شرعية السلوك الإسرائيلي، وحول حدود القوة العسكرية في فرض الوقائع السياسية. إن ما يتعرض له المدنيون من مآسٍ إنسانية في غزة وسواها لم يعد مجرد خبر عابر، بل أصبح جزءًا من محاكمة أخلاقية عالمية لسياسات القوة.
غير أن المأزق الإسرائيلي لا يمكن فصله عن المأزق الأمريكي. فالولايات المتحدة، التي كانت تقدم نفسها بوصفها القائد الطبيعي للنظام الدولي، وجدت نفسها تنجرف خلف سياسات قصيرة النظر، خصوصًا في إدارة التوتر مع إيران. وقد ساهمت سياسات إدارة دونالد ترامب، التي اتسمت بالاندفاع وانعدام الرؤية الاستراتيجية المتماسكة، في دفع المنطقة إلى حافة مواجهة أوسع دون أن تقدم تصورًا واضحًا لمآلاتها. لقد بدا الأمر وكأن القوة الأعظم في العالم تتحرك بمنطق رد الفعل، لا بمنطق القيادة.

وهنا تتبدى مفارقة تاريخية لافتة: فالدولة التي كانت تطرح نفسها حامية للنظام الدولي القائم على القانون وحقوق الإنسان، أصبحت في نظر قطاعات واسعة من العالم عاجزة عن الدفاع عن تلك القيم، بل متهمة بتقويضها. فالفشل في حماية المدنيين، والعجز عن فرض احترام القانون الدولي، والتناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة، كلها عوامل أدت إلى تآكل ما يمكن تسميته "الهيبة الأخلاقية" للولايات المتحدة.

هذا التآكل في الهيبة ليس مجرد مسألة دعائية، بل هو عنصر أساسي في بقاء الدول واستقرارها، كما يشرح ذلك ابن خلدون في نظريته حول قيام الدول وسقوطها. فهو يربط بين قوة الدولة وبين ما يسميه "العصبية" أو التماسك الداخلي والشرعية السياسية. ويرى أن الدول تبلغ أوج قوتها عندما تتوازن فيها السلطة مع العدالة، وعندما تحافظ على نوع من التضامن بين الحاكم والمحكوم. أما عندما تتحول القوة إلى أداة للهيمنة المجردة، وتفقد الدولة قدرتها على تحقيق العدل، فإنها تدخل تدريجيًا في مرحلة الضعف والانحدار.

غير أن قراءة المشهد الإقليمي لا تكتمل من دون النظر إلى الدور الإيراني. فإيران التي وجدت نفسها بعد غزو أفغانستان عام 2001 ثم العراق عام 2003 أمام فرصة تاريخية لتوسيع نفوذها الإقليمي، اختارت أن تبني مشروعها على التمدد عبر الصراعات لا عبر الاستقرار. وقد بدا في تلك اللحظة أن طهران تحقق مكاسب استراتيجية واسعة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، مستفيدة من الفراغ الذي تركته الحروب الأمريكية.

لكن ما بدا توسعًا سريعًا حمل في داخله بذور أزمة طويلة. فبدل أن يتحول النفوذ الإيراني إلى مشروع إقليمي قائم على الاستقرار والتنمية، ارتبط في كثير من الحالات بشبكات الميليشيات والصراعات الداخلية. وفي العراق، أدى التنافس الطائفي والتدخلات المتشابكة إلى إضعاف الدولة بدل تعزيزها. وفي سوريا، تحولت الحرب إلى مأساة إنسانية كبرى استنزفت الجميع. وفي اليمن ولبنان، ساهمت الصراعات الداخلية المرتبطة بالاستقطاب الإقليمي في تعميق الأزمات السياسية والاقتصادية.

وبذلك وجدت إيران نفسها، بعد عقدين من التوسع الإقليمي، أمام معادلة معقدة: نفوذ واسع جغرافيًا، لكنه محفوف بأعباء سياسية واقتصادية وأمنية هائلة. وهو ما يذكّر بما وصفه المؤرخ الأمريكي بول كينيدي في دراسته الشهيرة عن "الإفراط الإمبراطوري"، حين تتجاوز الدولة قدرتها الاقتصادية والسياسية في إدارة نفوذها الخارجي.

ومع ذلك سيسجل التاريخ أن قطاع غزة كان أول من كسر هيبة "إسرائيل" ليس بصموده في مواجهة حرب إبادة هي الأطول وإنما أيضا بالثبات على أرضه حتى وهي خاوية على عروشها رفضا للتهجير.. وفضح بذلك صورة هذا الكيان على حقيقته كقوة احتلال غاشمة، تمامًا كما ستسجل إيران كأول دولة من دول العالم النامي تتجرأ على الولايات المتحدة وتواجهها بجدارة، وجهاً لوجه، مستفيدة من الفراغ الاستراتيجي الذي خلفته أخطاء القوى الكبرى. فالمواجهة لم تعد مجرد صراع إقليمي محدود، بل انعكاس لمعركة أوسع على الهيبة السياسية والأخلاقية في النظام الدولي.

سيسجل التاريخ أن قطاع غزة كان أول من كسر هيبة "إسرائيل" ليس بصموده في مواجهة حرب إبادة هي الأطول وإنما أيضا بالثبات على أرضه حتى وهي خاوية على عروشها رفضا للتهجير.. وفضح بذلك صورة هذا الكيان على حقيقته كقوة احتلال غاشمة، تمامًا كما ستسجل إيران كأول دولة من دول العالم النامي تتجرأ على الولايات المتحدة وتواجهها بجدارة، وجهاً لوجه، مستفيدة من الفراغ الاستراتيجي الذي خلفته أخطاء القوى الكبرى. فالمواجهة لم تعد مجرد صراع إقليمي محدود، بل انعكاس لمعركة أوسع على الهيبة السياسية والأخلاقية في النظام الدولي.
إن الدول العظمى لا تسقط فجأة بفعل هزيمة عسكرية واحدة، بل يبدأ تراجعها عادة بتآكل شرعيتها السياسية والأخلاقية في نظر الآخرين.

لكن المفارقة الأكثر إيلاما، أنه وفي لحظة تاريخية تشهد فيها المنطقة تحولات عاصفة، يبدو العرب عاجزين حتى عن الاجتماع أو صياغة موقف موحد. وبينما تتغير موازين القوى الدولية، يظل النظام العربي الرسمي أسير الانقسام والجمود، وكأنه خارج الزمن التاريخي الذي تتحرك فيه بقية الأمم.

ولعله من المفيد التذكير بأن صوت الضحايا سيظل أبلغ من كل البيانات السياسية والاحتلالية: الطفل السوري الذي لفظته مياه المتوسط، حاملاً في عينيه مأساة الإنسانية كلها، وتعهد بأن يشكو العالم إلى الله، ولن يغفر له صمته، كما لن تُنسى وجوه أطفال غزة الذين يموتون جوعًا بين الحصار والقصف، محرومين من أبسط حقوق الحياة. فكل تجاوز أخلاقي، وكل دم أريق بلا سبب، يسجل في سجل التاريخ، ولن يمر دون ثمن يُدفع كل حسب دوره.

هذا الدرس المؤلم يذكرنا بأن القوة بلا عدالة، والسلطة بلا رحمة، ليست سوى طريق سريع نحو الانهيار. وأن الأمم والإمبراطوريات، مهما عظمت، تبقى رهينة أخلاقها وعلاقاتها مع الإنسانية. فالطفل الذي لا يجد طعامًا، والإنسان الذي يُحرم من كرامته، هما شهادة حية على أن التاريخ لا ينسى، وأن الحساب في النهاية آتٍ، لكل من خذل العدالة والإنسانية.
التعليقات (0)

خبر عاجل