الحرب نزاع مسلح منظم وعنيف بين دولتين أو
أكثر، أو مجموعات داخل الدولة الواحدة (حرب أهلية)، تهدف فيه الأطراف إلى فرض
إرادتها، سواء أكانت تحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية، أو عسكرية لبسط النفوذ
باستخدام القوة العسكرية.
هذا التعريف يبقى عاماً بحيث يشمل كل الحروب
على أنواعها، بما فيها الحرب القائمة اليوم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة،
وإيران من جهة أخرى، وهو لذلك لا يعطينا صورة واضحة عن طبيعة هذه الحرب وأهدافها.
إن أقرب تصور لهذه الحرب هو اعتبارها حرب
هجينة (الولايات المتحدة،
إسرائيل) وحرب عشوائية (
إيران)، فالحرب الهجينية هي
استراتيجية عسكرية معاصرة تدمج بذكاء بين الأدوات التقليدية (جيوش، أسلحة)، وغير
التقليدية (هجمات سيبرانية، معلومات مضللة، ضغوط اقتصادية)، وحرب الوكلاء
(ميليشيات) لتحقيق أهداف سياسية، وهذا النوع من الحرب هو الذي تشنه الولايات
المتحدة وإسرائيل على إيران.
على الرغم من أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد ألمح إلى تغيير النظام، حين دعا الشعب الإيراني إلى السيطرة على مؤسساته، فإن هدف إسقاط النظام الإيراني ليس هدفاً أولياً بالنسبة إلى واشنطن، لأنه هدف مستحيل التحقق في الحالة الإيرانية ضمن تعريف الحرب الهجينة
أما الرد العسكري الإيراني فهو يندرج ضمن
الحرب العشوائية التي هي بحكم التعريف أعمال عدائية تستخدم وسائل قتالية لا يمكن
حصر آثارها بأهداف عسكرية محددة، مما يؤدي إلى إصابة مدنيين أو أعيان مدنية دون
تمييز، وتعتبر محظورة بموجب القانون الدولي الإنساني.
ما يفسر الحرب الهجينة الأميركية ـ
الإسرائيلية هو عدم القدرة على إحداث تحول عسكري أو سياسي جذري في الطرف الثاني
(إيران)، أي القدرة على تدمير الكامل للقوة العسكرية الإيرانية.
هنا تظهر التباينات بين الموقفين الأميركي
والإسرائيلي، فبينما يتفق الجانبان الأميركي والإسرائيلي على تدمير المقدرات
العسكرية الإيرانية، بما في ذلك البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي الباليستي،
فإنهما يختلفان حول النظام الإيراني.
على الرغم من أن الرئيس الأميركي دونالد
ترمب قد ألمح إلى تغيير النظام، حين دعا الشعب الإيراني إلى السيطرة على مؤسساته،
فإن هدف إسقاط النظام الإيراني ليس هدفاً أولياً بالنسبة إلى واشنطن، لأنه هدف
مستحيل التحقق في الحالة الإيرانية ضمن تعريف الحرب الهجينة، لأسباب عديدة، أهمها،
أولا المساحة الجغرافية الكبيرة جدا لإيران، ذلك أن إسقاط النظام الإيراني يتطلب
حرباً برية شاملة كما حدث في العراق عام 2003، وبالتالي فإن هذا الخيار يبقى خارج
المفُكر فيه أميركيا، وثانياً، إن إسقاط رأس النظام الإيراني (المرشد) لا يؤدي إلى
إسقاط النظام كما هو الحال في سورية الأسد، أو عراق صدام حسين، ففي إيران مؤسسة
سياسية منظمة ومرتبة، وتمتلك تقليداً قارب عمره عقوداً خمسة.
إيران تختلف اختلافاً جذريا عن فنزويلا، وما
جرى فعله في الخاصرة الأميركية (فنزويلا) لا يمكن تحقيقه في إيران، فمثل هذا الهدف
ينطوي مخاطر جيوسياسية كبيرة جداً، وستكون له
تداعيات كبيرة على مستوى العالم،
بخلاف فنزويلا كحالة شديدة المحلية على مستوى الإقليم الأميركي.
أيضاً، تتميز إيران بخصوصية هي أنها أمة
وحدية، والأمة الوحيدة عادة ما تتعاضد داخلياً وترمي خلافاتها الداخلية جانباً
أمام التهديد الخارجي الذي لا يفرق بين الشعب ونظام الحكم.
لذلك يمكن القول إن الحرب الأميركية تقوم
على تدمير أكبر قدر ممكن من القدرات العسكرية الإيرانية ليس لإبعاد تهديدها عن
إسرائيل فحسب، بل أيضا لشلها استراتيجياً على مستوى المنطقة، ضمن مرحلة جديدة
يشهدها الشرق الأوسط تقوم على سيطرة إسرائيلية كاملة للمنطقة.
ومن هنا، فإن الحرب الأميركية تندرج ضمن أمد
زمني محدد وليس مفتوحاً، وهو ما عبر عنه وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، حين قال
"إن الحرب على إيران لن تكون مثل الحرب على العراق، وإنها ليست حربا بلا
نهاية".
لكن إسرائيل التي تدرك أن إيران يمكن أن
تعيد بناء قدراتها العسكرية خلال سنوات عدة، ترى أن الفرصة مواتية لاستمرار الحرب
حتى تصل إلى عتبة حدوث انفجار شعبي داخلي ينتهي بسقوط نظام العمائم، بما يعيد
إيران إلى مرحلة ما قبل الثورة عام 1979، حين كانت إيران ـ الشاه حليفاً
استراتيجيا للولايات المتحدة وإسرائيل معاً.
إن الحرب الأميركية تقوم على تدمير أكبر قدر ممكن من القدرات العسكرية الإيرانية ليس لإبعاد تهديدها عن إسرائيل فحسب، بل أيضا لشلها استراتيجياً على مستوى المنطقة، ضمن مرحلة جديدة يشهدها الشرق الأوسط تقوم على سيطرة إسرائيلية كاملة للمنطقة.
بالنسبة لإيران، وبسبب عدم قدرتها على توجيه
ضربات قاصمة لإسرائيل والولايات المتحدة ـ بسبب الهوة التكنولوجية بين الجانبين ـ
فقد لجأت إلى توجيه هجمات عشوائية تجاه إسرائيل وتجاه دول المنطقة التي تتواجد
فيها قواعد عسكرية.
يظهر العجز الإيراني جلياً في عدم وصول
صواريخ إلى مراكز عسكرية هامة في إسرائيل، أو استهداف القواعد الأميركية المباشرة
في المنطقة بحيث تجعلها خارج الخدمة.
لكن بالمقابل، تمتلك إيران ميزات تجعلها
تتحمل حرب طويلة الأمد، بخلاف إسرائيل أولاً ثم الولايات المتحدة ثانياً، وهذا
فعلاً ما يقوم به صناع القرار في طهران، من أجل أن تكون هذه هي الحرب الأخيرة التي
تُشن ضدها، فهي تعمل على إطالة أمد الحرب لتحقيق أهداف عدة:
أولا ـ رفع تكلفة الحرب مالياً على إسرائيل
والولايات المتحدة.
ثانياً، رفع تكلفة الحرب مالياً على العالم
كله، إذ يؤدي ارتفاع أسعار النفط والغاز من جهة، ووقف تصديرهما من جهة ثانية، إلى
نشوء غضب عالمي من شأنه أن يمارس ضغوطاً على إيران لوقف الحرب.
ثالثاً ـ تكبيد إسرائيل خسائر بشرية أكبر،
وهو ما لا تتحمله.
رابعاً، شل الحياة الاقتصادية في دول
الخليج، ثم وصول ملوك وأمراء هذه الدول إلى قناعة تامة بأن الاستراتيجية الأميركية
في المنطقة لا تضع أمن دول الخليج على أولوية أجندتها الاستراتيجية، بخلاف إسرائيل.
بغض النظر عن نتائج الحرب العسكرية التي
ليست في صالح إيران، فإن اليوم التالي للحرب يبقى هو الأخطر لأنه سيكون عصر
إسرائيل في المنطقة، وهذا يتطلب من إيران القيام بإعادة تقييم استراتيجي لسياستها
مع العالم العربي.
إن وقوف إيران إلى جانب القضية الفلسطينية
منذ اليوم الأول لنجاح الثورة الإيرانية عام 1979، أعطى قوة دفع كبيرة للعرب في
مواجهة إسرائيل، لكن سياسة إيران في العالم العربي (لبنان، العراق، سورية، اليمن)
أوجدت شقاً استراتيجياً بينها وين العرب، لا بد من إزالته، ومن دون ذلك، ستبقى
القوتين الإقليميتين الإسلاميتين (إيران، تركيا) والعالم العربي في حالة ضعف شديد،
في وقت تخترق إسرائيل منظومة الأمن القومي العربي، وتحكم احتلالها على الشعب
الفلسطيني.