مقدمة قصيرة وإضافة أصيلة.. النهوض الراشد (9)

سيف الدين عبد الفتاح
"القضية التي يلجها مالك بن نبي هي قضية تجمع بين الأصالة والمعاصرة"- عربي21
"القضية التي يلجها مالك بن نبي هي قضية تجمع بين الأصالة والمعاصرة"- عربي21
شارك الخبر
في مقدمة قصيرة للشيخ الدكتور محمد عبد الله دراز لكتاب الظاهرة القرآنية، والتي تقع في صفحات قليلة (9-15)، إلا أنها برزت كإضافة نوعية غير مسبوقة لكتاب مالك بن نبي "الظاهرة القرآنية"، إذ تتناول تلك المقدمة الضافية الأبعاد المنهجية، والإسهامات النقدية على صعيد واحد:

أولا: الاستقلال والتجرد المعرفي (وحدة النتائج والتوحيد المعرفي):

يستهل الدكتور محمد عبد الله دراز مقدمته بالطبعة الفرنسية لعام 1947م بالاعتراف بالقيمة البالغة والعمق المنهجي لـ"الظاهرة القرآنية"، معتبرا أن القضية التي يلجها مالك بن نبي هي قضية تجمع بين الأصالة والمعاصرة (قديم وحديث معا). إن أهم ما لفت نظر دراز هو أن الجهد الجاد المستقل والمتجرد يقود الباحثين عن الحقيقة دائما إلى نتائج متماثلة أو موحدة، مهما تباعدت بينهم المسافات في المكان والزمان. ويقتبس دراز تعبيرا عن هذا التوافق المنهجي قائلا: "إن الغبطة التي شعرت بها وأنا أقرؤه، لهي من العمق بقدر ما أتاحت لي هذه القراءة أن أدرك من جديد، ذلك الجهد الجاد المستقل والمتجرد، يقود الباحثين عن الحقيقة إلى نتائج متماثلة، بل موحدة على الرغم من المسافة التي يمكن أن تفصل بينهم في المكان والزمان. وإذا نحينا جانبا أسلوبك الفني في الكتابة، وطريقتك الرائعة في عرض الأشياء، فإننا نجد طرقنا في الدراسة متشابهة بصورة بارزة. إن وحدة القبلة المعرفية والبوصلة المنهجية هي المنتجة حقا لمعرفة توحيدية قادرة على الفعل والفاعلية".

ثانيا: التجاوز المنهجي للمفسرين التقليديين وتقديم الإضافة المعرفية:

يشرح دراز كيف أن المفسرين التقليديين على قيمة ما قدموه من تراث جليل؛ قد ركزوا جهودهم على الجانب الأدبي والبلاغي كدليل على عجز البشر. وعلى الرغم من صحة ما استخلصوه، إلا أنه يرفض رفضا قاطعا أن تكون هذه النتائج الجاهزة هي الكلمة الأخيرة في علم التفسير

يشرح دراز كيف أن المفسرين التقليديين على قيمة ما قدموه من تراث جليل؛ قد ركزوا جهودهم على الجانب الأدبي والبلاغي كدليل على عجز البشر. وعلى الرغم من صحة ما استخلصوه، إلا أنه يرفض رفضا قاطعا أن تكون هذه النتائج الجاهزة هي الكلمة الأخيرة في علم التفسير. إذ يرى دراز أن واجب المؤمن المعاصر -الذي يتسلح بمعطيات العلم الحديث- هو إحداث عملية مواجهة ومطابقة بين معتقده الروحي وبين النتائج العلمية الثابتة والتجريبية. وينص على هذا الواجب بقوله: "فهل يمكن أن يقال إن هذه النتائج المستخلصة من قبل أجدادنا، تجعل كل محاولة لتفسير جديد عديمة الجدوى؟ هل يقال إن واجبنا يتحدد من الآن فصاعدا، بتدوين هذه النتائج الجاهزة، وبالنظر إليها كأنها الكلمة الأخيرة حول حقيقة الأشياء؟ كلا، ثم كلا؛ إذا كان الأمر كذلك فإن واجبا يقع على كل مؤمن متصل بمعطيات العلم.. إنه التقريب بين جانبي روحه: بين معتقده وعلمه، حين يواجه النصوص المنزلة، لا أقول بفرضيات العلماء التي لم تتحقق أو التي لا تقبل التحقيق، ولكن بالنتائج الثابتة والمستخرجة من تجاربهم، وأن يأخذ من تلك المواجهة ما ينتج عنها من دروس. ولعمري أن البعض قد نسب لمالك؛ اقرأ القرآن وكأنه تنزّل عليك".

ثالثا: المقاربة القرآنية (نقد المنهج ومنهج التدبر القرآني):

يستدعي الشيخ دراز الفيلسوف الفرنسي ديكارت ليثبت أن القرآن سبقه بقرون في تأسيس حق العقل وإدانة الاتباع الأعمى الذي لا يستند إلى البرهان. بل إن دراز يذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرا أن العقيدة القرآنية أكثر حسما وتمسكا بإعمال العقل من المذهب الديكارتي نفسه؛ لأن ديكارت اضطر إلى عزل الإيمان والمُثُل المسيحية عن دائرة فحص الضوء الطبيعي للعقل نظرا لما يكتنف الإيمان المسيحي من غُموض كموضوع، في حين أن القرآن يفتح كل الأبواب للتأمل والتدبر العقلي دون أي تحفظ؛ "أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها".

وفي هذا السياق، يوجه دراز عتابا لطيفا لمالك بن نبي، متحفظا على تقليله من شأن الفكر الديكارتي، قائلا: "إن ديكارت لم يفعل غير ذلك، حينما رفض أسلوب الهيمنة، مطالبا بحق العقل، مؤكدا واجب كل امرئ بألا يأخذ بغير الثابت والبديهي الذي لا مراء فيه. أكثر من هذا؛ ففي هذا الإطار يبدو لنا المذهب الديكارتي من هذه الناحية، أقل تشددا وتمسكا من القرآن.. فإذا كان ديكارت قد اضطر إلى مثل هذا التحفظ، لأنه يعد الإيمان المسيحي تكتنفه أمور غامضة بوصفه موضوعا، فمن ذا الذي لا يرى أن هذا التحفظ لا محل له في العقيدة القرآنية؟".

ومع ذلك لا نظن أن مقدمة دراز كانت ديكارتية، ولكنها اهتمت بزاوية التفكير والتدبر؛ الحق أن صبغة التفكير عند الشيخ دراز في هذه المقدمة لم تكن ديكارتية بمفهومها الفلسفي الغربي الذي ينتهي بالشك لمجرد الشك، بل كانت استخداما ذكيا لآليات التفكير والتدبر التي هي في الأصل أصول قرآنيّة أصيلة. هو لم يتأثر بديكارت لكي يقلده، بل لكي يُبين أن أعلى ما وصل إليه الفكر البشري في الغرب من نقد منهجي هو أمرٌ قاصرٌ وموجودٌ بشكل أكمل وأرحب في صلب منهج التدبر القرآني.

رابعا: التصحيح التاريخي الحاسم والوحي القرآني المُنزّل:

يمثل هذا المحور ذروة الأمانة العلمية والتصحيح المعرفي الذي قدمه دراز لمالك بن نبي. فقد لاحظ دراز أن مالك بن نبي وقع تحت تأثير بعض أوهام المستشرقين حين قَبِلَ افتراضهم بأن النبي ﷺ انطوى واعتزل لمدّة خمسة عشر عاما منذ زواجه في سن الخامسة والعشرين وحتى الأربعين. يفكك دراز هذا الزعم الاستشراقي الذي يريد تصوير القرآن كفترة احتضان وتخمّر للأفكار الدينية في الوعي المحمدي. ويؤكد بالأدلة التاريخية القطعية والمصادر الوثيقة أن اعتزال النبي ﷺ لم يكن سوى شهر واحد؛ سبقتْه رؤى واضحة في عام هبوط الوحي نفسه. ويصوب هذا الخطأ التاريخي بنصٍّ حاسم؛ إن فرضية غياب كهذا، ليست فحسب مجانبة لا سند لها، بل إنها غير صحيحة على الإطلاق من الوجهة التاريخية. فالمصادر الوثيقة جدا تحدد في الواقع تاريخ هذا الاعتكاف بالضبط بشهر قبل نزول القرآن.. لقد حدثت هذه الإرهاصات جميعها في الأربعين من عمره، أي في عام هبوط الوحي.

يبقى أن نلاحظ بأن أحد عشر من اثني عشر شهرا من سني حياته في هذه الفترة قد قضاها في محيط اجتماعي، وأمام أعين مواطنيه.. والقرآن الكريم في قوله تعالى: "فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ" (يونس: 16) إنما يستخرج بالضبط، حجة من استمرار إقامة الرسول بين قومه فترة واسعة وكافية، ليدرك الناس جميعا ميزاته واهتماماته، وعجزه الشخصي عن القيام بوضع آيات القرآن.

خامسا: مقدمة دراز لكتاب مالك بن نبي وحقائق العبور المنهاجي:
كتاب الظاهرة القرآنية كأقوى خطة تشغيلية وسيادية لإرساء العقيدة عن طريق ائتلاف العقل والإيمان معا؛ هذه الرؤية وظّف فيها دراز زاوية التفكير والتدبر كإضافة حاسمة وعميقة لمالك من زاوية التدبر الإيماني مقابل الاتباع الأعمى

بإضافة مقدمة الدكتور محمد عبد الله دراز (بأبعادها التدبرية والتحليلية) بالإضافة إلى مقدمة الأستاذ محمود محمد شاكر (بأبعادها البيانية والبلاغية) التي نفرد لها مقالا قادما، يستقيم كتاب الظاهرة القرآنية كأقوى خطة تشغيلية وسيادية لإرساء العقيدة عن طريق ائتلاف العقل والإيمان معا؛ هذه الرؤية وظّف فيها دراز زاوية التفكير والتدبر كإضافة حاسمة وعميقة لمالك من زاوية التدبر الإيماني مقابل الاتباع الأعمى؛ إذ ركز دراز في زاوية التفكير هو تحرير العقل من سلطة الوسط الخارجي والأفكار المسبقة. ومن ثم يرى أن القرآن أدان بقوة كل اتباع أعمى يلقي بزمامه إلى سلطة لا تستند إلى التدبر.

كما أضاف زاوية تمنح الظاهرة القرآنية عمقا حركيا؛ فالمسلم المعاصر لا يجوز له أن يتلقى إيمانه بالقرآن كإرث تقليدي عاطفي، بل كموقف عقلي واعٍ ناتج عن تدبر مباشر وعميق. إن منهج التدبر والبحث عن الحقيقة العلوية في الإسلام ليس سياجا مغلقا، بل هو منهج مفتوح يرحب بالفحص التجريبي والعقلي، لأن الحقيقة العلمية الثابتة لا يمكن أن تنكر الحقيقة الإلهية المنزّل. كذلك استثمر مصفوفة التفكير والتدبر كأداة لمحاربة اللامبالاة، إنه يريد من الشاب المعاصر ألا يقف موقف المُشاهد السلبي أمام النص، بل موقف المُتدبر الفاعل الذي يمتلك طاقة روحية وعقلية تجعله يرى إعجاز القرآن في الآفاق وفي الأنفس.

إنَّ دراز لم يأتِ لِيُهَجِّنَ القرآن بـ"الديكارتية"، بل أتى لِيَزِنَ ديكارت بميزان التدبر القرآني. لقد أرادها عقولا متيقظة، لا عقولا ناقلة؛ فإذا استقامت زاوية التفكير والتدبر، تحول القرآن من "نص مقروء" إلى "محرك حركي" يصنع الإنسان الفعال في الميدان. إنَّ دراز لم يأتِ لِيُهَجِّنَ القرآن بـ"الديكارتية"، بل أتى لِيَزِنَ ديكارت بميزان التدبر القرآني. لقد أراد لـ"حقيبة البناء" أن تكون حقيبة عقولٍ متيقظة، لا عقولٍ ناقلة؛ فإذا استقامت زاوية التفكير والتدبر، تحول القرآن من "نص مقروء" إلى "محرك حركي" يصنع الإنسان الفعال في الميدان.

هذا الامتداد في الفهم هو مفصل التمكين المعرفي؛ فوضعُ المناهج الغربية في حجمها الحقيقي أمام طاقة التدبر القرآني يعيد ترتيب موازين القوى المعرفية لصالح الأمة. إنَّ المتدبر المسلم لا يقف أمام المنجز البشري موقف المستسلم أو المنبهر، بل موقف المُهيمِن الحَكَم الشاهد الذي يزن الأفكار بمحكمات الوحي ويستنبت منها حركية الميدان. إنها رؤية النهوض حينما يكون راشد فاعلا عادلا؛ يربط في عروة وثقى لا انفصام لها؛ بين مفكري الآمة من رحم حضاري ناظم وفي سند حضاري متصل جامع.

x.com/Saif_abdelfatah


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)