يشكو أثرياء
مصريون من إجراء تتخذها منتجعات سياحية
تابعة لشركات إماراتية بالساحل الشمالي الغربي لمصر، بحقهم كملاك ومشترين لوحدات سكنية
وفندقية وشاطئية، عبر تنفيذ قوانين خاصة بما يخالف الاتفاقات والعقود المبرمة ويقيد
حريات المالكين ويحرمهم من حقوق تكفلها القوانين المصرية.
ويقيم 22 من ملاك منتجع "مراسي"، دعاوي
قضائية ضد شركة "إعمار مصر"، نتيجة القيود المفروضة عليهم وحجب بعض الامتيازات
السابقة، وصعوبة دخول الشواطئ وازدحامها بنزلاء الفنادق الخمسة داخل المنتجع، متهمين
الشركة بالإخلال بالعقود والانتقاص من حقوقهم، فيما لفت البعض إلى أزمة زيادة قيم
"الغرامات والرسوم والصيانة"، ومعاملة الملاك وكأنهم مستأجرين، وعدم إبلاغ
الشرطة المصرية بأية حوادث إلا بعد تحرير محضر خاص بالشركة.
وأثارت شكوى سيدة مصرية موجهة إلى رئيس النظام
المصري عبدالفتاح
السيسي، ورئيس
الإمارات محمد
بن زايد، ورئيس شركة "إعمار مصر"
رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، حول منع أمن منتجع "مراسي" دخول الضيوف
إلى وحدة مملوكة لها، ما فجر جدلا واسعا حول ما تفرضه الشركات الإماراتية على
المصريين من قوانين إدارية.
اظهار أخبار متعلقة
وفي 8 تموز/يوليو الجاري، نشرت المصرية حنان
الشعراوي، مقطعا مصورا، تنتقد القوانين واللوائح المعمول بها في "مراسي"،
وتصف طريقة الإدارة بأنها "مستفزة"، مشيرة إلى قيود على دخول الملاك وضيوفهم،
فيما عبرت عن غضبها مشبهة ما يتم فرضه على المصريين داخل بلدهم بـ"الاستعمار"،
مستنكرة منع بعض الملاك من دخول مقر الشركة الرئيسي، بقولها: "لسنا في معتقل غوانتانمو".
زوجة رائد الأعمال أشرف الخادم، تحدثت بداية عن
منع صديقة يمنية لابنتها من دخول المنتجع، بحجة عدم منح "QR
Code" إلا لشخصين فقط لكل عائلة يوميا، مبينة
أنهم دفعوا ملايين الجنيهات ولا يمكنهم استقدام أقاربهم وأصدقائهم، مشيرة إلى أنه
لا يمكنهم كذلك إدخال أحد من غير الملاك إلى شواطئ المنتجع، واصفة الأمر بأنه "مضحك
ومبكي"، قائلة: "أشعر أننا في استعمار"، ومتسائلة: "أنا مالكة
وحدة في (إعمار) و(مراسي) أم أننا مُحتَلّوُن، ويُفرض علينا قوانين غير مصرية؟".
وكشفت السيدة عن منع أمن "إعمار"
ملاك فندق العلمين من دخول مقر المقطم بالقاهرة، مطالبة من السيسي، "رد كرامة
المصريين"، قائلة: "لسنا في معتقل غوانتانمو، نحن مُلاك لولانا ما كانت إعمار
لها وجود بمصر".
وخاطبت الشعراوي، السيسي، قائلة: "طالما
الدولة سمحت ببيع أراضي أينما كانت في أنحاء الجمهورية لشركات تطوير عقاري وبيع
الوحدات للمصريين؛ إذا المصريون يحتاجون إلى قانون ينظم العلاقة بين المطور
والمالك"، مضيفة في تدوينة عبر "فيسبوك": "نحن نخضع لقوانين
مصر وليس قوانين دول أخرى".
وفي تدوينة أخرى قالت السيدة: "اقتصاديا من
المنطق تشجيع المستثمرين؛ ولكن ما يؤرقني أن يأتي يوما نجد هناك تغول على الدولة
المصرية، بحجة أننا نستثمر ملايين المليارات في بلدكم"، فيما شارك زوجها رائد
الأعمال أشرف الخادم شكواها، عبر صفحته بـ"فيسبوك"، بذات التفاصيل،
مشيرا إلى خسائر المصريين المستثمرين بشراء وحدات في مراسي.
كانتونات إماراتية على البحرين
وفي ظل استحواذ إماراتي متتابع على قطاعات واسعة
من الاقتصاد المصري، بالسنوات الأخيرة وتخصيص حكومة رئيس النظام عبدالفتاح السيسي،
أراضي استراتيجية للصناديق والشركات الإماراتية، في صفقات أثارت جدلا، كان حديث الخبراء
والاقتصاديين عن مخاوف تطال الأمن القومي، والإضرار بالاقتصاد الوطني.
ويقع منتجع "مراسي" بمنطقة سيدي عبدالرحمن
(الكيلو 125 طريق الإسكندرية- مطروح) بمساحة 1544 فدانا، وبطول شاطئ 6.2 كيلومتر، ويضم
أكبر مرسى لليخوت بالشرق الأوسط، وملعب جولف عالمي، و23 مجتمعا سكنيا، و5 فنادق ومطاعم
ومتاجر عالمية.
كما أعلنت "إعمار" خلال
أيلول/سبتمبر 2025، عن مشروع "مراسي ريد"، بمنطقة رأس سوما بالبحر
الأحمر قرب مطار الغردقة الدولي، ومنتجعات "الجونة" و"سهل حشيش"،
على مساحة 2426 فدانا، وبطول شواطئ 1.5 كيلومتر، ومرسى يخوت دولي ونادي يخوت، باستثمارات
قرابة 900 مليار جنيه.
اظهار أخبار متعلقة
وإلى جانب مراسي، تمتلك الشركات
الاستثمارية الإماراتية،
محفظة استثمارية سياحية هائلة في مصر، تتركز في الساحل الشمالي، وسواحل البحر الأحمر،
أهمها تدشين أبوظبي التنموية القابضة" (ADQ) مشروع مدينة "رأس الحكمة" بالساحل الشمالي الغربي، عام
2024، باستثمارات 35 مليار دولار ومساحة 40 ألف فدان، تشمل منتجعات سياحية عملاقة مثل
"SouthMed" بمساحة 5.500 فدان.
وذلك إلى جانب منتجع "سول" (Soul) بالساحل الشمالي كأحد مشاريع "إعمار مصر"، منذ 2022، على
مساحة 580 فداناً عند الكيلو 180 طريق (إسكندرية-مطروح)، باستثمارات نحو 3 مليارات
دولار، ويشمل بيتش هاوس، تاون هاوس، توين هاوس، وفلل مستقلة، بأسعار بين 15 و30
مليون جنيه.
والعديد من المنتجعات الأخرى بينها: منتجع "هاسيندا
ويست" الذي أسسته شركة بالم هيلز بمساحة 137 فدانا بـ(الكيلو 200) طريق (الإسكندرية–مطروح)،
ودخلت الاستثمارات الإماراتية إليه عبر استحواذ "أبوظبي الوطنية للفنادق"
ومجموعات استثمارية تابعة لـ ADQ)، على حصص
في بالم هيلز، ويضم 300 وحدة بين فيلات فاخرة وشاليهات تباع بين 8 وحتى 28 مليون
جنيه.
ليس بأمر مستغرب
وفي تعليقه، قال السياسي والبرلماني المصري السابق،
ممدوح إسماعيل، إن "التواجد الإماراتي في مصر تكرار للامتيازات الأجنبية في عهد
الخديوي إسماعيل"، ملمحا إلى "الامتيازات والحماية القانونية والاقتصادية
والقضائية التي مُنحت لرعايا الدول الأوروبية، وكانت سببا تزايد حدة التدخل الأجنبي
في شؤون مصر المالية والقضائية".
وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد المحامي والخبير
القانوني أن "تلك الحقبة الفاسدة تتكرر؛ بين حاكم مستبد ينفق ببذخ على احتفالاته،
وشعب يعيش تحت خط الفقر، وتفاقم تبعات أزمة الديون، وهيمنة خارجية على الحكم والتدخل
في الاقتصاد والسياسة بحسب ما يريدون من أهداف".
ولفت إسماعيل، إلى أن "الدور الإماراتي حاليا،
يشبه الدور الفرنسي تاريخيا بتلك الحقبة"، مضيفا: "لا يُستغرب أنها قد تختار
وزراء بحكومة البلاد وتقديم شخصيات لصيقة الصلة بأبوظبي، وفرض قرارها ووجودها الاقتصادي
على شعب مصر".
وتابع: "بل وتشغيل الجيش المصري لديها وفق
ما تم الكشف عنه بوجود مفرزة طائرات وقوة عسكرية مصرية في الإمارات بالتزامن مع (حرب
إيران)، وكذلك تواجد رئيس الإمارات الدائم في الاحتفالات العسكرية الخاصة بمصر، وكأنه
يقول هذا مالي وأنا صاحب القرار".
وخلص للقول: "لذلك لا تستغرب ما حدث في مشاريع
إسكان الأثرياء، فلابد أن ينالهم جانبا مما طال باقي الشعب من ظلم، وحتى يدرك الشعب
أن دولة بحجم إمارة صغيرة تحتل قرار مصر صاحبة التاريخ والحضارة و١٢٠ مليون نسمة، وجيش
مليوني التعداد، لأن الحاكم السيسي، يوالي أبوظبي ليبقى في الحكم".
مصريون: فاتيكان جديد
ولاقت المشروعات السياحية الإماراتية على البحرين
المتوسط والأحمر وفي القاهرة، اقبال أثرياء مصر، الأمر الذي تحول إلى انتقاد سطوة ونفوذ
المستثمر الإماراتي، تعاظم المخاوف من تحول تلك المنتجعات لمناطق معزولة داخل مصر،
لها قوانينها الخاصة على طريقة "الفاتيكان"، في إيطاليا، أو "كانتونات"
سويسرا الـ26 التي تعمل كل منها كدولة شبه ذات سيادة تمتلك دستورها، وبرلمانها، وقوانينها
وشرطتها.
اظهار أخبار متعلقة
وفي هذا السياق، عبَّر مصريون عن قلقهم من
مستقبل الاستثمارات الإماراتية في مصر، حيث قالت مدير تحرير جريدة "أخبار اليوم"
الصحفية داليا جلال، إن "هذه نهاية بيع أراضي بلدنا للغرباء"، مضيفة عبر
"فيسبوك": "بكرة يشغلونا عبيد عندهم"، فيما انتقدت إحدى
الملاك وهي داليا صادق، عبر فيسبوك: "رفع العلم الإماراتي على أراضي مصرية،
مشيرة لوجوده بمدخل المنتجع.
واعتبر "حزب تكنوقراط مصر"، أن ذلك
الوضع يشير إلى معاملة المصريين كدرجة ثانية في بلادهم، وبينما أكد مصريون أن
المستثمر، مهما كانت جنسيته، ليس مالكا للأرض المصرية، ولا يحق له تقييد حرية أي
مالك مصري؛ تخوفوا من استمرار تخصيص الأراضي للمستثمرين الإماراتيين ومن وراءهم، متوقعين
أن يكون بعضهم وكلاء للاحتلال الإسرائيلي.
وطرح الفنان التشكيلي إبراهيم شلبي، السؤال:
"هل نحن بصدد (فاتيكان) جديد على أرض مصر؟"، ملمحا إلى أن "الكمبوندات
والمنتجعات المغلقة تسير سريعا نحو استنساخ هذا النموذج، وبشكل أكثر تعقيدا".
وأوضح أنه "عندما تملك شخصيات نافذة، أو
صناديق استثمارية تابعة لدول كبرى، أحياء ومدنا وشواطئ كاملة، فإن أجهزة الدولة
المحلية ستتردد في تطبيق بعض القوانين المحلية تفاديا للأزمات الدبلوماسية أو
لهروب الاستثمارات".
ولفت إلى أن "الكمباوند الأجنبي أخطر من
الفاتيكان"، مبينا أن "هذه المنتجعات والمدن المباعة، تلتهم جغرافيا
استراتيجية ممتدة، وتزرع بؤر منعزلة جغرافيا واقتصاديا وأمنيا وطبقيا عن جسد الوطن".
الفقراء قبل الأثرياء
وقبل شكاوى بعض أثرياء مصر من المشروعات
الإماراتية، اشتكى مصريون من تأثير الاستحواذات الأجنبية على الأراضي الاستراتيجية
في مصر على سواحل البحر المتوسط والأحمر وفي القاهرة ومحيطها، والتي طالت حائزي
تلك الأراضي والمقيمين فيها لعقود طويلة بعد نزعها ترحيلهم منها مع تعويضات بخسة
وفق وصف أهالي مرسى مطروح وجزيرة الوراق، وغيرهم.
وشهدت مصر أوسع عمليات نزع الملكية خلال السنوات
الأخيرة، حيث كشفت دراسة أن عشرات الآلاف من الأسر المصرية تأثرت بمشروعات البنية التحتية
والتوسع العمراني التي نفذتها الدولة بين عامي 2021 و2025، وسط تقديرات بتضرر أكثر
من نصف مليون مواطن جراء قرارات الاستحواذ على الأراضي والعقارات.
وأظهرت دراسة صادرة عن مؤسسة "ديوان العمران"
في أيار/مايو الماضي، أن الحكومة المصرية نزعت ملكية نحو 88.8 ألف فدان خلال الفترة
الممتدة بين عامي 2021 و2025 لصالح 525 مشروعا مختلفا، ما انعكس على أوضاع أكثر من
136 ألف أسرة، بإجمالي يقارب 546 ألف مواطن.
سجلت محافظة مطروح أكبر مساحة من الأراضي المنزوعة
نتيجة مشروعات استثمارية وساحلية ضخمة، أبرزها مشروع رأس الحكمة مع القباضة
الإماراتية "إيه دي كيو" بإجمالي 49 ألف و939 فداناً، مدفوعة بمشروعات التنمية
الساحلية والاستثمارات الكبرى.