النووي كذريعة.. والتحكم في الممرات الطاقية كغاية استراتيجية

ياسين سعدي
المعركة الحقيقية لا تدور فقط حول المنشآت النووية الإيرانية المحصنة تحت الأرض، بل حول المضائق والممرات البحرية التي تعبر عبرها نسبة حاسمة من إمدادات الطاقة العالمية.
المعركة الحقيقية لا تدور فقط حول المنشآت النووية الإيرانية المحصنة تحت الأرض، بل حول المضائق والممرات البحرية التي تعبر عبرها نسبة حاسمة من إمدادات الطاقة العالمية.
شارك الخبر
بعيدًا عن ملف البرنامج النووي الإيراني ومسألة الصواريخ الباليستية، يمكن قراءة المواجهة الجارية في الشرق الأوسط بوصفها التعبير الظاهر عن صراع أوسع بكثير: صراع السيطرة على تدفقات الطاقة التي تشكّل أحد الأعمدة البنيوية للاقتصاد العالمي.

لا شك أن البرنامج النووي الإيراني يمثل هاجسًا حقيقيًا بالنسبة لإسرائيل، التي ترى في أي قدرة عسكرية استراتيجية لدى طهران تهديدًا وجوديًا مباشرًا. غير أن هذا الملف، في منظور جيواستراتيجي أوسع، قد يؤدي أيضًا وظيفة مختلفة: فهو يعمل كعامل تفجير سياسي وكأداة تبرير دبلوماسي لإعادة تشكيل أعمق في بنية النظام الإقليمي.

لا شك أن البرنامج النووي الإيراني يمثل هاجسًا حقيقيًا بالنسبة لإسرائيل، التي ترى في أي قدرة عسكرية استراتيجية لدى طهران تهديدًا وجوديًا مباشرًا. غير أن هذا الملف، في منظور جيواستراتيجي أوسع، قد يؤدي أيضًا وظيفة مختلفة: فهو يعمل كعامل تفجير سياسي وكأداة تبرير دبلوماسي لإعادة تشكيل أعمق في بنية النظام الإقليمي.
فالمعركة الحقيقية لا تدور فقط حول المنشآت النووية الإيرانية المحصنة تحت الأرض، بل حول المضائق والممرات البحرية التي تعبر عبرها نسبة حاسمة من إمدادات الطاقة العالمية.
يشكل مضيق هرمز وباب المندب نقطتي اختناق استراتيجيتين في النظام الطاقي العالمي. وأي اضطراب في هذين الممرين ينعكس فورًا توترًا في أسواق النفط العالمية. وفي السياق الحالي، حيث أصبحت الصين أكبر مستورد للنفط في العالم، تعتمد استمرارية نموها الصناعي بدرجة كبيرة على استقرار التدفقات القادمة من الخليج. ومن ثم فإن تأمين هذه الممرات أو مراقبتها أو التأثير فيها يمنح الفاعلين القادرين على ذلك أداة ضغط استراتيجية غير مباشرة على بكين.

وإذا ما دُفعت هذه الفرضية إلى مداها الأقصى، يمكن النظر إلى التطورات الجارية باعتبارها محاولة لا تستهدف فقط إضعاف إيران على المدى الطويل، بل إعادة تشكيل البنية الاستراتيجية للمنطقة برمتها. فإيران المُحتواة أو المُنهكة أو المُجبرة على التمركز في وضع دفاعي صارم ستفقد جزءًا كبيرًا من قدرتها على تهديد الملاحة البحرية أو ممارسة الردع عبر ترسانتها الصاروخية. كما أن شبكة الردع غير المتماثل التي بنتها عبر حلفائها الإقليميين قد تتعرض لتآكل كبير.

وفي مثل هذا السياق، قد يتغير ميزان القوى في الخليج بصورة جوهرية.

بالتوازي مع ذلك، يمكن أن تجد الملكيات الطاقية في الخليج – السعودية والإمارات وقطر ـ نفسها مندمجة بصورة أوثق في منظومة أمن إقليمية تتفوق فيها إسرائيل تكنولوجيًا وتدعمها الولايات المتحدة استراتيجيًا. ولن يتخذ هذا الاندماج شكل وصاية مباشرة أو استعمار تقليدي، بل سيظهر في صورة اعتماد بنيوي متزايد: تكامل في أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، تعاون سيبراني لحماية البنى التحتية للطاقة، قابلية تشغيل عسكري مشتركة، وتبادل موسع للمعلومات الاستخباراتية البحرية.

بهذا المعنى، ستبقى السيادة الوطنية قائمة من حيث الشكل، بينما تميل البنية الأمنية العميقة تدريجيًا نحو مركز استراتيجي واحد.

في هذا السيناريو، قد تتحول إسرائيل إلى محور أمني إقليمي ومركز تكنولوجي متقدم وعقدة لوجستية تربط الخليج بشرق المتوسط. كما أن استغلال الغاز البحري الإسرائيلي ومشاريع الممرات الطاقية المتجهة نحو أوروبا قد يعززان هذه المركزية الجديدة. وهكذا يمكن إعادة توجيه تدفقات الطاقة وتنويعها وتأمينها ضمن منظومة إشراف غربية–إسرائيلية، بما يحول الشرق الأوسط من ساحة توازنات هشة إلى ممر استراتيجي منظم بإحكام.

أما بالنسبة للصين، فقد يكون الأثر غير مباشر لكنه عميق. فالاعتماد الكبير على طرق طاقة خاضعة لتأثير محور استراتيجي منافس يزيد من هشاشتها الجيوسياسية. وقد يدفع ذلك بكين إلى تسريع تنويع مصادر إمداداتها عبر روسيا وآسيا الوسطى والقطب الشمالي، أو عبر الممرات البرية المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق، ولا سيما عبر باكستان.

وبهذا المعنى، فإن الصراع الدائر في الخليج قد لا يستهدف طهران وحدها، بل قد يطال بصورة غير مباشرة قدرة الصين على مواصلة نموها الاقتصادي دون قيود جيوسياسية بحرية.

غير أن إعادة الهيكلة هذه لا تخلو من مخاطر بنيوية. فكلما أصبح نظام السيطرة أكثر وضوحًا، ازداد احتمال تشكل توازنات مضادة. فقد اعتادت دول الخليج تاريخيًا على انتهاج سياسة موازنة دقيقة بين القوى الكبرى للحفاظ على هامش استقلالها الاستراتيجي. وإذا أصبح الاعتماد الأمني على محور واحد مفرطًا، فقد تتجه هذه الدول إلى تعميق علاقاتها مع الصين أو روسيا كنوع من التوازن التعويضي.

ومن جهتها، لا مصلحة للصين في السماح بقيام "قفل طاقي" استراتيجي يمكن أن يُستخدم ضدها. وقد يدفعها ذلك إلى تعزيز حضورها البحري، وتوسيع شبكة اتفاقياتها الثنائية في المنطقة، أو الاستثمار المكثف في ممرات طاقة بديلة.

إن المفارقة في أي هيمنة إقليمية مفرطة الفعالية هي أنها تولّد، بحكم طبيعتها، تحالفات مضادة. كما أن عسكرة المضائق لفترات طويلة تزيد من خطر الحوادث غير المحسوبة. وقد يؤدي أي تصعيد محلي إلى صدمة نفطية عالمية تضعف الاقتصادات الغربية نفسها.
إن المفارقة في أي هيمنة إقليمية مفرطة الفعالية هي أنها تولّد، بحكم طبيعتها، تحالفات مضادة. كما أن عسكرة المضائق لفترات طويلة تزيد من خطر الحوادث غير المحسوبة. وقد يؤدي أي تصعيد محلي إلى صدمة نفطية عالمية تضعف الاقتصادات الغربية نفسها.

وهكذا قد يتحول الاستقرار الذي يُراد تحقيقه عبر التحكم الصارم في الممرات الاستراتيجية إلى مصدر عدم استقرار بنيوي إذا ما اختل التوازن متعدد الأقطاب بصورة مفاجئة.

وفي أكثر السيناريوهات جذرية، قد لا يكون الهدف النهائي من هذه الدينامية مجرد منع إيران من امتلاك سلاح نووي، بل إدماج الشرق الأوسط بصورة دائمة ضمن منظومة استراتيجية غربية تصبح فيها إسرائيل أحد محاورها المركزية.

*مستشار دولي سابق  في المكتب الأوروبي للإستشارات
التعليقات (0)