في
إطار تلك الكتابات التي اهتم بها المفكر الكبير عبد الله دراز، مثل "النبأ
العظيم" و"دستور الأخلاق في
القرآن" و"مدخل إلى القرآن
الكريم"، نحتنا مفهوما يتوافق مع جهده أسميناه "الصحبة القرآنية"؛ إن
هذا النحت المفهومي يعد التتويج المنهاجي الأتم الذي يلم وينظم بين مؤلفات
الأطروحات الدرازية الثلاث الكبرى (النبأ العظيم، دستور الأخلاق، والمدخل)،
وينقلها من فضاء المعالجة العلمية الجافة إلى فضاء "التخلق وساحات القيم
والمصاحبة الحركية الميدانية التي ترتبط بواقع الناس ومعاشهم". هذا النحت
المعرفي يؤكد أن علاقة المسلم بالقرآن في مدرسة دراز لا تقف عند حدود
"الاطلاع المعرفي" أو "الرجوع الاستظهاري الساكن"، بل هي
"صحبة وجودية" تبدأ باليقين وتنتهي بالمطابقة السلوكية والسيادية
والهيمنة؛ "مصدقا لما بين يديه ومهيمنا عليه".
هذا
المفهوم "المنحوت" وكيف يلتقي أبدا ويتصل رحماً مع أركان أطروحات دراز
الثلاث؛ أسهم بدوره في تمكين المعالم التأسيسية لمفهوم "الصحبة
القرآنية". بموجب إرث دراز القرآني المنهجي الفكري، يمكننا رسم أبعاد رئيسة
تُحدد ماهية "الصحبة القرآنية"؛ صحبة اليقين والتلقي الفاعل (مستند
"النبأ العظيم"). الصحبة هنا تعني التحرر من عقلية "الناقل"
أو "الركود السلبي" تجاه النص. المصاحب للقرآن يعيش آياته كـ"نبأ
عظيم مستمر"، يواجه مضامينه بمكابدة ذاتية وتدبر فردي منسحب من تأثير الأفكار
المسبقة، مما يمنحه "السيادة المعرفية المطلقة" التي تحطم صنم الأمر
الواقع وموازينه المادية الفجة، وصحبة الالتزام والتخلق العملي ("دستور
الأخلاق")؛ إذ تنتقل الصحبة هنا من حيز التلاوة إلى حيز "المطابقة
السلوكية الصارمة".
القرآن
في هذا البعد يصبح هو "البوصلة الأخلاقية والرقابة المعرفية الحاكمة"
على ضمير المصاحب وسلوكه (فردياً، وأسرياً، واجتماعياً، وسياسياً)، إنها صحبة
تُحيل القيم النظرية إلى "ورقات تشغيلية" وإجراءات تمكينية مسددة بالوحي.
وأخيرا صحبة حراسة السند والشهود الكوني ("المدخل إلى القرآن")؛ المصاحب
للقرآن يحمل وعي "الأمة القطب" الشاهدة. هو يمتلك حساً سيادياً منيعاً
يحمي "السيادة اللغوية والمعرفية" للأمة، ويفكك مقولات التبعية ويتحدى
الكيد الاستشراقي والمصطلحات المسمومة، تديره أزماته وثغوره الاستراتيجية وفق
بروتوكول "اعتبار الواقع لا تحكيمه".
إنها "الصحبة القرآنية" والمثاقفة السُننية بين
عملاقين من أقطاب العطاء القرآني الحضاري؛ المفكر المفكك لقابليات الاستعمار وصاحب
مشروع الإسلام ومشكلات
الحضارة مالك بن نبي في سفره العظيم "الظاهرة
القرآنية"، والحكيم الدستوري الأصولي الأخلاقي محمد عبد الله دراز في ثلاثيته
القرآنية الخالدة (دستور الأخلاق في القرآن، النبأ العظيم، مدخل إلى القرآن
الكريم)، التي شكلت بحق تكاملا بين العمل المانع من الانفصام المعرفي، والعمل
الدافع الناظم لطاقات عَباقرة الأمة لقطع دابر القابلية للاستعمار نفسيا ومعرفيا.
في
سياقات الفهم الإدراكي الواعي وأصول التدبر والتدبير الحامي؛ تقوم قوامة الصحبة
القرآنية عند بن نبي ودراز بنيوياً على ساقين تؤسسان للفاعلية الواجبة في معني
القراءة الحضارية التدبرية للظاهرة القرآنية، إذ يشكل اختلال أحدهما مرضا حضارياً
خطيرا وبينا.
أول
هذين الساقين ساق الاختصاص؛ إذ يُمثل الاختصاص مجموع السمات العامة والخصائص
الكلية التي يختص بها الكيان الاجتماعي الحضاري، معبراً عن طبيعة وظيفته السُننية
في تحصين لسان الوحي وفهم البنية الهيكلية للنص القرآني في مواجهة الاستشراق.
يتحول فيها الاختصاص إجرائياً إلى أداة لتعيين الوظيفة العمرانية الكبرى وحماية
الثغور المعرفية والعملية؛ حيث تحرك مالك في ثغر علم الاجتماع الديني والتحليل
النفسي للظاهرة، بينما لزم دراز ثغر الفلسفة الأخلاقية والتحليل البلاغي المقاصدي
والنظر القيم. أما الساق الثانية فهي ساق التمايز (السيادة اللغوية والمعرفية
والمشاكلة المنهجية) بما تمثل تلك الحالة المنيعة التي يتميز بها الكيان الحضاري
عن الآخرين، وعلى رأسها صلب ما يتبناه من "مشروع حضاري رسالي جامع"
متميز في غاياته ووسائله ومقاصده المستمدة من طهارة العقيدة والولاء للفكرة والذات
الحضارية المستقلة، ومواجهة زيف المناهج المادية التفكيكية الوافدة، ورفض سحب
المعايير الجافة على النص المعجز.
حركية
مفهوم الصحبة القرآنية تتأسس في مكونات حضارية متكاملة؛ المكوّن المعرفي والمنهجي،
وقيادة الميزان وحارس النواة الصلبة. تبلور في صُحبتهما بإعمال قانون
"الاتصال والتواصل المعرفي" لحفظ أصل الاستمرارية وبناء مناهج التلقي
الصافية للوحي، بعيداً عن التجزئة الضالة للمعرفة أو بتر السياق المحيط وإغفاله.
والمكوّن الاجتماعي لُحمة ورحم حضاري للوعاء البشري الملتئم؛ حيث فكك ابن نبي شروط
النهضة وشبكة العلاقات الاجتماعية، وربطها دراز بـ"دستور الأخلاق"
والمسؤولية الإلزامية التي تحمي شبكة العلاقات من الانحلال والتشظي الأناني. المكوّن
الثقافي (الأشواق الدافعة والمدد الروحي): النسق القيمي والروحي الساري الذي يجعل
الهوية حيوية متجددة، وهو ما سمّاه ابن نبي "الفكرة الدينية كمولد
للحضارة"، وهندسه دراز كأشواق أخلاقية عُلوية تدفع للعمل. والمكوّن السيادي
(التدبير الحركي وقدرات التدافع) بتحريك الفرز لمواقف الوعي، وإدارة التدافع
الإيجابي والسلبي مع الخصوم الفكريين لحفظ القوى الحية للأمة عَبْر إعمال أجهزة
الفعالية المعرفية.
هذا
يقودنا الى تتبع النفاذ السُّنني للصحبة القرآنية من خلال رصد عتبات تلاقٍ أساسية
بين النصيْن؛ تفكيك منشأ النص (مالك بن نبي وعزل "الفكرة الوثن") في
"الظاهرة القرآنية"؛ إذ تحرك مالك بن نبي بعقليته "الفارقة
الفرقانية" ليفرق بصرامة مطلقة بين "الظاهرة النفسية" ذات النبي ﷺ
المحكومة بالبشرية وبين "الظاهرة القرآنية" (الرسالة المفارقة المستقلة
النازلة من علٍ)، واجتثاث كل محاولات التسلل الاستشراقي التي حاولت رد النص إلى
عبقرية ذاتية أو مصادر أرضية هجينة، متبنياً وعياً حاداً بالذات والغير؛ يطرد
القابلية للاستعمار نفسيا ومعرفيا، بينما شيّد دراز البنية الأخلاقية والنبأ
المعجز في "الثلاثية القرآنية"؛ شيد بنياناً مرصوصاً. ففي "النبأ
العظيم" فكك الإعجاز البلاغي والتركيب البنيوي للنص ليثبت امتناع صدوره عن
البشر، وفي "دستور الأخلاق" هندس القيمة الأخلاقية في الإسلام ليفصلها
عن النفعية المادية الغربية، مقدماً إياها كإلزام تشريعي وروحي مطلق محكوم بمحكمات
الوحي.
إن
الانتقال بالقرآن من فضاء التلاوة الجافة إلى "مصفوفة فاعلة وعادلة"
تنظم حركة الإنسان وتدبر شؤونه الأخلاقية والاجتماعية في الواقع المعاش، وهو ما
يمكن أن نطلق عليه التكامل السُّنني للصحبة؛ حيث يلتقي ابن نبي ودراز عند نقطة
ارتكاز مركزية واحدة: القرآن ليس نصاً للجدل الراكد، بل هو كتاب الحركة والنهوض
الحضاري، بينما ابن نبي يرى القرآن كمحرك تاريخي يصهر الإنسان والتراب والوقت
ليخرج الأمة من طور البدائية إلى طور العمران؛ ودراز يراه الدستور الأخلاقي
والعملي الذي يمنع انحلال هذه الحركة وتحولها إلى طغيان جائر؛ كلاهما نقل القرآن
إلى عتبة "التوظيف" الفعال الذي يصنع التمكين. كان النبي عليه الصلاة
والسلام "خلقه القرآن"، "كان قرآنا يمشي على الأرض".
إن
اهتمام الرجلين القرآنيين؛ لم يكن إلا اهتماما بأصل الأصول في المرجعية التأسيسية؛
فتصاحبا على هذا الصرح البنائي القرآنية في صحبة اشتملت على المباني والمعاني
والمغازي القرآنية، وأنعم بها من صحبة. "إن هذا القرآن يهدي للتي هي
أقوم"؛ فكانت أقومية القرآن هي مناط تلك الصحبة القرآنية بين مالك ودراز. "إِنَّ
هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ
الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرا كَبِيرا"؛ لقد
تصاحب مالك بن نبي ومحمد عبد الله دراز على هذا الصرح البنائي الشامخ في صحبةٍ
جليلة نَقية اشتملت على المباني والمعاني والمغازي القرآنية؛ فأنعم بها من صُحبةٍ
بانية، كانت وما زالت تمثل جدار المناعة الحضارية الشاملة. إن تضمينات حركية
الصُّحبة ونفاذ المباني والمعاني والمغازي في الميدان؛ عَبْر ثلاث عتبات حركية
تسري بـ"أقومية القرآن" في الواقع المعاش:
- عتبة
المباني (إعجاز التركيب والتحصين البنيوي): تُمثل خط الدفاع الأول الذي هندسه دراز
بعبقرية في "النبأ العظيم" و"مدخل إلى القرآن"؛ حيث فكك
التركيب البنيوي المعجز للنص ليثبت امتناع صدوره عن الذات البشرية، وتلاقى معه ابن
نبي بفرز "الظاهرة القرآنية" كرسالة مستقرة خارج الذات النفسية للنبي ﷺ.
هذا التحصين للمباني صان الصف من أحوال الاختزال الفكري وأدوات التسلل الاستشراقي.
-
عتبة المعاني (المنظومة الأخلاقية والاجتماعية): العبور بالنص من فضاء الجدل
الفكري الراكد إلى طور "المصفوفة العادلة والفاعلة". تُرجمت المعاني
القرآنية عند دراز كدستور أخلاقي ملزم يحكم السلوك، وعند ابن نبي كـ"فكرة
دينية" تصهر عناصر الإنتاج (الإنسان، التراب، الوقت) لتوليد الحركة الحضارية
المبدعة.
-
عتبة المغازي (الاستخلاف والتمكين على المكانة): الغاية القصوى للأقومية القرآنية؛
وهي تسييل أصل الأصول لصناعة التمكين النهائي على المكانة والشاكلة امتثالاً للأمر
الإلهي الصارم. المغازي القرآنية عند الرجلين تقود المنظومة الحركية الرسالية
الواعية لاستثمار المسخرات، وإعمال سنن التغيير الباطن والظاهر، لخوض معارك
التدافع الحضاري والسياسي بعزم لا ينثني وعينٍ ترنو إلى عاقبة الدار.
-
الصُّحبة القرآنية كرحم حضاري موصول وسند متصل "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"؛ تلك الصُّحبة التي لم تكن عبر مسيرة
التاريخ الـممتدة إلا رحماً حضارياً موصولاً وسنداً حضارياً متصلاً؛ كفل لِلأمة
حفظ الذكر نصاً أبدياً خالداً في الصدور والسطور، وتؤكد معنى النفاذ السُّنني
لِلصُّحبة القرآنية كـرحم حضاري وسند متصل عَبْر ثلاثة مسالك تتكامل حَرَكياً بقوة
الجهاز العصبي الواعي لِلمشروع الحضاري.
-
مسلك حفظ الذكر نصاً أبدياً خالداً (الأصالة والمثاقفة): وهي صيانة النواة الصلبة
للمشروع الحضاري؛ حيث كفلت الصُّحبة القرآنية السند المتصل الشفاهي والمكتوب من
جيل الرعيل الأول وصولاً إلى يومنا هذا. هذا الحفظ الأبدي الخالد عزل النص عن
عواصف التبديل، وصانه في وعاء طاهر يمنع التسلل المفهومي أو الاستلاب لِقواميس
الآخر المعرفية المائعة.
-
مسلك فاعلية النص في حياة المسلمين (الشاكلة والمكانة): القرآن في ميزان الصُّحبة
ليس كتاباً لِلمجالس الباردة أو الجدل الراكد، بل هو كتاب الفاعلية والحركة.
فاعلية النص تعني سريان المعاني القرآنية لتكون منهاج عمل على الشاكلة والمكانة؛
صاهرةً للطاقات لتشييد العمران، واستثمار المسخرات، وإقامة القسط الشامل في كافة
مجالات الحياة والمعاش من ثقافة واجتماع وسياسة.
-
مسلك الأبد الهادي (الاستمرارية والشهود الكوني): وهو جريان الأقومية القرآنية عبر
الزمن كطاقة اكتسابية متجددة. الأبد الهادي هو الذي يجعل الصُّحبة القرآنية رحماً
موصولاً يمد الأمة بأشواق دافعة لا تنطفئ، ويقود منظومة العمل الحركي والوعي
السُّنني لخوض معارك التدافع التاريخي بعزم مستمد من وعود الوحي الكبرى، صيانةً
لِلسند الحضاري حتى الْمُنْتَهَى.
إن
المصفوفة الحضارية تتأكد في رحاب حاكمية "الصحبة القرآنية"، إذ بموجب
هذا التأسيس الميثاقي تتحول "الصحبة القرآنية" إلى معيار أداء وإلزام في
سائر ثغور الأمة في حياة المسلم المرابط على ثغره ملتزما الأصول الأساسية لميثاق
الصحبة القرآنية والنهوض الراشد. "إنَّ استقامة المصطلح هي استقامة للميدان.
و"الصحبة القرآنية" المنبثقة من هذا "الرحم الحضاري المتقي" و"السند
المتصل" لمدرسة دراز؛ هي جدارنا الحامي الذي يضمن ألا يذوب عرق المكابدة في
قوالب التبعية الجافة. لقد أُحكم الميثاق؛ فصارت الصحبة عهداً منهاجياً يدمج يقين
الظاهرة، ببصيرة التدبر، برصانة البيان وفصل الخطاب. كل لبنة تُوضع اليوم، وكل
إجراء تمكيني أو تربوي أو إعلامي أو سياسي، يجب أن يكون معبراً عن لغتنا وهويتنا
وقوامتنا المعرفية المستقلة".
x.com/Saif_abdelfatah
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.