الكلمة الطيبة (النهوض الراشد) والكلمة الخبيثة (النهوض الزائف).. رؤية قرآنية (2)

سيف الدين عبد الفتاح
"الشجرة الطيبة والشجرة الخبيثة"- CC0
"الشجرة الطيبة والشجرة الخبيثة"- CC0
شارك الخبر
اختتمنا مقالنا السابق -وهو الأول في سلسلة النهوض الراشد- بآية قرآنية في سورة إبراهيم تذكرنا بتلك المفارقة بين الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة؛ "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَة طَيِّبَة كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ۞ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ۞ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ۞ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ" (إبراهيم: 24-27)؛ وهي مقارنة فائقة القيمة في أصل من أصول الفاعلية الحضارية ومقام الكلمات في البناء والبنية الحضاريين. كنا في ذلك نشير الى النهوض الراشد (الكلمة الطيبة)؛ والذي هو على العكس من النهوض الزائف (الكلمة الخبيثة).

ولعل من إيماءات الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة؛ البلد الطيب والبلد الخبيث؛ "وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدا"؛ هذه الآية الكريمة من سورة الأعراف (58) تقدم مثلا ضربه الله للمهتدي وغير المهتدي؛ فالفاعل الطيب المهتدي يثمر أعمالا صالحة، بينما الفاعل الخبيث لا ينتفع بالهدى ولا يُخرج إلا عملا سيئا، تماما كالأرض الطيبة التي تنبت نباتا حسنا، والأرض السبخة التي لا تخرج إلا نباتا عسيرا ونكدا. فالبلد الطيب: الأرض الخصبة الطيبة، والمقصود به الإنسان المهتدي الذي يتقبل الهدى، يخرج نباته بإذن ربه؛ ينبت زرعه بيسر وجودة، بتوفيق الله وقدرته. والذي خبث؛ الأرض السبخة، المالحة، أو الأرض الجبلية القاسية، والمقصود بها غير المهتدي، القاسي قلبه.

وفي الحديث "الكلمة الطيبة صدقة" أخرجه مسلم وابن خزيمة في صحيحه عن أبي هريرة؛ "إن الرجل ليتكلم بالكلمة -من رضوان الله تعالى- يرقى بها إلى أعلى عليين، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة -من سخط الله تعالى- يهوي بها إلى أسفل سافلين". وورد في الأثر أن البطولة أن تعد كلامك من عملك، فالكلمة الطيبة صدقة، والكلمة الخبيثة يهوي بها الإنسان إلى أسفل سافلين، بين عقلية الاستنبات لا التصنيع والاصطناع الزائف؛ فالنهوض الراشد هو عملية "استنبات حضاري" في بلد طيب (حقول الأمة)، وليس "تصنيعا آليا" لنماذج مستوردة. فالطيب يثمر بركة، والخبيث لا ينتج إلا نكدا. إننا أمام "قانون الإنبات الحضاري" الفارق؛ فالآية الكريمة التي وردت في سورة الأعراف السابقة الإشارة إليها، تضعنا أمام التوصيف النهائي لبيئة العمل في "سفينة النهوض" ومآلات الجهد المبذول فيها.

"الكلمة الطيبة" ووصفها بـ"الطيبة" في مشروع النهوض تجمع بين الركيزة الأخلاقية والقيمية، وهي النقيض التام لـ"القوم البور" و"القول البور" والماء الآسن. إن هندسة "الطيب" للكلمة وأبعادها في المسار الحضاري كـ"أصل ثابت" (الهوية والحق المتصل بكلمة التوحيد)، وفي الوصف القرآني "أصلها ثابت"؛ وهذا يتطابق مع جوهر "الأصل والوصل"، فالمفهوم المتعلق بالكلمة الطيبة هو المستند إلى الحق والوحي والقيم المطلقة (الأصل).

ووصف الطيب إذا هو "النقاء المعرفي"؛ فالكلمة لا تكون طيبة إذا كانت مستلبة أو مشوهة، فالكلمة الطيبة هي "الأصل الصادق" والنظرية التي لا تخدم الهدم، بل البناء. الكلمة الطيبة كـ"فرع في السماء" (الامتداد والنفع)؛ ووصفها بأن فرعها في السماء يعني "الامتداد الائتماني" وعلو المقاصد في ظل رؤية الدكتور طه عبد الرحمن الائتمانية.

الكلمة الطيبة لا تحبس نفسها في التراب (المادية الضيقة)، بل تطمح لـ"السيادة المعرفية والسلوكية" ورفعة الأمة، ووصف الطيب: هو "الحيوية"؛ فالكلمة الطيبة هي "المخيال الدافق" الذي يفتح آفاق النشاط القادم ولا يغلق الأبواب باليأس.

"تؤتي أُكلها كل حين"؛ هذا هو جوهر "الاستدامة للحياة الطيبة. الوصف الطيب: هو "الإثمار المستمر"؛ إنها الكلمة التي "تزكي" العمل وتحوله من "بوار" إلى "إثمار". فالنهوض الراشد المنشود ليس "قوة غاشمة" أو "تقنية جافة"، بل هو "قوة طيّبة" تفوح بروح الأخلاق وتزكو بنفع الخلق. "الطيب والزكاء" يعني ثلاثة أمور جوهرية: طيب المصدر (أصلها ثابت) فالطيب يبدأ من "نقاء القصد"؛ جمال الأداء (تؤتي أُكلها كل حين)؛ زكاء الأثر (المنفعة المسبلة)؛ و"النماء المستمر". الكلمة الطيبة لا تموت، بل تزداد زكاء كلما تداولها الناس في حياتهم فهي مدد لحياتهم الطيبة (فلنحيينّه حياة طيبة). النهوض الراشد هو تزكيةٌ وتطييبٌ للفعل الحضاري؛ نحن لا نبني "آلة"، بل نغرس "شجرة طيبة"، جذورها في "الرشد الائتماني"، وفروعها تتجلى في شتى مجالات الحياة الرقمية"، وثمرها هو "التمكين" الذي يفوح عدلا ورحمة للعالمين.

"الطيّب" إذا في سفينة النهوض الحضاري هو معيار القبول في المرفأ الائتماني، أما "الخبث" فهو معيار الطرد والاستبعاد؛ لأن "الشجرة الخبيثة" هي النقيض الوجودي لـ"سفينة النهوض"، وهي العقلية التي تسعى لخرق السفينة من الداخل بوعي أو بغير وعي. "الخُبث" كعقلية هدّامة يتطلب الرصد الفعال في فضاء "النهوض الراشد"؛ إن معاملات الخبث أخطر ما تكون على المشروع ورشده، ذلك أن الخُبث يمثل في حقيقته اجتثاثا وفقدانا للأصل؛ وصف القرآن الشجرة الخبيثة بأنها "اجتثّت من فوق الأرض ما لها من قرار".

العقلية الخبيثة: هي التي تمارس المعاش والفكر بلا "أصل" أو "هوية"، هي عقلية "الاستلاب الكامل" التي تقطع صلة الشباب بجذورهم الحضارية (الأصل)، وتوهمهم أن "القرار" والتمكين لا يكون إلا بالتبعية المطلقة للنماذج الغربية. هذا "الاجتثاث" يجعل المبادرة خاوية، تسقط عند أول عاصفة لأنها بلا "عروة وثقى". الخُبث كـ"زيف يعني ضمن ما يعني (فساد الوسيلة) ويعني أيضا كل ما اختلط فيه الحق بالباطل لغرض الإفساد.

العقلية الخبيثة هي التي تبرمج خوارزميات للتضليل، أو التجسس، أو استعباد الوعي تحت مسمى "الذكاء" أو "التطوير"، إنها عقلية "القوم البُور" الذين يقدمون "الماء الآسن" في قوالب براقة. هذا النوع من "الخُبث هو الذي يُنتج برمجيات "خبيثة" ليس فقط بالمعنى المادي التقني، بل بالمعنى الأخلاقي والحضاري. ومن ثم فإن الخُبث كـ"انقطاع" هو بالضرورة (ضد البركة والنماء) الشجرة الخبيثة لا تؤتي أُكلا، بل هي عبء على الأرض؛ تحشد كل ألوان الطفيليات والتطفل.

العقلية الخبيثة هي التي تحتكر المعرفة وتحبسها عن "تسبيل المنفعة"، هي عقلية "الأنانية" التي ترفض وتسعى لتحويل "النهوض" إلى تجارة ضيقة أو مجد شخصي زائل، هذا الانقطاع عن روح "الأمة" يجعل العمل "بائرا" لا روح فيه ولا امتداد. مواجهة الحالة العقلية الخبيثة لا يكون إلا بـ"العقلية الفارقـة" التي تمنع اختلاط "الرشد" بـ"الاستلاب"، وترصد أي "بذور خبيثة" من أفكار مستلبة أو أدوات ملوثة أو مقاصد ملتوية والاستنفار الواجب لاستئصالها فورا. السفينة لا تكتمل رُوحها إلا بتطهير جسدها من طفيليات "الخبث المعرفي".

العقلية الفارقة هي الحافظة المفارقة بين "سفينة النهوض" و"مشاريع البوار أو النهوض الحضاري الزائف"، هو الفرق بين الشجرة الطيبة (ثبات، سمو، إثمار) والشجرة الخبيثة (اجتثاث، تيه، انقطاع). الوعي بهذا الفرق هو الذي يحمي الحاملين لمشروع النهوض من أن يكونوا "أدوات خبيثة" في يد مشاريع استلاب الوعي، من خلال "نظام الدفاع المناعي" لمشروع النهوض الفاعل والعادل والراشد، يتم فيه رصد الخبث (التحقق من السلامة)، إنه الاختبار الفاصل الذي يمنع تحول "النشاط النهضوي" إلى "بوار" ممتد، ويضمن ألا تنتقل أي "عدوى استلاب" إلى "النشاط القائم والقادم".

هذا الفارق والمفارق بين "الشجرة الطيبة" و"الشجرة الخبيثة"؛ لا يتم حقا إلا بكشف "الاجتثاث المعرفي" في "اختبار الأصل". المشروع الحضاري النهضوي يجب أن يكون نابعا لا تابعا نابتا في "أرضنا" الحضارية، وألا يكون نبتا "مجتثا" من فوق أرضه ليس له قرار. إن هذا يعني ضمن ما يعني لعبور ذلك الاختبار؛ البصيرة والتبصر في رصد التبعية العمياء للنماذج الغربية التي تحمل "خُبثا قيميا" خفيا.

إن كل بذرة خبيثة يجب أن تُستبعد من الأرض الحضارية الطيبة وفق آليات الفرز والمراجعة والتجدد الذاتي. الشجرة الخبيثة لا تؤتي أُكلا، وأي عمل يهدف لمجد شخصي زائل أو التكسب من أزمات الأمة يُعد "نشاطا بائرا" يمنع من الإقلاع الحضاري القويم والسليم. إذ تكتمل "دورة الحياة الائتمانية" في البناء الحضاري المكين (اصطفاء الطيب؛ تنمية الزاكي؛ رصد الخبيث؛ استئصال البوار). وهنا تأتي بلاغة النداء الحركي القرآني: "وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ" (البقرة: 267)، لأنه قاعدة الانطلاق الفصل في المشروع الحضاري؛ فهو ينهى نهيا جازما عن "القصد" (التيمم) إلى الرديء أو المستلب أو الفاسد لجعله مادة للنهوض أو الإنفاق الحضاري.

إن الأبعاد الحركية لهذا النداء في "سفينة النهوض"؛ يلزم فيها النهي عن "توطين الهزيمة" (قصد المستلب). "وَلَا تَيَمَّمُوا" تعني لا تجعلوا الخبيث "هدفا" أو "منطلقا"، نقد "عقلية الاستسهال" (المنفعة الرخيصة). الخبيث هو ما لا ترضاه لنفسك، "وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ". إن المفكر لا يرضى التبعية لنفسه، فكيف "يتيممها" ويقدمها للأمة كـ"نهوض"؟ هذا "التغافُل" (الإغماض) هو الذي يفتح الثغرات لسقوط سفينة النهوض في "الماء الآسن".

هذا النداء هو الذي يحمي "البلد الطيب" من التلوث أو الزيف الحضاري. لكي يخرج "النبات" طيّبا، يجب أن يكون "البذر" (النية والوسيلة) طيّبا. "وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ" هو أمر بـ"تطهير المدخلات" لضمان بركة المخرجات. ومجمل الأمر الحذر من "الخديعة الحضارية"؛ النداء الحركي يمنعنا من "خداع أنفسنا" بتقديم حلول "نكدة" ومستلبة تحت مسمى "التحديث والعصرنة". النهوض الراشد هو "قصدُ الطيب" في الفعل، والنية، والتفعيل، والفاعلية.

النداء الحركي والمعرفي "وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ" هو الذي يحول سفينة النهوض من "مخزن للمخلفات" إلى "مرفأ للنفائس" نحو النهوض الراشد من القصد الواعي نحو الأفضل، والأطهر، والأكثر إتقانا واستمرارا. والطارد لكل مشروع نهوض زائف خادع للأمة ومضلل لوجهتها؛ "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذهَبُ جُفاء وَأَمّا ما يَنفَعُ النّاسَ فَيَمكُثُ فِي الأَرضِ كَذلِكَ يَضرِبُ اللَّهُ الأَمثالَ" (الرعد: 17).

x.com/Saif_abdelfatah


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)