يمكن وصف الهدنة
بين الولايات المتحدة وإيران بأنها هدنة مع وقف التنفيذ، وذلك بعد أن خُرقت في أغلب
الجبهات وكافة الميادين من
الخليج العربي إلى لبنان؛ حيث تعرضت العاصمة بيروت لعدوان
دموي شنه الكيان
الإسرائيلي، سقط خلاله أكثر من 1000 ضحية كجرحى وما يقارب 250
قتيلا أغلبهم من المدنيين.
إيران من ناحيتها
علقت فتح مضيق هرمز ردا على خرق الاتفاق في لبنان، ووجهت ضربات لعدد من دول الخليج
ردا على استهداف أراضيها ومنشأتها بغارات جوية، فيما أكدت الولايات المتحدة الأمريكية
عدم انخراطها في هذه الانتهاكات، معلنة على لسان رئيسها دونالد ترامب أن اتفاق
الهدنة لا يشمل لبنان، خلافا لما أكده الوسيط الباكستاني على لسان رئيس الوزراء
شهباز شريف في وقت لاحق من يوم الأربعاء الفائت.
هشاشة وقف إطلاق
النار عكست ميزان قوة غير مستقر ودرجة عالية من السيولة في منظومة التحالفات
والشراكات الإقليمية والدولية، إذ كشفت خروقات الهدنة الخلاف حول مكوناتها وإطارها
فيما بين الأطراف المنخرطة فيها بما فيهم الوسطاء أنفسهم، لتتحول الهدنة بحد ذاتها
إلى ورقة بيد الأطراف المتصارعة والوسيطة لإعادة رسم ملامح المواجهة والتحالفات
والأهداف والخطط المتبعة،
الواقع الميداني سواء في جنوب لبنان وشرق المتوسط أو في الخليج العربي وباب المندب؛ فتح الباب على مصراعيه لتحولات إقليمية ودولية كبرى تعكس هشاشة النفوذ الأمريكي واضطراب موازينه السياسية والعسكرية والاقتصادية في المنطقة خاصة والعالم عامة
فنتائج المعركة بلغت قدرا من الخطورة إلى حد يكاد ينعكس
في ملامح المنظومة الإقليمية المستقبلية، بل والمنظومة الدولية بشقيها الأمني
والاقتصادي.
فتعزيز الأوراق
التفاوضية واحدة من الأهداف التي تقف خلف هشاشة الهدنة التي يمكن ان يتحول
اختراقها إلى القاعدة والالتزام بها إلى الاستثناء إلى حين تبلور أهداف وموارد وتحالفات
تكاد تكون مستحيلة للحرب، أو اطار وشروط وبيئة دولية وإقليمية ومحلية في إيران وأمريكا
والإقليم والساحة الدولية تسمح بالتوصل لاتفاق يثبت الهدنة كحد ادنى وينهي
الحرب
كحد اقصى، فالواقع الميداني سواء في جنوب لبنان وشرق المتوسط أو في الخليج العربي
وباب المندب؛ فتح الباب على مصراعيه لتحولات إقليمية ودولية كبرى تعكس هشاشة
النفوذ الأمريكي واضطراب موازينه السياسية والعسكرية والاقتصادية في المنطقة خاصة
والعالم عامة.
ها الاضطراب لم
يترك أمام أمريكا والكيان الإسرائيلي من خيار سوى السعي للحفاظ على مخرجات
وتطبيقات اتفاق أيلول/ سبتمبر 2024 لوقف إطلاق النار في لبنان، بل ومحاولة استنساخه
في منطقة الخليج العربي، في مقابل جهود إيرانية بل وإقليمية باكستانية وتركية وإلى
حد ما مصرية وسعودية للدفع باتفاق جديد يعكس ميزان القوى المتغير بعيد 28 من شباط/
فبراير 2026، ليمتد أثره إلى قطاع غزة وجنوب سوريا وباب المندب؛ ومضيق هرمز الذي
عمدت إيران إلى تأكيد سيطرتها عليه من خلال إغلاقه والتحكم بحركة النقل فيه ردا
على الخروقات الإسرائيلية والتهديدات الأمريكية بحشد المزيد من القوات في المنطقة،
كما جاء على لسان الرئيس الأمريكي ترامب وقائد المنطقة المركزية الوسطى (سنتكوم)
الأدميرال براد كوبر.
الهدنة لا تعني
فقط الولايات المتحدة وإيران ودول الخليج، ذلك أن دول الإقليم بما فيهم الوسطاء
والقوى الدولية الاقتصادية والعسكرية من الصين واليابان وكوريا الجنوبية إلى أوروبا
وروسيا ودول الأمريكيتين؛ معنية بنتائجها، فمخرجات الصراع وهندسة ميزان القوة
والمنظومة الإقليمية ستجد انعكاسها في العديد من المنظومات الإقليمية الفرعية التي
سيكون لها تأثير في شكل النظام الدولي الذي يتجه نحو التعددية غير المتحكم بها أمريكيا،
كما كان يحلم وزيرا الخارجية الأمريكي الراحل هنري كيسنجر ونظيره مستشار الأمن
القومي الراحل زبغنيو بريجنسكي.
هنا يبرز السعي الأمريكي لفصل المسار اللبناني ومسار غزة عن مسار التفاوض في إسلام آباد، بالدعوة إلى مفاوضات في واشنطن مع الجانب اللبناني تتخذ طابعا تطبيعيا إبراهيمي الملامح
التعددية المتحكم
بها أمريكيا معادلة باتت عصية على التحقق في ظل فقدان الولايات المتحدة القدرة على
التأثير والتحكم في واحدة من المنظومات الإقليمية الأكثر قربا منها والأكثر تركزا للنفوذ
الأمريكي فيها على مدى السنوات الخمسين الفائتة في الخليج العربي وشرق المتوسط، فكيف
يكون الحال في باقي المنظومات الفرعية التي سرعان ما تتمرد وتخرج عن طور السيطرة والتحكم
الأمريكي!
ختاما.. تخوض إدارة
ترامب والكيان الإسرائيلي سباقا مع الزمن لاستعادة السيطرة على المنطقة، بعد أن
فقداها بفعل التهور وسوء التقدير الذي رافق هجومهما على إيران دون تحقيق الأهداف
المعلنة أو الحفاظ على المكاسب المتحققة على مدى الاعوام الثلاثة الفائتة، ما دفع
الولايات المتحدة والكيان لتهشيم الهدنة في محاولة لتعديل ميزان القوة؛ إما من
خلال الإعداد لجولة قتال جديدة بأهداف متطورة، أو من خلال الحفاظ على المكاسب التي
سبقت هجوم 28 من شباط/ فبراير على إيران عبر خلق مسارات تفاوض منفصلة تضمن حفاظ
الكيان على مكتساباته التي حققها خلال الأعوام الخمسين الفائتة. وهنا يبرز السعي
الأمريكي لفصل المسار اللبناني ومسار غزة عن مسار التفاوض في إسلام آباد، بالدعوة
إلى مفاوضات في واشنطن مع الجانب اللبناني تتخذ طابعا تطبيعيا إبراهيمي الملامح؛ يمنح
الكيان نفوذا مستقرا شرق المتوسط كحد أدنى، ويحافظ على نفوذه ومشروعه الإقليمي
المتآكل لصالح مشاريع صاعدة؛ تركية وباكستانية ومصرية وسعودية وإيرانية، ومن خلفها
الصين وروسيا وأوروبا الساخطة على ترامب ودولته العميقة العاجزة عن لجمه وعقلنته.
x.com/hma36
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.