كنت
قد هممت بتفحص أفكار أخرى في قاموس مالك
بن نبي الحضاري وإسهامه في تشييد
النهوض
الراشد؛ خاصة بعد محاولتنا لاستيفاء معنى ومغزى الفكرة الدينية، ولكن وجدت التوقف
والدرس عند كتاب فريد له والذي عنوانه "الظاهرة القرآنية" بالذي يعد بحق
إتماما للفكرة الدينية كمعامل حضاري في معادلات الحضارية وتمامها في سلسلته
المبدعة "مشكلات الحضارة". ومع تصفح هذا الكتاب العميق والفريد؛ وقعت
على مقدمتين ضافيتين له؛ إحداها للشيخ محمد عبد الله، صاحب "دستور الأخلاق في
القرآن" وكذلك كتاب "النبأ العظيم"؛ فهو العقل الأصولي المكين، أما
الثانية فكانت لعَلَم آخر هو الأستاذ محمود شاكر؛ "صاحب أباطيل وأسمار"
و"رسالة في الطريق إلى ثقافتنا"؛ ذلك الأديب اللغوي الرصين، ووجدتني أقف
عند هذا المؤلف المتين (كتاب الظاهرة القرآنية)، فهو مؤلف فريد في بابه ومنهج
تناوله؛ فكانت المقدمتان سببا إضافيا للوقوف عند كتاب مالك وتسكينه ضمن معادلاته
الحضارية.
المرجعية
القرآنية عند مالك بن نبي ليست مرجعية شعارات أو عاطفة، بل هي مرجعية سننية
تشغيلية حركية تؤكدها الآية المركزية "إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي
لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ" (الإسراء: 109)؛ في سياق "قاموس المفاهيم
الحرة" و"الحالة
العمرانية الحضارية الشاملة"، تتحول هذه الآية من
نص يُتلى للبركة إلى "قانون الصلاحية
القصوى والجدوى الاستراتيجية" في كل مسارات
البناء. إنّ "الأقومية" في فكر ابن نبي وفي هندسته الحضارية والحركية
تعني الأرشد، والأمتن، والأكثر كفاءة في إدارة عناصر التكوين الحضاري من الإنسان والتراب
والوقت.
تلازم "الظاهرة القرآنية" و"الفكرة الدينية" كمبدأ مرجعي تأسيسي، يعني أن حركة السعي السديد في تلازمها مع أفكار الوعي الرشيد لا يمكن أن تحتمل العبث، بل هي مخطط كوني معصوم يمتلك قوة الجذب لكل مفهوم حر
إنَّ
تلازم "الظاهرة القرآنية" و"الفكرة الدينية" كمبدأ مرجعي
تأسيسي، يعني أن حركة السعي السديد في تلازمها مع أفكار الوعي الرشيد لا يمكن أن تحتمل
العبث، بل هي مخطط كوني معصوم يمتلك قوة الجذب لكل مفهوم حر؛ أرأيت
القسم القرآني بالحرف الحر.. "إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ
أَقْوَمُ" (الإسراء: 109)؛ فمن أمسك بالفأس مهتديا، ورصَّ اللبنة محتميا
ببنيانه، ورابط على الثغر مستمسكا بحبله، فقد انخرط في قانون النجاة السنني الذي
لا يتبدل أو يتحول، بإعلان ميلاد الحالة العمرانية الحضارية الشاملة؛ التي لا
يطالها أفول.
تعتبر
منهجية مالك بن نبي في كتابه "الظاهرة القرآنية" ركيزة أساسية في مشروعه
الفكري "مشكلات الحضارة"، حيث سعى من خلالها إلى تقديم حلول علمية
وعقلانية لأزمة الفكر الإسلامي الحديث على طريق النهوض الحضاري. ويمكن إجمال هذه
المنهجية وعلاقتها بمشكلات الحضارة المنهجية التحليلية الموضوعية القائمة على
دراسة الظواهر، وطرق التحليل النفسي؛ إذ تميز هذا المنهج بإرساء العقيدة عن طريق
العقل والإيمان معا إذ لم يكتفِ ابن نبي بالتسليم الوجداني، بل سعى لإيجاد أسس
ثابتة وعقلية للإيمان بالمصدر الإلهي للقرآن.
ويدرس
النبوة والوحي كظاهرة موضوعية مستقلة عن ذات النبي، تماما كدراسة الظواهر الكونية،
مواجها التشكك الديني لدى الشباب المثقف الذي تأثر بالمناهج الغربية الديكارتي، ويربط
كذلك بين فهم الظاهرة القرآنية والنهوض الحضاري من خلال الفكرة الدينية كمُركِّب
لعناصر الحضارة التي تدمج عناصر الحضارة (الإنسان، التراب، الوقت) لتصنع النهوض، وتعمل
على تحرير العقل من الاستلاب المعرفي الذي نتج عن تلقي الشباب المسلم معارفه
الدينية من خلال كتابات المستشرقين، مما خلق أزمة تبعية فكرية.
كما
اقترح تطوير وسائل التفكير الديني لتتفق مع تطور العلوم الحديثة، مؤكدا أن القرآن معجزة مستمرة تتكشف علائم صدقها في الآفاق وفي الأنفس
بما يتناسب مع كل عصر، كما يعتبر أخيرا أن النهوض الحضاري يبدأ من إدراك الفرد
لمسؤوليته في "السفينة" الاجتماعية (وحدة المصير)، فإعجاز القرآن في
نظره ليس مجرد جمال أسلوبي للعرب القدماء، بل هو "صفة ملازمة" ومن جوهر
الدين، يجب أن يدركها المسلم المعاصر بوسائل التحليل النفسي والموضوعي ليقيم
عقيدته على أساس صلب يدفع للعمل والبناء. كانت منهجيته بحق في الظاهرة القرآنية مطرقة
حطّم بها أوثان التبعية المعرفية، والبوصلة التي وجهت عناصر
الحضارة نحو هدفها السامي، معتبرا أن
النهوض لا يتحقق إلا بعودة الفكرة الدينية فاعلة
في توجيه التاريخ.
تعد
منهجية مالك بن نبي في كتابه الظاهرة القرآنية بمثابة المختبر المنهجي الذي لم يسعَ فيه فقط لإثبات نبوة محمد ﷺ، بل أراد من
خلاله صياغة عقلية قادرة على النهوض الحضاري؛ مستخدما منهج "التحليل الظاهراتي
لكسر قيود التبعية الفكرية التي فرضتها مدرسة الاستشراق والمتغربون من أبناء
جلدتنا، إذ حطم الفرضية التي تدعي أن القرآن نتاج عبقريته الذاتية؛ إذ أثبت أن
هناك ذاتا مفارقة (الوحي) كانت تملي على النبي ﷺ ما يصدم رغبته أحيانا، مما يفصل
تماما بين شخصية محمد البشرية وبين النص القرآني. تجاوزت تلك المنهجيةُ الاعتذاريةَ
المهزومة ليعلم المثقف المسلم أن السيادة المعرفية تبدأ من امتلاك أدوات نقدية
تضاهي بل وتتفوق على أدوات الآخر؛ لم يكن الكتاب ترفا فكريا، بل كان
محاولة لحل مشكلة الحضارة.
في
"المعادلات الحضارية" لمالك، لا تعمل الفكرة الدينية كمجرد "عقيدة
تجريدية"، بل تعمل عبر "الظاهرة القرآنية" كمحرك كوني يحول العناصر بالمعنى الخام
(الإنسان، التراب، الوقت) إلى نتاج حضاري. ومن ثم بدت هذه "العلاقة
الوثقى" بين الفكرة الدينية والظاهرة القرآنية كضرورة منهجية قصوى لفهم كيفية
انتقال المجتمع من "الحالة البدائية" إلى "الحالة الحضارية"
في فكر مالك بن نبي.
الظاهرة
القرآنية تمنح الفكرة الدينية "القوة النافذة"
التي تصهر هذه العناصر في بوتقة واحدة لتوليد الحضارة، وهي كذلك الشرارة التي دمجت
هذه العناصر الساكنة في صدر العرب الأوائل فصنعت منهم حضارة. إن أي
"نهوض" لا يبدأ بشحن هذه العناصر بـ"الفكرة الدينية" الصافية
هو نهوض كاذب ومصيره الأفول. إن المشكلة ليست في نقص "الأشياء" بل في
"عطالة الأفكار"؛ فإذا عرفنا وتدبرنا أن القرآن في منهجه هو "منبع
الأفكار الحرة" التي تحرك الفأس وتغرس الفسيلة فتنهض النفوس، وأنه طريق
النهوض لصياغة الإنسان الفاعل، وتمكين النهوض والعمران؛ تتضح لنا أبعاد منهجية ابن
نبي في "الظاهرة القرآنية" التي تعني "السيادة المعرفية" التي
ترفض أن تكون ذيلا لحضارة الآخر.
بهذه
المنهجية، يتحول القرآن من كتاب للتبرك الساكن إلى "دستور
للفاعلية السيادية"، وهو الطريق الوحيد الذي رسمه ابن نبي
للخروج من "تيه الانحطاط" إلى "شمس الشهود". كما أنه يعد
الضمانة الحركية للفكرة الدينية؛ إذ قد تعاني الفكرة الدينية أحيانا من
"الركود" أو "التحول إلى طقوس ميتة" وأفكار قاتلة، ودور
"الظاهرة القرآنية" بوصفها "نظام تشغيل متجددا"
يضمن بقاء الفكرة الدينية في حالة "فاعلية" دائمة، وتربطها بسنن الكون
الجارية التي لا تتخلف؛ ذلك أنه عندما تضعف الفكرة الدينية في
المجتمع، يتم استدعاء "الظاهرة القرآنية" لإعادة إشعال "الشرارة
الحضارية" عبر العودة إلى المصدر المستقل والعلوِيّ.
"الفكرة
الدينية عند مالك بن نبي هي "الروح" التي تحرك جسد التاريخ، والظاهرة
القرآنية هي "الوعي السيادي" الذي يمنح هذه الروح رؤيتها المنهجية
ومنعتها العلمية، وبدونهما، تتحول الحضارة إما إلى مادية جافة بلا روح، أو إلى
روحانية ساكنة بلا إنجاز".
إن مالك
بن نبي لم يتعامل مع
الإعجاز كقضية بلاغية تراثية فحسب، بل جعله "المقدمة
التأسيسية" والعمود الفقري لمنطقه السنني في أبناء الحضارة. فقد أعاد ابن نبي
صياغة مفهوم الإعجاز ليتحول من "برهان لإسكات الخصم" إلى "قانون
لحركة التاريخ". كما في منهجيته يعد الإعجاز كـ"حجة ووسيلة تبليغ"
كمنطق وظيفي؛ فالإعجاز ليس غاية في ذاته، بل هو "وسيلة لتبليغ الدين". الإعجاز
يجب أن يكون في مستوى إدراك المخاطب؛ فالقرآن لم يُعجز العرب لأن لغتهم كانت
ضعيفة، بل لأن البيان القرآني كان "أقوم" وأعلى من طاقتهم البشرية رغم
امتلاكهم لأدوات اللغة.
جاز يكمن في قدرة هذا البيان على تحويل العرب من "أشياء" هامشية في التاريخ إلى "أمة" تقود العالم، والإعجاز عند ابن نبي أخيرا "شهادة للسنن"؛ القرآن معجز لأنه يمتلك "قوانين النهوض" التي لا تخيب، إنه وفقا لهذا هو خريطة للتشييد والعمران
الإعجاز
اليوم هو إثبات "صلاحية المنهج القرآني" لحل مشكلات الإنسان المعاصر، وقدرته
على تقديم حلول (أقوَم) في الاقتصاد والاجتماع والسياسة. إنه الإعجاز الشاخص أمام
العالم، فهو ينقل أهله من إعجاز النص الى إنجاز حامليه؛ ليعقد معادلة حضارية أخرى
بين الإعجاز والإنجاز. وكأن الظاهرة القرآنية قد حملت مثلثا للإعجاز؛ إعجاز المصدر
وإعجاز المضمون وإعجاز الحركة، وكأن مالكا أراد أن ينقل أصحاب فكرة الإعجاز من
علوم التطبيق والعلوم الفنية والإعجاز العددي؛ إلى الإعجاز في حركة التاريخ
وصناعته، والإعجاز في ظواهر تتعلق بالعلوم الإنسانية والاجتماعية والقوانين
السننية العمرانية كافة؛ في الكون والتاريخ وفي النفس والاجتماع ونهوض الأمم.
كما
أراد مالك بإشارته التدبرية الكبرى في استخدامه وتوظيفه للإعجاز في مواجهة
"أزمة الوعي" لدى المثقف المسلم؛ كمفتاح منهجي للسيادة المعرفية عندما
ندرك أن هذا الإعجاز هو عين التحرر من "وثن العقلانية المادية" التي
تحاول تفسير الوحي كظاهرة بشرية، ونسترد ثقتنا في "مفارقة المصدر
الإلهي". إن ابن نبي، رغم تكوينه العلمي، لم يغفل الإعجاز البياني، لكنه وضعه
في سياق "التأثير الحركي"؛ الكلمة القرآنية ليست مجرد "جمال"،
بل هي "طاقة تركيبية".
الإعجاز
يكمن في قدرة هذا البيان على تحويل العرب من "أشياء" هامشية في التاريخ
إلى "أمة" تقود العالم، والإعجاز عند ابن نبي أخيرا "شهادة للسنن"؛
القرآن معجز لأنه يمتلك "قوانين النهوض" التي لا تخيب، إنه وفقا لهذا هو
خريطة للتشييد والعمران، فإذا ما طبقنا سنن القرآن في العمل والإنتاج والعدل
(الفأس والفسيلة والسفينة)، فإن المحصلة الجوهرية هي "التمكين"؛ إنه التحقق
المادي للوعود القرآنية، هو "الإعجاز المشهود". لقد جعل ابن نبي من
"الإعجاز" نقطة الانطلاق؛ لأنه أدرك أنه لا يمكن بناء "عمران"
على "عقيدة مهزوزة"، فالإعجاز القرآني ليس نصا ندرسه في الكتب، بل هو "واقع
حضاري" نشيده بأيدينا؛ إن العالم لن يؤمن بإعجاز القرآن حتى يرى "أمة
القرآن" وهي تقود السفينة بمهارة، وتزرع الفسيلة بإتقان، وترابط على ثغور
العلم بيقين؛ فعلينا بفعلنا الحضاري ألا نخذل إعجاز القرآن وخطته التأسيسية
للعمران.
وما
زال لنا في تشييد بنيان النهوض الراشد والظاهرة القرآنية في مسار مقارن بين من
قدما للكتاب وغيرهم؛ لعله يفيد في هذا المقام؛ فإن النظر القرآني التكاملي هو
المنهج المعتمد على قاعدة اقرأ القرآن كالجملة الواحدة.
x.com/Saif_abdelfatah
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.