الصحبة الحضارية: استدعاء الصحبة وسفينة القرآن.. النهوض الراشد (14)

سيف الدين عبد الفتاح
"تفعيل نموذج السفينة يُمثل أرقى الأطر التأسيسية لفهم هندسة التنسيق الاجتماعي وإحكام النسق الحضاري"- Pixabay
"تفعيل نموذج السفينة يُمثل أرقى الأطر التأسيسية لفهم هندسة التنسيق الاجتماعي وإحكام النسق الحضاري"- Pixabay
شارك الخبر
يحسن في هذا المقام أن نتحدث عما أسميناه في أحد بحوثنا عن "العالم والسلطان"؛ "آلية الاستدعاء"، على أن نعرّف بتلك الآلية تأصيلا ومنهجا، والآثار التي يمكن أن تتركها من خلال الممارسة العلمية الرحبة والمنضبطة في آن واحد. فحينما يتطلب الأمر استدعاء نصوص بمناسبة معالجة فكرة مشتركة هي موضع نظر هذه النصوص؛ فإنها عندئذ تمثل نصوصا تبعية، أو استدعاء نصوص لفهم نص أو نصوص أخرى. في هذه الحال نكون أمام آلية مستجدة غاية في الأهمية تتسع من خلالها دائرة النصوص، وهو ما قد يستدعي ضرورة مراعاة الجمع بين هذه النصوص باستخدام آلية المقارنة، سواء كان ذلك يعنى التعرف على النص وفهمه مفرداً أو التعرف عليه بمعاونة النصوص الأخرى.

كما أن الجمع بين رؤى مختلفة حيال قضية ما يفرض علينا في ضوء المنهاجية المقارنة أن نتحرك صوب إمكان الجمع بين هذه المواقف والاجتهادات فيما يمكن تسميته بالمتصل الاجتهادي؛ الذي يسع المواقف والاجتهادات على اختلافها ضمن الجهات التي تؤدى لذلك من أشخاص، وأماكن؛ وأزمان؛ وأحوال.

وقد تشير آلية الاستدعاء كذلك إلى آلية أخرى قد تلزمها، ألا وهي آلية تكامل القراءات؛ وهي أصل منهجي يقوم على قاعدة تكامل النصوص والقراءة فيها بحيث يمكننا تصورها وكأنها تتحاور، أو تتشاور ضمن قراءات شورية يستشير فيها النص غيره، فيستدرك هنا أو يكمل هناك أو يتحفظ أو يخصص أو يقيد أو يفصل المجمل. إنها وظائف مهمة تتحرك صوب التفسير المدقق الذي لا يعتمد قراءة أولية للنص أو يتوقف عندها أو ينكفئ عليها ويكتفي بها. ولعل تكامل القراءات جزء لا يتجزأ من عمليات التكامل المعرفي والبحثي والمنهجي.

القراءة الجامعة في جوهرها عملية استدعاء ممنهجة؛ لكنها في ذات الوقت هادفة إلى بناء كتل حضارية ومعرفية. وفي هذا السياق فإن مدخل القراءة الجامعة تسوغه تلك القاعدة الذهبية؛ أن في اختلاف المسالك راحة للسالك وإعانة له على ما أراد من بلوغ الأرب والتوصل إلى المراد بفعل تعدد النصوص ضمن موضوع بعينه

القراءة الجامعة في جوهرها عملية استدعاء ممنهجة؛ لكنها في ذات الوقت هادفة إلى بناء كتل حضارية ومعرفية. وفي هذا السياق فإن مدخل القراءة الجامعة تسوغه تلك القاعدة الذهبية؛ أن في اختلاف المسالك راحة للسالك وإعانة له على ما أراد من بلوغ الأرب والتوصل إلى المراد بفعل تعدد النصوص ضمن موضوع بعينه. يحسن الوقوف عند هذه القراءة الجامعة، وكل الآليات المنهجية التي تفرضها تعدد النصوص من جانب، وتوسل المنهاجية المقارنة من جانب آخر. وتتحرك هذه القراءة الجامعة في ثلاث مستويات:

أولها: قراءة الاختلاف أي جملة الاختلافات البارزة والتي يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند عملية الجمع بين القراءات، وحتى لا تعتبر عملية الجمع قفزاً على جملة الاختلافات وبنياتها وتأثيراتها؛ وضرورة تحرير الاختلاف ومداه وطبيعته، من مثل هل يعتبر الاختلاف مجرد اختلاف ظاهري، أو عارض أو متوهم أو خلاف جوهري وحقيقي ومعتبر؟

ثانيها: قراءة الائتلاف، أي البحث عن أصول المشترك بين جملة النصوص المختلفة، والتي تشكل بدورها مداخل مهمة لإمكانات الجمع بين النصوص، ويمكن أيضاً ممارسة عملية لإمكانية الخروج من الاختلاف إلى الائتلاف من دون أن يمارس ذلك اعتسافاً أو تلفيقاً أو توفيقاً من غير شروط منهجية.

ثالثهما: إذا كان المستويان تفرضهما عناصر المنهاجية المقارنة بالبحث في الفروق والاختلافات من جهة والنظائر والمشتركات والمؤتلفات من جهة أخرى، فإن هذا المستوى الثالث ينطلق من هاتين القراءتين، إلى القراءة الجامعة، التي لا تعبر عن مجرد جمع ميكانيكي بين النصوص، بل جمع يستند إلى أصول منهجية من جانب وتفاعل من جانب آخر، يتحرك ضمن رؤى متعددة ومتعاضدة في سياق القراءة الجامعة، وهي تجمع بين هذه النصوص وقراءاتها من أكثر من طريق أو مسلك ما كان ذلك متاحاً أو مستطاعاً.

مستويات ثلاثة مهمة مرهونة بممارستها المنهجية وطرائق الجمع بين النصوص، ويبقى المتحصل بعد ذلك محرراً محققاً محدداً، يحرر مناطق الاختلاف، ويحدد مجالات الائتلاف، ويحقق الجمع الواضح. سواء تحدثنا عن آلية الاستدعاء؛ أو القراءة الجامعة وفاعليتها؛ فإن الصحبة القرآنية التي تحدثنا عنها آنفا في مغزاها الحضاري لم تقتصر على استدعاء مقدمتين لكتاب الظاهرة القرآنية؛ بل استصحبت ثلاث مشروعات حضارية تتقاطع وتتكامل؛ وتمثل سندا حضاريا متصلا في المشروع الحضاري الإسلامي الكبير.

هذا المعمار للصحبة الحضارية وتقاطع المشروعات في السند الحضاري المتصل للأمة؛ تجاوز شأن الانتقال من طور "الاستدعاء النصي والموضوعي الكلاسيكي" إلى طور "الاستدعاء البنيوي والمطابقة الجوهرية للمشروعات"، باعتباره المحدد الاستراتيجي الحاسم لحظر أدوات الاختزال الفكري وعزل أوبئة التجزؤ والتبعية المعرفية لقاموس الوافد الغربي، لقطع دابر القابلية للاستعمار وآثارها القاتلة والمميتة؛ النفسية والاجتماعية والسياسية، وإقامة منظومة الفكرة على قوام متين.

إن محاولة تشريح المشروعات الحضارية الثلاثة المكونة للسند المتصل؛ يتجاوز الفكر الحركي الواقف عند عتبات القراءة الأفقية العفوية والمسطحة، ليصوغ المشروعات الثلاثة المتقاطعة والمتكاملة لمالك بن نبي، ومحمد عبد الله دراز، ومحمود محمد شاكر بصفتها روافد جوهرية في صياغة التيار الأساسي والحضاري في الأمة.

هذا المثلث الحضاري تشكلت أضلاعه وزواياه من القوامة الشاملة والفاعلة للمشروعات، إذ ارتكزت أطروحة مالك بن نبي كـ"جهاز إنذار مبكر" يحمي باطن الجماهير من التسلل المفهومي وعثرات النهوض الزائف. فقد صاغ بصرامة ضرورة التغيير عبر إخضاع وتفعيل المسخرات الثلاثية المستقلة: "الإنسان، التراب، الوقت" لبناء شروط الإنماء والترقي المعتمد على الذات وكسر سجون التبعية. وتساند مع هذا الضلع؛ الضلع الثاني في مشروع التأصيل الأخلاقي والعمق النفسي لِلشريعة (د. محمد عبد الله دراز)؛ إذ تشكلت القوامة للمشروع بالتركيز على إثبات طهارة مصادر التلقي البيانية عَبْر تشريح فقه الالتزام النفسي والدستور الأخلاقي الكامن في الوحي القرآني. إذ يُمثل مشروعه طاقة الروح العلوية المحملة بـ"الأشواق الدافعة" الحامية للأبنية والتنظيمات من الجفاف والتكلس، محققاً شرط الاستقامة الوازنة من خلال منظومة القيم القرآنية. وتُوِّج كل هذا بضلع ثالث فاكتمل بأضلاعه الثلاثة مشروع البيان والمنهج وحراسة اللسان (الأستاذ محمود محمد شاكر)؛ بفرض "السيادة اللغوية والمعرفية الشاملة" للأمة، وكسر أطروحات القطيعة والسيولة المعرفية التي روج لها الاستشراق لقطع نسب الأمة التاريخي، مستهدفا أسس صلابة المنهج والتمايز الحضاري المستقل القائم على سريان تراث الأمة وعقائدها في الواقع المعاش، لحظر تذرر الأفراد وتجزؤ التفكير والتباس التدبير.

كذلك، من أهم ركائز التقاطع والاشتراك والتكامل في مأدبة "الصحبة القرآنية"؛ هو هذا التقاطع العضوي بين هذه المشروعات الثلاثة، إذ انصهرت جهود العباقرة في نسق يمثل بناء متكتلا وليس مجرد لبنة؛ فصارت بتكاملها تأسيسا لبناء كتلة حضارية منيعة، مما أسهم بدوره في إنتاج حصيلة عظمى؛ منها على سبيل المثال لا الحصر؛ بناء الذاكرة الحضارية المشتركة (تواتر السند)، إذ شكل التلاقح المنهجي بين الأقطاب الثلاثة جداراً مناعياً صلباً حظر "الأنماط والمفاهيم المستعبدة" من اختراق النسق، محولاً التراكم الفكري التاريخي من مادة للتفاخر الساكن إلى "علم بناء الذاكرة الحضارية" الفعالة في ثغور الميدان. وكذلك معادلة الائتلاف والمنعة والكتل الحضارية عبر سريان هذه الصحبة، فانصهرت العبقريات (سنن عمران بن نبي، والعمق الأخلاقي لدراز، والصلابة اللسانية لشاكر) داخل وعاء جامع فاعل استوعب التنوع دون ذوبان، محولاً طاقات الرحم الحضاري والتنوع البيني إلى مساحات توازن يجمع ويبني ليقوم فيه الناس بالقسط الشامل والكامل.

إن حاكمية الانتظام السُّنني عَبْر الاستفادة الشاملة من المشروعات الثلاثة المتكاملة تلتزم في جوهر بنيانها وبنيتها بالوعي البين الذي يحقق القوانين الحاكمة العليا: (التعدد والاختلاف، والوحدة والتنوع، والتعايش والتعارف)؛ تأسيساً وامتثالاً لِلاستقلال الحضاري والسيادة المؤسسية" لـصناعة التمكين والشهود الكوني للأمة. فالاشتراك في المشروع الحضاري الواحد وفقه التعددية، مسارا وإدارة من خلال تدبر فكرة الرباط على ثغور الأمة؛ كان يعني ضمن ما يعني التقعيد السُّنني لمصفوفة "الوحدة والتنوع"، إذ يتأسس الانتظام المنهجي في إدارة التنوع على ركائز بنيوية تضمن الفاعلية لتكوين كتل حضارية فكرية وتطرد أوبئة التجزئة والاستقطاب والتفتيت البيني:

1. الاشتراك في المشروع الحضاري (الواحد) الذي يشكل في جوهره النواة الصلبة وأصل الارتكاز: يُمثل الإطار الكلي والجامع الغالب للأمة، والمستند إلى المرجعية العليا التي تصون الذات الحضارية وتمنع انحلالها. إنه القاسم المشترك الأكبر الذي تتلاقى عنده التيارات المختلفة لتصوغ "نحن" المشتركة العابرة للأشكال الضيقة والخانقة.

2. الاختلاف في زاوية النظر (إعمال قانون التعددية) والاعتراف بشرعية الواقع، إذ يرفض النسق عقلية القمع والمركزية الجائرة التي تفرض نموذجاً أحادياً معزولاً. الاختلاف في زوايا النظر يُعد علامة حيوية تعكس ثراء "الجماعة الثقافية" ومخزونها العقلي والنفسي المتراكم عبر المراحل التاريخية، ما دام يتحرك تحت سقف المرجعية الكلية ولا ينخر في كيان الأمة ويمزق نسيجها الحضاري.

3. التنوع في الرباط على ثغور الأمة (تكامل الفاعليات)، وذلك في سياق توزيع الأدوار وِفق "الشورية السفنية"؛ إذ تتوزع العقول الفكرية والعبقريات الثقافية وظيفياً على الثغور والمخابر والمشاتل والمجالس البحثية. هذا التنوع الرباطي يضمن سد كافة الثغور (البيانية، والعمرانية، والسياسية، والاقتصادية)، محولاً الجهد البشري إلى بنية مترابطة منسجمة تشد بعضها بعضاً كمثابة "مؤسسة التتابع والتكامل الحضاري".

نجاة الكيان الاجتماعي الحضاري يقتضي حتماً نجاة الكُل، وغرق أي جزء منه هو غرق للمنظومة برمتها، وأعظم بها من سفينة؛ سفينة القرآن مناطا لنجاة الحضارة والإنسان

في ختام هذا المقال نؤكد أن هذه الثلاثية التي اجتمعت على مأدبة القرآن، والتي تتمثل في خشوع الأقلام التي كتبوا بها وخشوع النهى والعقول والأحلام التي تدبروا بها؛ لم تكن استدعاء ولكنها كانت اجتماعا قرآنيا عقده ثلاثتهم؛ في انسجام صحبة القرآن، وقرآن الصحبة الجامعة. ولعل هذا يجعلنا أمام نحت جديد؛ يدفعنا الى استقراء وتشريح هذا النحت المفهومي لـ"سفينة القرآن الحضارية"، مستندين صراحة إلى منطق الحديث النبوي الشريف": مَثلُ القائمِ على حُدودِ اللَّهِ والواقعِ فيها كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا على سَفِينَةٍ"، لترسيم وعرض أهم مستلزمات هذا المفهوم التشغيلي وعمليات بناء الأمة حضارياً.

إن تفعيل "نموذج السفينة" (أو علم السفينة) يُمثل أرقى الأطر التأسيسية لفهم هندسة التنسيق الاجتماعي وإحكام النسق الحضاري، والإدارة الحازمة والحاسمة لكل معاني السفينة وقوانينها السننية وانتظامها؛ وحماية التكتل العمراني للأمة من غوائل التذرر الفردي وقوانين الاستبداد الطليقة والمطلقة؛ حيث يحمل هذا النموذج دلالة قاطعة على الارتباط العضوي والمسؤولية التضامنية الكلية.

إن نجاة الكيان الاجتماعي الحضاري يقتضي حتماً نجاة الكُل، وغرق أي جزء منه هو غرق للمنظومة برمتها، وأعظم بها من سفينة؛ سفينة القرآن مناطا لنجاة الحضارة والإنسان: "إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً" (الإسراء: 9).

x.com/Saif_abdelfatah


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)