مضيق هرمز وحدود الردع النووي: لماذا تظل الممرات البحرية متغيرا استراتيجيا مستقلا؟

مصطفى الخليل
"تترجم إيران بعض الدروس في مقاربتها تجاه مضيق هرمز"- جيتي
"تترجم إيران بعض الدروس في مقاربتها تجاه مضيق هرمز"- جيتي
شارك الخبر
غالبا ما يُصنَّف الحديث عن القوة البحرية بوصفها متغيرا استراتيجيا حاسما ضمن الأدبيات الكلاسيكية التي يُفترض أن منطق الردع النووي قد حدّ من مركزيتها. غير أن ما تكشفه أزمة مضيق هرمز الراهنة لا يشير إلى نهاية هذا الدور، بل إلى حدودٍ بنيوية في فعالية الردع النووي؛ إذ إن قدرته على منع الحرب الشاملة بين القوى الكبرى تترافق مع محدودية واضحة في التعامل مع أنماط الإكراه التي تقع دون عتبة الاستخدام النووي. ما يجري في هذا الممر ليس مواجهة نووية، بل عودة إلى نمط صراع يُظهر أن التحكم في نقاط الاختناق البحرية يمنح نفوذا عمليا قابلا للاستخدام والتدرج، في حين تظل الترسانات النووية أقل قابلية للتوظيف السياسي خارج سيناريوهات التهديد الوجودي. فأين تكمن هذه الثغرة البنيوية؟

حصار صُور: المتغير المستقل

يعود هذا النمط من التفكير إلى درسٍ استراتيجي قديم، ففي حصار صور، لم يُحسم الصراع بتفوق بري صرف، بل عبر سلسلة من الإجراءات كان من أبرزها تحييد الميزة البحرية للمدينة. فبناء الجسر الحجري، إلى جانب دعم بحري من حلفاء إقليميين، مكّن الإسكندر المقدوني من تقليص قدرة صور على الاستفادة من موقعها البحري. لم يكن العامل البحري وحده حاسما، لكنه شكّل عنصرا مركزيا في تحويل الموقع الدفاعي للمدينة إلى عبء لوجستي. الدرس هنا لا يتمثل في عامل واحد معزول، بل في أن حرمان الخصم من الوصول الفعّال إلى البحر يمكن أن يكون عاملا مرجحا ضمن مجموعة عوامل متداخلة.

لا يبقى السؤال المركزي محصورا بـ"من يملك أضخم ترسانة نووية؟"، بل يمتد إلى سؤالٍ أشد إلحاحا: من يسيطر على الممرات البحرية التي يتوقف عليها انتظام الاقتصاد العالمي وتدفق الطاقة دون انقطاع؟

من الطرف الأغر إلى فوكلاند: العزلة كسلاح

تكرر هذا المنطق في سياقات مختلفة، مع اختلاف موازين القوى والتقنيات. ففي معركة الطرف الأغر، أسهم تدمير الأسطول الفرنسي-الإسباني في ترسيخ التفوق البحري البريطاني، ما عزز من قدرة بريطانيا على فرض حصار طويل الأمد على فرنسا. لم تكن المعركة وحدها سبب العزلة، بل جاءت ضمن سياق أوسع من السيطرة البحرية المستمرة.

وفي أزمة السويس، أظهر تأميم القناة ثم العمليات العسكرية اللاحقة كيف يمكن لممر مائي حيوي أن يتحول إلى أداة ضغط اقتصادي وسياسي. لم يكن التأميم بحد ذاته إغلاقا فوريا للملاحة، لكن تطورات الأزمة أبرزت حساسية النظام التجاري العالمي تجاه اضطراب هذه الممرات.

أما في حرب الفوكلاند، فقد بقي السلاح النووي خارج معادلة الصراع، بينما لعبت السيطرة على خطوط الإمداد البحرية دورا مهما في تمكين بريطانيا من استعادة الجزر. ومع ذلك، لم يكن الحسم بحريا فقط، بل جاء نتيجة تكامل العمليات البحرية والجوية والبرية.

في هذه الحالات، لم يكن العامل البحري هو الوحيد، لكنه ظل عنصرا حاسما ضمن منظومة أوسع من أدوات القوة.

ميدواي: الحسم قبل الذرة

في معركة ميدواي، شكّلت الضربات الجوية المنطلقة من حاملات الطائرات نقطة تحول استراتيجية، حيث فقدت اليابان أربع حاملات طائرات خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا. لم يكن ذلك حدثا لحظيا بقدر ما كان نتيجة سلسلة عمليات متتابعة خلال يوم واحد، لكنه أدى إلى تراجع القدرة اليابانية على المبادرة الهجومية في المحيط الهادئ. تُظهر هذه المعركة أن السيطرة على الفضاء البحري، خاصة عبر القوة الجوية المحمولة بحرا، يمكن أن تكون عاملا حاسما، دون أن تكون العامل الوحيد في تغيير ميزان القوى.

درس الغواصة "غازي": منصة واحدة ضمن معادلة أوسع

في حرب 1971، مثّل غرق الغواصة "غازي" خسارة مهمة للبحرية الباكستانية، خاصة أنها كانت إحدى أبرز أدواتها الهجومية في البحر. ومع ذلك، فإن عزل باكستان الشرقية لم يكن نتيجة هذا الحدث وحده، بل جاء نتيجة تفوق بحري هندي أوسع، إلى جانب عوامل برية وسياسية. يمكن النظر إلى فقدان الغواصة بوصفه عنصرا ضمن منظومة أوسع من الاختلالات، لا العامل الحاسم الوحيد فيها.

استراتيجية طهران: الفوضى المنظمة
توفر السيطرة على الممرات البحرية -أو القدرة على تعطيلها- وسيلة ضغط مستمرة وقابلة للتدرج، وهي وسيلة تتعاظم فعاليتها كلما ازداد اعتماد الاقتصاد العالمي على التدفق الآمن للطاقة عبر ممرات ضيقة. وفي مقدمة هذه الممرات يأتي مضيق هرمز

تترجم إيران بعض هذه الدروس في مقاربتها تجاه مضيق هرمز. في مواجهة تفوق بحري وتقني مدعوم بقدرات نووية، لا تعتمد طهران على الردع المتماثل، بل على أدوات غير تقليدية: زوارق سريعة، وألغام بحرية، وصواريخ مضادة للسفن، وطائرات مسيّرة. لا تهدف هذه الأدوات إلى إغلاق المضيق بشكل كامل ومستدام، وهو أمر صعب التحقيق، بل إلى خلق حالة مستمرة من عدم اليقين الأمني، ترفع تكاليف الشحن والتأمين. هذا النمط لا يعادل حصارا تقليديا، لكنه يعكس استخدام الممر البحري كأداة ضغط تدريجية ضمن حسابات الكلفة والمنفعة.

سؤال القوة الحقيقي

لا تنفي هذه المعطيات دور الردع النووي في منع الحروب الشاملة، لكنها تُبرز حدوده في إدارة الصراعات التي تقع دون تلك العتبة. فبينما يظل السلاح النووي أداة ردع قصوى، توفر السيطرة على الممرات البحرية -أو القدرة على تعطيلها- وسيلة ضغط مستمرة وقابلة للتدرج، وهي وسيلة تتعاظم فعاليتها كلما ازداد اعتماد الاقتصاد العالمي على التدفق الآمن للطاقة عبر ممرات ضيقة. وفي مقدمة هذه الممرات يأتي مضيق هرمز، الذي يمر عبره وحده نحو 20 مليون برميل من النفط يوميا، أي ما يعادل خُمس الاستهلاك العالمي، إضافة إلى نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية. في سياق كهذا، لا يبقى السؤال المركزي محصورا بـ"من يملك أضخم ترسانة نووية؟"، بل يمتد إلى سؤالٍ أشد إلحاحا: من يسيطر على الممرات البحرية التي يتوقف عليها انتظام الاقتصاد العالمي وتدفق الطاقة دون انقطاع؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)