حين تختزل ساحة المحافظة المشهد السوري

حسين عبد العزيز
"لماذا كل هذا الغضب من اعتصام "قانون وكرامة"؟- الإخبارية السورية
"لماذا كل هذا الغضب من اعتصام "قانون وكرامة"؟- الإخبارية السورية
شارك الخبر
سوريا مريضة، ومرضها عُضال، يصعُب علاجه إلا بعمليات اجتراحية، هي غير متوفرة حتى الآن. لا يتعلق الأمر بالتردي الاقتصادي والأمني والسياسي والخدمي فحسب، بقدر ما يتعلق الأمر بالإنسان السوري المُشوه فكريا، وخاضعا في سلوكه لوعي لا يستقيم إلا باستلاب الآخر، والآخر هنا ليس إلا نقيضا إنسانيا لا اجتماعيا، نشأ عبر تقسيم التاريخ إلى مرحلتين: مرحلة الأسد ومرحلة الشرع، فمن ينتمي إلى الأولى لا يحق له التظاهر، ولا يحق له المطالبة باحتياجاته الاجتماعية على تنوعاتها.

كان مشهد ساحة المحافظة وسط دمشق تجسيدا لما سبق ذكره، حين اعتصم عشرات الأشخاص، وربما المئات، ضمن اعتصام سمي "قانون وكرامة"، للمطالبة بالإنصاف الاجتماعي (تحسين الأوضاع المعيشية والخدماتية، حماية الخدمات الأساسية مثل الكهرباء، المياه، الصحة، التعليم باعتبارها حقوقا عامة، إنصاف المتضررين اجتماعيا وحماية الحقوق عبر دعم المتقاعدين، ودعم الفئات الأكثر هشاشة كالنساء، والأطفال المشردين، وأهالي الضحايا، والناجين، إنصاف المتضررين اجتماعيا وحماية الحقوق عبر دعم المتقاعدين، ودعم الفئات الأكثر هشاشة كالنساء، والأطفال المشردين، وأهالي الضحايا، والناجين، تحقيق العدالة المعيشية عبر وقف رفع الأسعار قبل تصحيح الأجور، ضبط الأسواق، ومكافحة الاحتكار، وربط الرواتب بمستوى المعيشة) والمطالبة بالإنصاف السياسي (التزام السلطات الانتقالية بمهامها وصلاحياتها في قيادة العملية الانتقالية، والعمل على تهيئة عملية انتقال سياسي حقيقية قائمة على حوار وطني جامع للوصول إلى الانتخابات، وتفعيل مسار العدالة الانتقالية ومحاسبة المتورطين في الجرائم، وإطلاق المحاسبة غير القضائية ضمن الإدارات العامة بدلا من التسريح التعسفي، رفض إعادة إنتاج النظام البائد وتعويم شخصياته وإلغاء التسويات مع رجاله الذين ساهموا في مقتلة الشعب السوري، والتوقف عن تعويم فلول الأسد وتسليمهم مناصب رسمية، صون الحقوق والحريات بما يشمل حرية التعبير والتجمع، وتجريم خطاب الكراهية والانقسام وتعزيز الوحدة المجتمعية برفض الطائفية والتمييز، ومراجعة القوانين التمييزية بين أي فئة مجتمعية وأخرى).

غير أن هذا الاعتصام، على صغر حجمه، ومطالبه التي تعتبر أبسط المطالب الاجتماعية والسياسية، قوبلت بهجوم لاذع وبحملة تخوينية قبيل بدء الاعتصام، ثم انتقل المعترضون على الاعتصام إلى التجمع في ذات المكان والزمان لتشكيل اعتصام مضاد، لم يكتف بشجب ورفض مطالب اعتصام "قانون وكرامة"، وإنما بتخوينهم ووصفهم بفلول النظام السابق.

لماذا كل هذا الغضب من اعتصام "قانون وكرامة"؟ هل يتعلق الأمر ببعض شخوص المنظمين للاعتصام، أم أن الأمر يتعلق ببعض المطالب؟ السؤالان غير سويين، ومجرد طرحهما يعني ثمة خلل في الوعي الجمعي وفي المنظومة السياسية ككل.

أولا، أظهر الاعتصام المضاد ومشايعيه على وسائل التواصل الاجتماعي، أن مطالب معتصمي "قانون وكرامة" -في غالبيتهم ليسوا من الفلول- ليست محقة، وليس من حقهم الاعتصام أصلا، بل ذهب البعض إلى حد اعتبار أن كلمة "كرامة" التي أطلقوها على اعتصامهم، مسروقة من أول جمعة في الثورة السورية "جمعة الكرامة"، في محاولة لنزع صفة الكرامة عن اعتصام المحافظة.

هل تنتفي الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عن أشخاص كانوا داعمين للأسد؟ بعبارة أخرى هل تأخذ الحقوق قيمتها من ذاتها أم تتغير بحسب الشخوص؟ ألسنا بذلك نعيد عبارة الأسد الشهيرة "سوريا ليست لكل السوريين، بل للذين دافعوا عنها"

كيف يمكن بناء إجماع سياسي في وطن منقسم بين "نحن" و"هم"، بين من يمتلك الحق وبين من لا يمتلكه؟ وهو انقسام ليس قائما على خطوط تصدع وطنية، كما هو الأمر في حالة حكمت الهجري الذي وضع مستقبل السويداء ضمن العباءة الإسرائيلية، وإنما هو انقسام قائم على وعي زائف، وعلى جهل في الآليات التي تُبنى فيها الدولة الحديثة.

الانقسام الاجتماعي والسياسي الذي يعمقه اليوم مناصرو السلطة الحاكمة بين "نحن" و"هم"، ليس قائما على وقائع ملموسة (برامج سياسية واقتصادية وثقافية)، وإنما هو نتاج مخيال اجتماعي يجد شرعيته من معطيات ذاتية للأفراد، ممن ينظرون إلى أنفسهم أنهم أصحاب الحق وغيرهم ممن لا يمتلكون هذا الحق

ثانيا، ما يجعل المشهد أكثر قتامة، هو أن الغضب الذي اعترى المناهضين لاعتصام "قانون وكرامة"، يكمن أيضا في المطالب السياسية للاعتصام، وهنا الجديد الذي جاء به اعتصام المحافظة، إذ عنت مطالب الديمقراطية والمواطنة وضمان الانتقال السياسي، خطرا بنيويا يهدد الوضع القائم.

كيف يمكن اعتبار هذه المطالب خطرا؟ كيف يمكن لمطالب تتعلق بالتزام السلطات الانتقالية بمهامها وصلاحياتها في قيادة العملية الانتقالية، وتفعيل مسار العدالة الانتقالية ومحاسبة المتورطين في الجرائم، وصون الحقوق والحريات وتجريم خطاب الكراهية والانقسام، ورفض الطائفية والتمييز، أن تشكل خطرا على الإجماع الوطني؟

إن الانقسام الاجتماعي والسياسي الذي يعمقه اليوم مناصرو السلطة الحاكمة بين "نحن" و"هم"، ليس قائما على وقائع ملموسة (برامج سياسية واقتصادية وثقافية)، وإنما هو نتاج مخيال اجتماعي يجد شرعيته من معطيات ذاتية للأفراد، ممن ينظرون إلى أنفسهم أنهم أصحاب الحق وغيرهم ممن لا يمتلكون هذا الحق.

ومن المفارقات المضحكة، أن عملية نفي الآخر وصلت حد سبغ الصفات الحضارية على مشهد الاعتصام، وخصوصا على دور رجال الأمن الذين وقفوا محايدين، لكن هؤلاء تجاهلوا أن المشهد الحضاري هذا يعود بالدرجة الأولى إلى معتصمي "قانون وكرامة"، لأنهم لم يلجأوا إلى العنف لمواجهة تظاهرة مضادة اخترقت اعتصامهم عنوة، وحملت رايات التوحيد، مع ما يحمله ذلك من دلالات دينية، واتهموا المعتصمين بالخيانة وبالفلول.

حين يقدم العقل استقالته في الحكم على الظواهر الاجتماعية، يهيمن اللامعقول لدرجة يصبح فيه اللامعقول هو العقل.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل