قراءة متأنية في نتائج الحرب على إيران

فاطمة الجبوري
"القوة التي كانت تريد حسم المشهد بأدوات تقليدية سريعة، ثم وجدت نفسها أمام خصم لم ينكسر، قد تنجرف إلى خيارات أشد تدميرا وأقل قدرة على الضبط"- جيتي
"القوة التي كانت تريد حسم المشهد بأدوات تقليدية سريعة، ثم وجدت نفسها أمام خصم لم ينكسر، قد تنجرف إلى خيارات أشد تدميرا وأقل قدرة على الضبط"- جيتي
شارك الخبر
منذ اللحظة الأولى للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بدا واضحا أن واشنطن وتل أبيب لم تدخلا المواجهة باعتبارها حرب استنزاف طويلة، بل باعتبارها عملية صدمة سريعة، تراهن على شل الإدارة الإيرانية في الأيام الأولى، ثم فرض واقع سياسي وأمني جديد قبل أن يستوعب الإقليم والعالم حجم ما جرى. كان التصور قائما على أن اغتيال قمة الهرم القيادي في إيران، أو إصابة رموزه الأساسية، سيولد فراغا حادا في مركز القرار، وأن هذا الفراغ سيفتح الباب أمام انهيار متسلسل في مؤسسات الدولة، وفي تماسك النظام، وفي ثقة المجتمع بنفسه. لكن ما حدث كان العكس تماما فالدولة لم تتفكك، ومركز القرار لم ينهَر، والبنية الإيرانية لم تدخل طور الشلل، بل تحولت الضربة الأولى إلى عامل تعبئة، ورسخت لدى الإيرانيين قناعة بأن المعركة ليست معركة حدود أو ملفات جزئية، بل معركة بقاء ووجود.

هذا الفشل الأول ليس تفصيلا عابرا، بل هو جوهر المشهد كله؛ لأن الحرب التي تبدأ على أساس تصور خاطئ لطبيعة الخصم، تكون محكومة منذ البداية بإنتاج نتائج معاكسة. لقد افترض المخطط الأمريكي الإسرائيلي أن إيران دولة يمكن إسقاطها بمنطق الضربة الرأسية عبر إزالة القمة، ثم انتظار انهيار القاعدة. لكن إيران لم تظهر كهيكل هش ينتظر الضربة المناسبة، بل كمنظومة دولة عميقة، ممتدة، ذات مراكز تماس وامتصاص وقدرة على إعادة التموضع. وهذا يعني أن أهم هدف في بداية الحرب لم يتحقق، وأن الرهان على الذهول والفراغ والارتباك لم يصمد أمام الواقع.

إيران لم تظهر كهيكل هش ينتظر الضربة المناسبة، بل كمنظومة دولة عميقة، ممتدة، ذات مراكز تماس وامتصاص وقدرة على إعادة التموضع. وهذا يعني أن أهم هدف في بداية الحرب لم يتحقق، وأن الرهان على الذهول والفراغ والارتباك لم يصمد أمام الواقع

ثم جاء الفشل الثاني، وهو لا يقل أهمية وهو الرهان على فتح الثغرات الحدودية وتمهيد الطريق أمام جماعات انفصالية، خصوصا في المناطق الكردية، للدخول إلى المدن الحدودية وخلق واقع ميداني جديد يضاعف الضغط على الداخل الإيراني. كان هذا السيناريو يعكس فهما استعماريا قديما يقوم على استثمار التنوع الداخلي وتحويله إلى معبر للاختراق الخارجي، غير أن هذا المخطط سقط بدوره، لأن الدولة الإيرانية أثبتت أن تماسها الحدودي ليس مفككا، ولأن الرهان على تفجير الأطراف لم يجد البيئة المناسبة ليصبح مسارا حاسما. لم تتحول الحدود إلى بوابة انهيار، ولم تنجح الجماعات التي كان يعول عليها في تغيير المعادلة الميدانية، وبقيت المدن الحدودية ضمن السيطرة الإيرانية، وهو ما أسقط وهما آخر من أوهام الحرب القصيرة.

وعندما فشل إسقاط الرأس، وفشل خرق الأطراف، انتقل الرهان إلى الداخل الاجتماعي القائم على تحريك الشارع، ودفع الناس إلى التظاهر، ومحاولة السيطرة على المؤسسات الحكومية من خلال خلق انطباع بأن الدولة فقدت هيبتها وأن لحظة الحسم قد حانت. هنا أيضا اصطدم المشروع الأمريكي الإسرائيلي بحقيقة أكثر صلابة مما تصور، فالغالبية الحاسمة من الإيرانيين، مهما اختلفت آراؤهم السياسية، وقفت ضد الحرب على بلادها. في اللحظات المصيرية، ينهار الكثير من الرهانات النفسية والدعائية أمام منطق وطني بسيط وحاسم هو أنّ الناس قد يختلفون مع حكوماتهم، لكنهم لا يقبلون أن تتحول بلادهم إلى ساحة احتلال أو تفكيك أو إذلال. وهذا ما حدث بالضبط، لقد راهنوا على انفجار الداخل، فإذا بالحرب نفسها تعيد ترتيب الأولويات وتضع السيادة الوطنية في مقدمة الوعي الشعبي.

وهنا تتجلى الحقيقة الاستراتيجية الكبرى: الحرب لم تنتج البيئة السياسية التي أرادها المسؤولون الأمريكيون والإسرائيليون، بل أنتجت نقيضها، لم تؤد إلى انهيار النظام، بل إلى تماسكه، لم تؤد إلى تفكك المجتمع، بل إلى رفع منسوب الحس الوطني، لم تؤد إلى سقوط المؤسسات، بل إلى تحولها إلى عنوان صمود. وهذه ليست مجرد نتائج مرحلية، بل هي مؤشرات عميقة على فشل الفرضية المؤسسة للحرب كلها. فالعمليات العسكرية ليست قيمة بحد ذاتها؛ قيمتها تقاس بقدرتها على تحويل النار إلى مكسب سياسي، وإذا بقيت النار بلا مكسب، أو تحولت إلى عبء استراتيجي، فإن القوة المادية تصبح شاهدا على العجز لا على الحسم.

ومن هنا يبرز أخطر ما في المشهد وهو أنه عندما تفشل الأهداف الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، يبدأ العقل العسكري والسياسي لدى الطرف الأمريكي الإسرائيلي بالتفكير في درجات أعلى من التصعيد. وفي هذا السياق يصبح الحديث عن الأسلحة غير التقليدية تعبيرا عن مأزق لا عن تفوق، فالقوة التي كانت تريد حسم المشهد بأدوات تقليدية سريعة، ثم وجدت نفسها أمام خصم لم ينكسر، قد تنجرف إلى خيارات أشد تدميرا وأقل قدرة على الضبط. ولا يعني ذلك بالضرورة أن الولايات المتحدة وإسرائيل ستلجآن مباشرة إلى استخدام سلاح نووي واسع، لكن مجرد انتقال النقاش إلى احتمالات من هذا النوع، أو إلى أسلحة تكتيكية أشد فتكا مثل الأسلحة الكيماوية، يكشف أن الحرب ابتعدت عن أهدافها الأصلية واقتربت من منطق المقامرة الخطيرة مع احتمالات متصاعدة في استخدام هذا النوع من الأسلحة.

وهذا بالتحديد هو المعنى السياسي العميق لفشل الحرب حتى الآن، فحين تعجز القوة الكبرى عن فرض إرادتها عبر الاغتيال، وعن تفكيك الدولة عبر الحدود، وعن إسقاط النظام عبر الشارع، فإنها تدخل منطقة فقدان البوصلة. عند هذه النقطة، لا يعود التصعيد دليلا على الثقة، بل على الانسداد، ولا يعود توسيع دائرة النار تعبيرا عن سيطرة، بل عن عجز عن إنتاج نهاية مقنعة. ولذلك فإن أي لجوء إلى وسائل أكثر تدميرا لن يكون انتصارا استراتيجيا، بل اعترافا صارخا بأن الأهداف التي وضعت في بداية الحرب سقطت واحدة تلو الأخرى.

مَن فشل في تحقيق أهدافه السياسية والعسكرية الأولى، لن يستطيع تعويض ذلك بإيذاء المدنيين أو توسيع دوائر التدمير أو استخدام أسلحة غير تقليدية؛ لأن الحروب لا تحسم فقط بما تملكه الجيوش من نار، بل بما تملكه الأمم من قدرة على الثبات

أما على المستوى الأخلاقي والإنساني، فإن الصورة أوضح من أن تحتاج إلى كثير شرح. هذه الحرب لم تنجح في كسر إيران، لكنها دفعت المدنيين إلى قلب المعاناة. وحين تصبح البنية التحتية والاقتصاد والخدمات، وأمن الناس اليومي أهدافا مباشرة أو غير مباشرة للضغط، فإن ذلك لا يصنع نصرا، بل يصنع وصمة سياسية وتاريخية على جبين من اختار هذا المسار. إن إيذاء المدنيين ليس برهانا على القوة، بل على الإفلاس. والدولة التي تعجز عن انتزاع النتيجة من الميدان، تلجأ غالبا إلى توسيع الألم على المجتمع، ظنا منها أن الوجع قد يفعل ما عجزت عنه الجيوش.

يبدو واضحا أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كشفت فشل الضربة الخاطفة، وفشل الرهان على الاغتيال كمدخل لإسقاط الدولة، وفشل الرهان على الحدود كمدخل للتفكيك، وفشل الرهان على الشارع كأداة للانهيار الداخلي، وما يلوح بعد ذلك من حديث عن أدوات أشد تدميرا لا يعكس قوة المشروع، بل مأزقه. لقد أرادوا حربا سريعة تنتهي بسيطرة، فإذا بهم أمام حرب كشفت حدود القوة، وفضحت وهْم الحسم، وأثبتت أن إيران ليست لقمة سائغة، وأن الشعوب حين تدرك أن المعركة تستهدف وجودها، تزداد تماسكا لا انهيارا.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأوضح أن مَن فشل في تحقيق أهدافه السياسية والعسكرية الأولى، لن يستطيع تعويض ذلك بإيذاء المدنيين أو توسيع دوائر التدمير أو استخدام أسلحة غير تقليدية؛ لأن الحروب لا تحسم فقط بما تملكه الجيوش من نار، بل بما تملكه الأمم من قدرة على الثبات. وفي هذه المعادلة، ظهر أن الإرادة الإيرانية كانت أصلب من كل ما راهن عليه الأمريكيون والإسرائيليون.

x.com/fatimaaljubour


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)