الاستعلاء على الإسلام: لماذا خسر حزب العمال الكردستاني الرهان؟

مصطفى الخليل
"الجناح السوري وحاضنته الشعبية من كرد سوريا، يظلان كبش الفداء الذي يدفع الثمن الأغلى لهذا التخبط السياسي والفكري"- جيتي
"الجناح السوري وحاضنته الشعبية من كرد سوريا، يظلان كبش الفداء الذي يدفع الثمن الأغلى لهذا التخبط السياسي والفكري"- جيتي
شارك الخبر
منذ تأسيسه عام 1978 على يد عبد الله أوجلان، مثَّل حزب العمال الكردستاني (PKK) أحد أبرز وأقوى التيارات الفاعلة في المشهد السياسي الكردي في المنطقة، حيث انطلق بأيديولوجيا ماركسية-لينينية تهدف إلى مواجهة الدولة التركية، ردّا على سياسات التتريك وقمع اللغة الكردية والتهميش الثقافي. وبعد تمرد مسلح استمر عقودا وأودى بحياة أكثر من 40 ألف شخص، تحوَّل الحزب لاحقا من المطالبة بدولة مستقلة للكرد إلى مشروع الحكم الذاتي. لكن المتأمِّل في مسار في مسار الحزب، خاصة بعد الحرب على تنظيم الدولة (2014-2017)، يلمس تراجعا نوعيا متعدد الأبعاد امتد إلى انهيار ثقافي وأيديولوجي عميق، يعكس عجزه عن قراءة التحولات الإقليمية وفقدانه البوصلة في استيعاب المتغيرات الاجتماعية والدينية للمجتمعات التي يدّعي تمثيلها.

الكهنوت الأوجلاني: من الماركسية إلى "الأمة الديمقراطية"

شهد الحزب منذ اعتقال أوجلان عام 1999 تحوُّلا عقديا جذريا، قاده من سجنه في جزيرة إيمرالي متأثِّرا بأعمال المفكر الأمريكي موراي بوكتشين، فتخلَّى تدريجيا عن مشروع الدولة الاشتراكية المستقلة للكرد، إلى تبنّي مفهوم "الأمة الديمقراطية" و"الكونفدرالية الديمقراطية"؛ وهي رؤية لا مركزيّة تقوم على المجالس المحلية، وترفض الدولة القومية، وتدعو لضمان الحقوق الثقافية للكرد ضمن وحدة تركيا. كما دمج الحزب قضايا النسوية والبيئة في عقيدته، فأنشأ وحدات نسائية قتالية (وحدات حماية المرأة)، وتبنَّى خطاب "تحرر المرأة كتحرر للمجتمع"، مستندا إلى استعادة ثقافة ما قبل الديانات الإبراهيمية.

هذه الشخصنة المفرطة أنتجت نخبوية فكرية منغلقة داخل قيادة الصف الأول للحزب، لكنها فاقدة للقدرة على فهم الديناميات الثقافية والروحية للمجتمعات التي تدّعي تمثيلها

ورغم هذا التحوُّل النظري، بقيت البنية التنظيمية محكومة بمركزيّة رمزيّة مطلقة لشخصية أوجلان، الذي تحوَّل في أدبيات الحزب من قائد سياسي إلى شخصية كهنوتية توازي مكانة ماركس ولينين؛ حيث أصبحت "الأوجلانية" أيديولوجيا ثورية تمزج بين الفكر الاشتراكي والهوية الكردية والتأملات الذاتية للقائد، مما جعل أي نقد له خيانة عظمى للقضية الكردية. هذه الشخصنة المفرطة أنتجت نخبوية فكرية منغلقة داخل قيادة الصف الأول للحزب، لكنها فاقدة للقدرة على فهم الديناميات الثقافية والروحية للمجتمعات التي تدّعي تمثيلها.

التيارات العقدية الداخلية: الصراع الخفي وكبش الفداء السوري

رغم الصورة الموحدة التي يتمسك الحزب بتقديمها عن نفسه، إلا أن في داخله الخفي تعشعش تيارات فكرية متباينة بحدة. فهناك التيار الأوجلاني المهيمن الذي يتبنَّى مشروع "الأمة الديمقراطية"، والتيار الثوري الماركسي التقليدي المتمسِّك بالصراع الطبقي والدولة المستقلة. أمَّا التيار النسوي الراديكالي، المتجذِّر في وحدات حماية المرأة، فقد تعزَّز بعد الحرب على تنظيم الدولة، مطالبا بتمثيل متساوٍ للمرأة في القيادة.

وإلى جانب ذلك، برز الجناحان السياسي والعسكري في سوريا؛ "مسد" و"قسد". وهذه التيارات المتباينة تُفصح عن هشاشة المشروع الموحد، وتُنذِر بتصدُّعات أعمق، إلى جانب هذه التيارات، ثمة أجنحة أخرى أكثر عمقا وتمثيلا للتنوع الديني والثقافي والمناطقي داخل الحزب، أبرزها الجناحان التركي والإيراني؛ حيث يمسك الأخير بملف الحرب والسلم، فيما يتحكم الأول بالقرار السياسي والفكري. أما الجناح السوري، فيأتي في ذيل هذه الأجنحة تأثيرا ونفوذا، وهو الأكثر هشاشة رغم كونه التجسيد الميداني الأبرز لمشروع "كردستان المتخيّلة". هذه الأجنحة لا تكاد تتفق على قرار مصيري واحد، بل تعيش صراعا دائما على النفوذ والرؤية، لكن الثابت الوحيد في كل مرة هو أن الجناح السوري وحاضنته الشعبية من كرد سوريا، يظلان كبش الفداء الذي يدفع الثمن الأغلى لهذا التخبط السياسي والفكري.

قسد: واجهة عسكرية بكوادر قنديلية

في سياق الفرع السوري للحزب، لا بد من تفكيك العلاقة العضوية بين حزب العمال الكردستاني وقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، التي تشكِّل وحدات حماية الشعب الكردية (YPG) ووحدات حماية المرأة (YPJ) جناحيها العسكريين، إضافة إلى حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) كجناح سياسي يمثِّل الهرم الفكري لمجلس سوريا الديمقراطية. بالتركيبة القيادية، يتَّضح أن قسد، رغم ضمها مكونات عربية وكردية، ليست أكثر من واجهة للحزب؛ فالكوادر المسيطرة على القرار هم أعضاء الحزب الذين تدربوا في جبال قنديل. هذه الهيمنة تفسِّر أيضا فشل قسد في التحوُّل إلى مشروع وطني سوري، إذ ظل القرار محكوما بمرجعية الحزب العليا في قنديل، مما جعل الشركاء العرب واجهة شكلية. وتتفاقم الهيمنة بنظرة فوقية من قيادة قنديل تجاه الكوادر السورية، مما عمَّق الفجوة بين مركز القرار والقواعد الشعبية.

اللحظة الضائعة: ما بعد تنظيم الدولة

شكَّل هجوم تنظيم الدولة على عين العرب/كوباني عام 2014 نقطة تحوُّل جذرية؛ فمقاومة قسد حظيت بتعاطف دولي غير مسبوق، وبدا أن الكرد قادرون على تقديم نموذج بديل لقيادة شمال شرق سوريا. لكن الحزب عجز عن استثمار تلك اللحظة سياسيا وثقافيا؛ فبدل بناء جسور مع العرب السنَّة في الرقة ودير الزور ومنبج، الذين كانوا يبحثون عن مشروع إسلامي معتدل جامع، انغمس في مشروعه الأيديولوجي الضيق. وهنا تكمن المأساة: دفع شبان كرد وعرب حياتهم ثمنا للمقاومة، لكن الحزب استغل تضحياتهم ليُكرِّس رؤية يسارية فجَّة تتجاهل أن الأهالي كانوا يحلمون بمشروع يحترم ثقافتهم، لا بمشروع ماركسي بعيد عن عمقهم الروحي.

"عويش" والدة القائد: نموذج الابن العاق والتفكك الأسري

لم يقتصر تحويل الحزب لأوجلان من ثائر إلى مرجعية أبدية، بل تجاوز ذلك ليشمل والدته "عويش"، التي أضحت في أدبيات الحزب ودوراته شخصية ملهمة. ويستند الحزب في ذلك إلى قول أوجلان: "أمي لم تكن تقرأ الكتب، لكنها كانت تفهم الحياة جيدا". هذا الاقتباس يكشف عن محاولة منهجية لتقديم "قدوة بديلة": امرأة أميَّة تمتلك "حكمة الحياة" التي تفوق حكمة النماذج التقليدية في المجتمع المحافظ، عبر أسطرة الشخصيات المحيطة بالزعيم. وتتجلى هذه المحاولة في دورات تدريبية مغلقة للمراهقات (كردا وعربيات) بعد سيطرة قسد على الرقة ودير الزور ومنبج عام 2017، حيث تُقدَّم "عويش" رمزا للتمرد، في مسعى لتفكيك البنية الأسرية التقليدية، مما أحدث شرخا إضافيا بين الحزب والمجتمع.

توافق غير مباشر مع تنظيم الدولة

في مفارقة لافتة، يلتقي حزب العمال الكردستاني مع خصمه تنظيم الدولة عند نقطة خطيرة: صورة الشعب الكردي وعلاقته بالإسلام. فبينما روَّج التنظيم أن "الكرد ملحدون" في خطابه التكفيري، فقد نجح الحزب بسياساته الثقافية المتعصِّبة في تكريس هذه الصورة النمطية؛ بإصراره على خطاب علماني متشدِّد، وتمجيد شخصيات دينية بديلة، ومحاربة الرموز الإسلامية في مناهجه وأطروحاته وفلسفاته. هذا التقاطع غير المباشر ما بين حزب العمال الكردستاني وما بين تنظيم الدولة يمثِّل كارثة غير محسوبة النتائج على القضية الكردية، حيث بات الكرد يدفعون ثمنا مضاعفا: إرهاب التنظيم من جهة، وسياسات الحزب التي تغذِّي الصورة النمطية المغايرة للواقع عن المجتمع الكردي في سوريا والمنطقة من جهة أخرى.

أزمة التعليم: تجسيد الفشل الثقافي
الخطأ الكارثي: استغلال حالة العوز الوجودي للشخصية الكردية وتحويلها إلى حطب لأجندات لا تمتلك القدرة على تحقيقها، فحملها الحزب عبء حل مشاكل الشرق الأوسط، فكانت النتيجة إرهاق المجتمع الكردي وتحويله إلى ورقة ضغط تتجاذبها أجنحة قنديل العميقة والدول الفاعلة في الملف الكردي

تتجلى الأزمة الثقافية في سياسات "الإدارة الذاتية" التعليمية، حيث حول المدارس إلى ساحة أدلجة قسريّة بمناهج تهدف لترسيخ الهوية الكردية وفق رؤية الحزب الضيقة، عبر إدراج أوجلان وزرادشت وكونفوشيوس، وحذف الشخصيات العربية والإسلامية، وتغيير الخرائط بإدراج "روج آفا" بدل "سوريا"، والتلاعب بالتاريخ، ومحاولة تغيير أسماء المناطق ذات الأصول العربية والسريانية إلى مسميات كردية في الجزيرة السورية، وفرض الاحتفال بعيد نوروز باعتباره اختبارا للولاء، واعتبار أن عدم الاحتفال به يُعد "كرها للكرد"؛ هذا الاستعلاء الثقافي يعكس تجاهلا صارخا للإرث التاريخي والديني للكرد أنفسهم، الذين يشكِّل الإسلام جزءا أصيلا من هويتهم ووجدانهم.

الحامل البشري الضعيف وتبديد العوز الوجودي

يستند الحزب في بنائه على شريحة اجتماعية هشة وفقيرة، سهلة الاستقطاب، لكنها تفتقر للرصيد الثقافي لتحمُّل مشروع تغييري كبير. وهنا الخطأ الكارثي: استغلال حالة العوز الوجودي للشخصية الكردية وتحويلها إلى حطب لأجندات لا تمتلك القدرة على تحقيقها، فحملها الحزب عبء حل مشاكل الشرق الأوسط، فكانت النتيجة إرهاق المجتمع الكردي وتحويله إلى ورقة ضغط تتجاذبها أجنحة قنديل العميقة والدول الفاعلة في الملف الكردي.

إن تقهقر حزب العمال الكردستاني يجب ألَّا ينظر إليه على أنه نتاج انكسار عسكري فقط، بل هو انعكاس لانهيار مشروع ثقافي يعكس أزمة اليسار العالمي وعجزه عن مخاطبة الهويات والدين والتفاعل معها من داخلها. فالحزب الذي قدَّس القائد وأفرز هالة حوله، انغلق على نخبوية فكرية جعلته غريبا عن قواعده المحافظة. والأخطر أنه رسَّخ الصورة النمطية عن "إلحاد" الكرد، فالتقى مع خصمه تنظيم الدولة عند نقطة تكريس هذه الفكرة المدمرة.

إن استغلال الحزب ردود فعل الأهالي ضد التنظيم ليُكرِّس رؤية يسارية تتجاهل أنهم كانوا يريدون مشروعا إسلاميا معتدلا يحترم ثقافتهم، دفع الكثير من الشباب الكرد والعرب حياتهم ثمنا لهذه الرؤية المستعلية، التي تجلَّت في هيمنة قنديل على الفروع السورية بنظرة فوقية؛ مما عمَّق الشرخ الداخلي. وهكذا كان جزاء الحزب أن تجاوزه الزمن، تاركا مجتمعات أنهكها الصراع وخُدعت أحلامها الكبيرة، وفي مقدِّمتها الكرد السوريون.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)