ميلاد مجتمع وشبكة علاقاته الاجتماعية.. النهوض الراشد (16)

سيف الدين عبد الفتاح
"مقصد ابن نبي بمفهوم الثروة الاجتماعية أن المجتمع لا يقاس غناه بكمية ما يملك من أشياء، بل بمقدار ما فيه من أفكار"- عربي21
"مقصد ابن نبي بمفهوم الثروة الاجتماعية أن المجتمع لا يقاس غناه بكمية ما يملك من أشياء، بل بمقدار ما فيه من أفكار"- عربي21
شارك الخبر
في متابعة لقاموس مالك بن نبي في مشروعه الفكري الحضاري، وأنا أتأهب للكتابة عن كتاب مالك "ميلاد مجتمع: شبكة العلاقات الاجتماعية"، وهو من أهم قسمات مشروع النهوض الراشد؛ وقع نظري على عملين لطالبتين كنت أدرّسهما يعرضان لهذا الكتاب وقد استفدت منهما. والذي أنعش ذاكرتي ليس فقط العمل التدريسي والتعليمي، بل القيمة المعرفية لعروض راقية لصفحات نهضوية رافعة؛ مالك حاول أن يلج في هذا الكتاب الفارق إلى مشكلات الحضارة الإسلامية بمنظور اجتماعي ومجتمعي؛ فاهتمامه تلك المرة منصب على وضع إطار نظري يضم المفاهيم النظرية التي تستند إليها العناصر التاريخية الخاصة بميلاد مجتمع.

وفائدة وضع ذلك الإطار النظري كون أن مفهوم لفظة "مجتمع" نفسها غير محددة ومبهمة في مجتمعاتنا الإسلامية على وجه الخصوص. وقد حدد ابن نبي هدفه الذي لا يخرج عن كونه هدفا حضاريا؛ إذ يقف هذا الكتاب على ثغر رغبة المسلم المعاصر في دخول مسرح التاريخ مجددا بعد أزماته الكبرى التي وقع فيها، من ركود وانهزام حضاري وتراجع فكري وتردٍ ثقافي.

وهذا ما يوفره هذا الكتاب بما يقدمه من كليات، وبالوقوف على تاريخ المجتمع -أي مجتمع خاصة الإسلامي- حين يولد أو ينهض. وقد أعطى ابن نبي لكتابه عنوانا فرعيا على العنوان الأصلي "ميلاد مجتمع" وهو "شبكة العلاقات الاجتماعية"، بوصفها المناط الذي تتوج به حركة التفاعلات والتغيرات التي تحدث داخل مجتمع من المجتمعات بحسب ما يضع تعريفه للمجتمع. ومن ثم كان من الضروري بمكان أن ينشئ إطارا نظريا لموضوع ميلاد مجتمع من قبل الولوج إليه ومعالجته من الزاوية التاريخية، ومحاولة بيان المعنى الحقيقي للفظة مجتمع التي سلف وأن أشرنا إلى حجم ما تتعرض له من لبس والتباس في ذهنية المسلم؛ نظرا لتنوع الظواهر الاجتماعية التي ينطبق عليها وصف المجتمع.

التفسيرات تتعدد إزاء منشأ الحركة التاريخية، ولكن في النهاية وجد أنها ترجع في حقيقتها إلى مجموع من العوامل النفسية الذي يعد ناتجا عن بعض القوى الروحية، وهذه القوى هي التي تجعل النفس المحرك الجوهري للتاريخ الإنساني

من ثم نجد أن الضمير المسلم وُضع بين حدي العمل المؤثر، وهما الحدان اللذان ينطبقان على مفهوم الآيتين الكريمتين: "أفأمنوا مَكْرَ الله فلا يَأْمَنُ مَكْرَ الله إلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ" (الأعراف: 99)؛ "إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ" (يوسف: 87). بين هذين الحدين تقع "القوة الروحية" المتناسبة مع الجهد الفعال الذي يبذله مجتمع يعمل وفقا لأوامر رسالة أي وفقا لغايته. ومن ثم فإن الحركة التاريخية التي تقع بين حدي الوعد والوعيد؛ هادفة إلى ما هو أعلى محلقة فوق ما هو أدنى. فالقوة الروحية تتطابق مع العمل المثمر تقع بين حالين من أحوال النفس لا يوجد وراءهما إلا الخمول من جانب واليأس من جانب آخر.

ويخلص ابن نبي إلى أن التفسيرات تتعدد إزاء منشأ الحركة التاريخية، ولكن في النهاية وجد أنها ترجع في حقيقتها إلى مجموع من العوامل النفسية الذي يعد ناتجا عن بعض القوى الروحية، وهذه القوى هي التي تجعل النفس المحرك الجوهري للتاريخ الإنساني.

المجتمع ومفهوم شبكة العلاقات الاجتماعية؛ إن كل ما يؤثر في حياة المجتمع ويغير من صفاته والتاريخ على أية حال ليس سوى هذا التغيير الذي تتعرض له الذات والمجال الذي يحوطها على سواء. فقد ذهب علم الاجتماع إلى أن النشاط المشترك المستمر الذي تقوم به الكائنات والأفكار والأشياء مطبوع على صفحة التاريخ، ومن ثم فإن صناعة التاريخ تتم وفقا لتأثيرات اجتماعية ثلاثة: تأثير عالم الأشخاص؛ وتأثير عالم الأفكار؛ وأخيرا تأثير عالم الأشياء. تتوافق هذه العوامل في عمل مشترك فلا تعمل متفرقة، وتأتي صورته طبقا لنماذج أيديولوجية من عالم الأفكار، يتم تنفيذها بوسائل من عالم الأشياء، من أجل غاية يحددها عالم الأشخاص. ومن ثم فإن العمل التاريخي من صنع العوالم الثلاثة جميعا من أجل عمل مشترك. لا بد أن تتوافق وحدة العمل التاريخي مع الغاية منها، وهي تتمثل في صورة (حضارة)، ويعتبر هذا التوافق شرطا يستلزم كنتيجة منطقية وجود عالم رابع يضاف إلى العوالم الثلاثة سالفة الذكر، وهو "مجموع العلاقات الاجتماعية الضرورية" أو ما يطلق عليه "شبكة العلاقات الاجتماعية".

فالمجتمع كما سلف وأن أوضحنا ليس مجرد كمية من الأفراد، وإنما هو اشتراك هؤلاء الأفراد في اتجاه واحد، من أجل القيام بوظيفة معينة ذات غاية، وبالإضافة إلى ذلك أن عمل المجتمع ليس مجرد اتفاق عفوي بين الأشخاص والأفكار والأشياء، بل هو تركيب من هذه العوالم الثلاث، ذلك التركيب الذي يحقق معه ناتج هذا التركيب في اتجاهه تغيير وجوه الحياة أو بمعنى أدق تطور المجتمع. إن شبكة العلاقات الاجتماعية الضرورية لأداء العمل الاجتماعي المشترك ليست نتيجة أوليّة مستحدثة بفعل العوالم الثلاثة التي يتكون منها مجتمع معين، وإنما هي نتيجة الظروف والشروط التي تحدث الحركة التاريخية نفسها. بيد أن أول عمل يؤديه مجتمع معين في طريق تغيير نفسه مشروط باكتمال هذه الشبكة من العلاقات، فشبكة العلاقات الاجتماعية هي العمل التاريخي الأول الذي يقوم به المجتمع ساعة ميلاده.

ونجد المثال على ذلك ما قام به المجتمع الإسلامي أول ميلاده هو "الميثاق" الذي يربط بين المهاجرين والأنصار، وكانت "الهجرة" هي نقطة البدء في التاريخ الإسلامي، لا لاتفاقها مع عمل شخصي قام به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن لأنها تتفق مع أول عمل قام به المجتمع الإسلامي، أي مع تكوين شبكة علاقاته الاجتماعية، حتى قبل أن تتكون تكونا واضحا عوالمه الثلاثة.

إن أصل شبكة العلاقات الاجتماعية الذي يتيح لمجتمع معين أن يؤدي عمله المشترك في التاريخ، يكمن في تركيبه العضوي التاريخي، وعليه فإن هذا التركيب هو الذي يفسر أصله، كما يحدد في الوقت نفسه طبيعة العلاقات الاجتماعية لحظة نشوئها. إذا وجد في مكان معين وفي زمن معين نشاط متآلف من الناس والأشياء والأفكار كان ذلك دليلا على أن الحضارة قد بدأت في هذا المجال، وأن تركيبها قد تم فعلا في عالم الأشخاص. إن العمل الأول في طريق التغيير الاجتماعي وقوانين انتظامه السنني هو العمل الذي يغير الفرد من كونه فردا إلى أن يصبح شخصا، وذلك بتغيير صفاته البدائية التي تربطه بالنوع إلى نزعات اجتماعية تربطه بالمجتمع.

إن اجتماع الأشخاص في أي ظرف وفي أي مكان، هو التعبير المرئي عن هذه العلاقات في مجال معين من مجالات النشاط الاجتماعي، وجميع صور هذا الاجتماع سواء كانت مدرسة، أو تظاهرة، أو هيئة، أو مصنع؛ أو سينما؛ أو نقابة.. إلخ؛ ما هي إلا تعبير عن شبكة العلاقات الاجتماعية في صور مختلفة، فالاجتماع الذي يتمثل فيه أول عمل يؤديه مجتمع وقت ميلاده يترجم ترجمة قوية عبر شبكة علاقاته. الدليل على ذلك في المجتمع الإسلامي اجتماع المسلمين في المسجد في صلاة الجمعة، هذا الاجتماع بحسب ما يرى ابن نبي أنه يحمل في طياته مضمون تذكرة المجتمع بميلاده.

مفهوم الثروة الاجتماعية وشبكة العلاقات الاجتماعية؛ مقصد ابن نبي بمفهوم الثروة الاجتماعية أن المجتمع لا يقاس غناه بكمية ما يملك من أشياء، بل بمقدار ما فيه من أفكار؛ إذ من الممكن أن تلم بالمجتمع ظروف يحدث فيها محو لعالم الأشياء بأكمله، ولكن إذا ما استطاع المجتمع أن ينقذ عالم أفكاره فيكون قد أنقذ كل شيء؛ إذ من الممكن له أن يعيد أبناء عالم أشيائه من جديد.

وبناء المجتمع من جديد هو نوع من العمل المشترك الذي يقوم به مجتمع معين، ولكن هذا العمل يصبح مستحيلا دون "شبكة العلاقات الاجتماعية" التي تنظمه وتجعل منه سبيلا إلى غاية محددة. ومن ثم فإن ثروة الأفكار وحدها ليست كافية، والمثال على ذلك في المجتمع الإسلامي الذي امتدت فتوحاته الإسلامية وقت ميلاده وقد كان عالم أفكاره غير مكتمل بعد قياسا بالمجتمعات المتحضرة التي قام بفتحها، بينما في عصور التدهور والنكوص كان يمتلك علما غزيرا، إلا أنها لا تحول دون غزوه من قبل شعوب كان عالم أفكارهم فقيرا إذا ما قورن بالشعوب التي غزتها.

ومن ثم نخلص من ذلك إلى أن فاعلية الأفكار تخضع لشبكة من العلاقات، أي إننا لا نملك أن نتصور عملا متجانسا من الأشخاص والأفكار والأشياء دون هذه العلاقات الضرورية. وكلما كانت شبكة العلاقات أوثق، كان العمل فعالا ومؤثرا؛ وعليه فإذا كانت ثروة مجتمع معين يتوقف تقديرها على كمية أفكاره من ناحية فإنها ترتبط بأهمية شبكة علاقاته من ناحية أخرى.

ووجد ابن نبي من الضروري أن ينبه الى الأمراض الاجتماعية التي تطول هذه الشبكة؛ إن أي ارتخاء يلم بتوتر خيوط الشبكة إنما هو عجز عن القيام بالنشاط المشترك بصورة فعالة، ومن ثم تكون تلك علامة على مرض المجتمع وأنه في طريق نهايته. أما إذا تفككت الشبكة نهائيا، فإنها نهاية المجتمع ولا يبقى منه سوى ذكرى وأطلال تجد لنفسها مكانا مسطرا في صفحات في كتب التاريخ. فمن الممكن أن تأتي تلك النهاية والمجتمع متخم بالأفكار والأشخاص والأشياء، كما كانت نهاية المجتمع الإسلامي في نهاية العصر العباسي في الشرق وفي الغرب بنهاية عصر الموحدين. فقد وصل المجتمع الإسلامي لحالة التحلل والتمزق التي أشار لها النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث "التداعي"، فهو تداع بمعنى الانهيار والتردي، وتداع بمعنى توافد الأكَلة والطامعين على قصعة المجتمع الإسلامي المتحلل إلى أشلاء، إلا أنه من الملاحظ أنه قبل تحلل المجتمع تحللا كليا، يحتل المرض جسده الاجتماعي في هيئة انفصالات في شبكته الاجتماعية، وقد تستمر تلك الحالة المرضية قليلا أو كثيرا قبل أن تبلغ ذروتها في صورة انحلال تام، وتلك هي مرحلة التحلل البطيء الذي يسري في الجسد الاجتماعي.

جميع أسباب التحلل تكمن بالأساس في شبكة العلاقات، فمن الممكن أن يبدو المجتمع في ظاهرة ميسورا ناميا بينما شبكة علاقاته مريضة. ويبدو هذا المرض الاجتماعي متجليا في العلاقات بين الأفراد، وأكبر دليل على وجوده عندما تصاب "الأنا" بالتضخم فيفضي ذلك إلى أن يتحلل الجسد الاجتماعي لصالح الفردية

بيد أن جميع أسباب التحلل تكمن بالأساس في شبكة العلاقات، فمن الممكن أن يبدو المجتمع في ظاهرة ميسورا ناميا بينما شبكة علاقاته مريضة. ويبدو هذا المرض الاجتماعي متجليا في العلاقات بين الأفراد، وأكبر دليل على وجوده عندما تصاب "الأنا" بالتضخم فيفضي ذلك إلى أن يتحلل الجسد الاجتماعي لصالح الفردية، فبذلك يختفي الشخص، فيسترد الفرد استقلاله وسلطته داخل الجسد الاجتماعي. أي أن العلاقات الاجتماعية تكون فاسدة عندما تصاب الذوات بالتضخم فيصبح العمل الجماعي المشترك صعبا أو مستحيلا؛ إذ يدور النقاش حينئذ لا لإيجاد حلول المشكلات، بل للعثور على أدلة وبراهين.

ففي حالة الصحة يكون تناول المشكلات من أجل علاجها هي، أما في حالة المرض فإن تناولها يصبح فرص لتضخم الذات، ومن ثم يكون حلها متعذرا، بل مستحيلا لا لفقر في الأفكار أو الأشياء، ولكن لأن شبكة العلاقات لم تعد أمورها تجري على طبيعتها. في هذه المرحلة لا يهتم أحد بالمشكلات الواقعية، كما فعل أئمة وفقهاء عصر الانحطاط الذين كان اهتمامهم منصبا على مشكلات خيالية، فإذا ما تخيلنا أن حادثة عزل سيدنا عمر بن الخطاب لخالد بن الوليد عن منصبه في قيادة الجيش لو كانت قد حدثت بعدها بقرنين أو ثلاثة لكانت كفيلة بزلزلة المجتمع الإسلامي، ولكن الأنا الإسلامية في العهد الأول كانت سليمة وسوية، فكان فعل عمر دون عقدة وكان رد فعل خالد دون عقدة أيضا، لأن علاقاتهما كانت علاقة سوية منزهة. والوقت الذي تبدأ فيه علامات العقد النفسية في الظهور على الأنا في مجتمع معين يصبح عمله الجماعي صعبا وربما مستحيلا.

كان التاريخ يبدأ في الواقع قبل تكون العوالم الثلاثة وهذا ما يبدو جليا في حالة المجتمع الإسلامي ساعة ميلاده، كما أنه قد ينتهي بينما المجتمع غني بما فيه من أشخاص وأفكار وأشياء وذلك كما حدث أيضا للمجتمع الإسلامي إبان أفوله، ويُرجع ابن نبي سبب ذلك لدخول مركب القابلية للاستعمار. وقد كان المجتمع الإسلامي وقتذاك غنيا، ولكن شبكة علاقاته قد تمزقت، أو ترهلت؛ وهو ما ألمح إليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- في حديثه؛ إذ قال: "يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها. قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله. قال: لا، بل كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور أعدائكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن. قيل: وما الوهن يا رسول الله؟، قال: حب الدنيا وكراهية الموت". صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. كان هذا الحديث هو استحضار للمجتمع الإسلامي بعد أن تتمزق شبكة علاقاته الاجتماعية، أي عندما لا يصير مجتمعا، بل مجرد تجمعات لا هدف لها كغثاء السيل.

درس شبكة العلاقات الاجتماعية الذي يسكن النهوض الراشد؛ ليس درسا عابرا وإن استعراض هذه الأفكار لكتاب ملك الناهض الفارق؛ لا يزال في حاجة لمتابعة علمية والوقوف على الدروس الحضارية وإشاراته وتنبيهاته العمرانية.. ولهذا الأمر بقية إن كان في العمر بقية.

x.com/Saif_abdelfatah


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)