الشبكة الوقفية عبر الأمة والإنسانية.. النهوض الراشد (21)

سيف الدين عبد الفتاح
جيتي
جيتي
شارك الخبر
إن تأسيس العلاقات وقواعدها الشبكية على قاعدة قيمية إنسانية سواء على قاعدة "أخ في الدين" (الأمة) أو "نظير الخلق" في المجال الإنساني العام (الإنسانية) هو أهم سمات الفاعلية الحضارية الوقفية. البناء الوقفي عملية تأسيس وعملية إدارة وتسيير، وهي مقرونة باستمرارية "الفاعليات الوقفية" من ناحية، والضمانات والحصانات المفضية لضمان "الجريان" (من معنى "الصدقة الجارية" في الحديث الشريف) الجريان وديمومته في الحال والمآل.

كل تلك الأمور تفيض علينا بأصول تتحرك صوب "النفع الإنساني"، وامتداده، فعملية "الجريان" لا تتوقف، وينتفع بمائها الشارد والوارد وفق رؤية عمرانية شاملة وحضارية إنسانية فاعلة؛ وضمن هذه السياقات تبدو لنا "الأوقاف" أو "الأحباس" -في حفظ عملية جريانها بالعمليات والآليات والوسائل والأساليب المختلفة- بما يؤكد أن "عمارة الوقف" هي "عمارة الإنسان"؛ والحفاظ عليه بالوعي المرتبط به والتربية المتعلقة معه وله. "وقف الإنسان" له متعلق يرتبط بالتربية على الوقف، و"إنسان الوقف" لا يمكن أن تتحرك فاعلياته إلا من خلال التربية بالوقف. تربية جريان الوقف كصدقة هي التي تؤكد أصول الفاعليات الوقفية، وعمليات تحصينها، وقواعد تجديدها، وأصول تفعيلها، وفاعليتها.

وفق هذه المعاني الأساسية والجوهرية الكامنة في معنى الصدقة واعتباراتها الإنسانية في تعدية الخير وإحداث حالة تكافلية عامة، سواء على مستوى الأمة موصولة بكامل الإنسانية أو الصدقة إذ تتضمن عناصر القيمة الذاتية؛ يأتي الجريان فيؤصل لها معاني القيمة المضافة والمتعدية، والقيمة المنسابة انسياب جريان الماء في النهر التي تحافظ على تجدده؛ بل صلاحيته.


إن مواصلة عملية القراءة لذلك الحديث النبوي الذي يشكل حجر الزاوية في العملية الوقفية لتشير إلى نوعية "أعمال الاستمرارية" حتى بعد الممات؛ الوقف والترابط الجيلي، وما يرتبط به من عناصر الانتفاع والإنماء المستدام ضمن أصول حركة عمرانية متواصلة وفاعلة، عناصر كلها تحرك أصول "الفاعلية الجريانية" الدافعة إلى التفكير بعمليات: الاستمرارية (حفظ البقاء)، والاستدامة (حفظ البناء والابتداء والنماء)، وعمليات المؤسسية (حفظ البناء والنماء)، والوصل والمتصل والاتصال والتواصل.. عمليات متوالدة بعضها من بعض وفق أصول الاشتقاق والاشتراك، ووصل الوسائل بالمقاصد، ومتصل المنبع بالمصب، والاتصال بين الوقف ومنتفعيه، والتواصل التراحمي الإنساني عبر المكان والزمان: إنسان الوقف لا يتحرك إلا صوب وقف الإنسان والإنسانية.

ووصف "الجريان" في الصدقة هو معنى إنساني يفيد التواصل بين المنبع والمصب، بين الوسائل والمقاصد، والاتصال الأفقي عبر المكان، والاتصال الرأسي عبر الزمان، وكذا فإن "الجريان" يحرك عناصر "المسار" المعبر عن معاني الوجهة والقبلة الوقفية. والجريان حالة يجب أن تتحسب لكل ما يمنع "عملية الجريان"، إنها حركة تطهير المجرى والحفاظ على مسيرة جريانه: (امتناع المعوقات، وتأصيل المسهلات للجريان، والمحصنات الضامنة لمنع انحراف معاني الجريان في تحقيقها للمقصد). وكذا "الجريان" دلالة حيوية، ومؤشر فاعلية، إنها عمليات ضامنة ومحفزة ودافعة ورافعة لعمليات التدفق الوقفي.

وكذا فإن الجريان لا يقصد لذاته، وإنما يقصد لآثاره في الانتفاع العام وتوسيع قاعدة الانتفاع ومساحاته. وضمن هذه الرؤية للجريان تأتي قاعدة "الفاعلية الوقفية" في سياق عمليات الاستمرارية في الأثر والتأثير وإسهامها في عمليات التغيير الصالح المصلح والتمكين الوقفي. "الجريان" كذلك عملية "تجدد" لا تبدد؛ بحيث يجعل من "التجديد الوقفي" -إن صح التعبير- حالة من ضمان الفاعلية والأثر، واستمرارية كيان الوقف والحفاظ عليه. ومن هنا كان التجدد عنوانا لديمومة الوقف من خلال عمليات جريانه: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل". ومع تجدد الوقف وجريانه يتجدد الأجر والثواب ويتحقق استمراره: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها"- الحديث. والديمومة تفترض من داخلها أصل الاستمرار؛ والاستقرار وهو ما يعني ترجمة العمليات الوقفية إلى بنى وقفية ومؤسسات.

الوقف -بهذا الاعتبار- يشكل رؤية متكاملة للعالم؛ نابعة من الحقيقة الجوهرية المتمثلة في رؤية توحيدية تشكل عناصر الصبغة (صبغة الله)، ومن الصبغة تتوالد الصيغة "الصيغة الاستخلافية" بكل عناصرها: "الاستخلاف الإنساني" الذي يجعل الإنسانية مجال فعله وهمه واهتمامه، و"الاستخلاف الكوني" القائم على قاعدة من المعمار الكوني وارتفاقه حفاظا على الكون واستعمارا له، و"الاستخلاف الحياتي" الموصول بالفاعليات الإنسانية، والتفاعلات، والعلاقات، والمؤسسات، والمقاصد والغايات الكلية، وفعل العبادة وحركة العمران: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" (الذاريات: 56). الخلق والعبادة جوهرا الحركة الإنسانية، إن تحري منهج الله هو حركة العبادة: "هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا" (هود: 61).

حركة الخلق الإنشائي موصولة بحركة العمران الحياتي. هذه الرؤية المتكاملة التي تشكل تفاعلا -وقبل ذلك تصورا- بين عناصر الرؤية الكلية للعالم (الإنسان والكون والحياة)، تحرك أصول الفاعلية وقيم الاستخلاف في بناء علاقة "الملك والمال"؛ ما بين قواعد "تسخير" تفضي للتعمير، وفعل "التعمير" المفضي إلى "التثمير"، كل ذلك حركة عبادة وعمارة تجد ترجمتها فيما نحن فيه من خلال الصدقة (العبادة) الجارية (العمران)، ضمن حركة ابتلاء: "لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُ"( (المائدة: 48)؛ بلوغا للأجر المرتبط بجريان النفع العمراني: جارية في نفعها، وجارية في أجرها: "لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ " (آل عمران: 92).

ضمن هذا "الجريان" في النفع والأجر تتواصل فاعليات الوقف في التأصيل إنسانيا لما يمكن تسميته بـ"شبكة العلاقات الوقفية"، إنه إسهام وقفي لشبكة علاقات متحاضنة ومتكافلة، ضمن نسيج اجتماعي متماسك، هي التي تمد الخيوط عبر رؤية متكاملة، تشد خيوط النسيج إلى بعضها البعض، وتجدلها فتقوى أواصرها، وتشتد وشائجها، وتتفاعل وتفعل علاقاتها.. هذه الخيوط العابرة تحقق التواصل والاتصال والصلة ومعاني المتصل والجريان الفاعل.

أول هذه الخيوط يمتد ليصل بين المادي والمعنوي عبر المُلك الذي يعني الحيازة والاستحواذ بما يمثله من ملك "احتكاري خاص" إلى خيوط نسيج التضامن الاجتماعي والجماعي، إنها خيوط التكامل المجتمعي. وينجدل هذا الخيط في رقعة النسيج الاجتماعي عبر ملاحظة الاجتماع البشري ومساحات وساحات تقوية أواصر شبكة العلاقات الاجتماعية.

ثاني هذه الخيوط يمتد ليصل عناصر نسيج الأمة، بما يعبر عنه الوقف من مشروع تربوي إصلاحي نهضوي، دافع لفعاليات الأمة، رافع لمكانتها، مجدد لطاقاتها؛ وهو أمر تتواصل خيوطه بما يمكن تسميته "الوقف للأمة وربط خيوط نسيجها المعنوي"، و"الأمة في امتدادها معبرة عن وقف عبر الزمن محققا تواصل الأجيال والعمران المستدام"، وهو أمر يحرك طاقات الأمة، عبر الحدود التي نشأت عن الدولة القومية، وكان من أهم آثارها السلبية، وتقطيع أواصر الأمة وخيوط التشابك فيما بينها، فظل الوقف يمثل حركة فاعلة تصل خيوط الأمة عبر حدود الدولة القومية؛ إذ وجدت في الطاقات الرمزية الجامعة للأمة مجالا مهما.

"الوقف على الحرم" -كمثال- من أهم العناصر الواصلة للأمة، وصل الأمة بالحرم الذي لا تشد الرحال إلا لها، كان الوقف عليها من جملة شد الرحال إليها، ومن جملة الحفاظ على قبلتي المسلمين (الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين)، ومكة بيت الله الحرام، وعلى المسجد النبوي، إنها الصلة والتواصل الذي تعلمه الإنسان المسلم على يد النبي صلى الله عليه وسلم في إسرائه من بيت الله الحرام في مكة إلى الأقصى المبارك حوله، موصولا بعروجه إلى السماء، صلة تتأكد بالوقف على هذه الحرم، كأنه "إسراء البشر" من خلال الوقف في رابطة إيمانية تحفظ على الأمة روابطها ووجودها المعنوي والرمزي حتى لو بدت الحدود شكلا من أشكال تقطيع الأوصال.

امتد ذلك "النسيج الوقفي" ليشكل -بدوره- النسيج الإيماني المعنوي للأمة في رابطة إيمانية عميقة ومكينة.

وثالث هذه الخيوط الواصلة التي شكلت لحمة "النسيج الوقفي" أقصى فاعلياتها، هو الوصل بين العبادة والعادة والمعاملة والعقائد ضمن "وعي وقفي ممتد" يصل بخيوطه بين الصدقة العبادية وبين عناصر التربية والمعاملة الوقفية، موصولة بفعل الوعي العقدي المتمثل في الاستخلاف التوحيدي. جريان الوقف (والصدقة الوقفية) هو وصل خيوط "العقيدة" بـ"العبادة" و"المعاملة"؛ لنجعل من هذه القواعد المرتبطة بالشرعية موصولة بالعروة الوثقى لا انفصام لها، مُحكمة الغزْل والجدْل بين عقيدة دافعة، وشرعة رافعة، ومعاملة راقية، وعبادة هادفة للتزكية.

أما رابع هذه الخيوط فهو يصل بين الأديان وأهل الكتاب، ليعبر عن كل الخيوط الواصلة بين الإنسانية على تنوعها، عبر أي تمايزات واختلافات، في رؤية تحقق أصول "التعارف الإنساني" كمعان قيمية تصل بين البشر بالوصف الإنساني: "نظير لك في الخلق"، "أليست نفسا"، "أكلنا شبيبتك ونتركك في شيبتك". كلها أصول لعلاقات نظير لك في الخلق رغم اختلاف الدين، إنه اختلاف لا يحرك أصول التنازع والصراع، بل يحرك أصول الائتلاف والتعارف. من هنا كانت الخيوط الوقفية التي تستند إلى التواصل الإنساني والوصل بين البشر والاتصال التراحمي فيما بينهم ضمن تصور النفس وإحيائها والإسهام في حياتها وحفظ كيانها من كل طريق. والوقف في إحياء النفوس كان حركة فاعلة في مجال إحياء النفوس "وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً" (المائدة: 32)، إنها حركة العمران الإنساني في هذا المقام.

أما خامس هذه الخيوط فإنما يرتبط "بالخيوط المقاصدية" في تقاطع بين خمسة مجالات وثلاث أولويات في شبكة مقاصدية تحرك أصول النسيج الاجتماعي والوطني والمرتبط بالأمة، وكذا الواصل بين الإنسانية؛ "فمقاصد الشرع الكلية العامة مراعاة في كل ملة.."، وهادفة إلى كليتها في الحفظ، وعمومها في واجب الرعاية والعناية وبلوغ الغاية. بين الخيوط الوقفية والشبكة المقاصدية سنجد الأوقاف لحفظ الدين، وحفظ النفس والنسل، وحفظ العقل، وتثمير الأوقاف وحفظ الأموال، فلم تكن الأوقاف إلا حفظا للمال في جريانه لمنفعة عامة (حبس الملك وتسبيل المنفعة)، إنها الشبكة الوقفية- المقاصدية.

من المهم في هذا المقام أن نؤكد أن الوقف ضمن الخبرة الإسلامية يشكل -مفهوما ومحتوى وفاعليات- منظورا حضاريا إنسانيا يؤصل معاني الدوائر المختلفة للانتماء التي تتكامل ولا تتناقض (الإنسانية، الأمة، الدولة، المجتمع، الأسرة..). ضمن هذه الرؤية الحضارية الكلية يتجلى الوقف لنفع الإنسان، والوقف لمؤسسات الأمة، والوقف الذي يحمل الدولة ويجبر تقصيرها، والوقف الذي يؤسس لشبكة العلاقات الاجتماعية والنسيج الاجتماعي (الوقف المجتمعي)، وأخيرا يأتي الوقف الأهلي أو الذري.

إن المنظور الحضاري يطل برؤيته على مجالات الوقف باعتبارها تشكل أفقا ممتدا للتأسيس الحضاري:

- دائرة الفروض ودائرة الفضول والإحسان الحضاري.

- استيعاب كافة الخيارات الحضارية.

- جبر القصور في التشكيل الحضاري.

- الحس الإنساني الحضاري.

- الجزاء الأخروي وجريان الصدقة واستهداف الثواب: "وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ" (الحشر: 18).

- انفتاح أفق التطوع.

- تمويل الفروض الكفائية.

- ضمان الاستقلالية لمؤسسات الأمة.

- اختلاف المسالك الوقفية وائتلافها وتنوعها.

- مقتضيات التعارف الوقفي؛ الاختلاف الإنساني والائتلاف الوقفي.

- الوجود والحضور المعنوي للأمة (وقف الحرم).

- الحس التكافلي والتضامن عبر المكان والزمان والإنسان.

- الوقف الجهادي، والجهاد ماض إلى يوم القيامة.

- خريطة اختلاف الناس وإدراكهم للحاجات الوقفية.

- اختلاف وتنوع الخيارات الوقفية (اختلاف الرؤى، تكامل الخيارات، تكافل البشر) بما يفضي إلى تأسيس بنية قاعدية للائتلاف.

- الوقف أحد العناصر التفسيرية لقوة الأمة ونهضة المجتمع رغم فساد السلطة أو ضعفها أو ترفها؛ إذ ينقل الوقف حركة الشرعية من حبسها في "ضيق السلطة" إلى سعة الأمة وشهودها الحضاري.

- البحث في جريان الأحكام والبنية الأساسية لإمضاء الشريعة بالوقف وبناء المؤسسات الحامية والحاضنة لها.

- مراعاة أفق التجدد الحضاري في الأطوار الحضارية وتجدد الحاجات.

- الوقف ومراقبة حركة المجتمع الحضارية من سد الخلل، وإقامة الحاجات، وتأسيس الإصلاح، والحاجات المتجددة.

- دواعي التجدد والتجديد الوقفي (استشراف الأوقاف الجديدة في عصرنا الحاضر) مراعاة أحوال المسلمين وظروفهم الحضارية، والنظر في حاجاتهم والاهتمام بمشاكلهم وتحدياتهم وأزماتهم المتنوعة مختلفة الأبعاد، والتحديات الحضارية لا بد أن تفرض استجابات وقفية متجددة.

- وأخيرا تأسيس شبكة الرقمنة الهادية والمهتدية على قاعدة وقفية لنفع الأمة وتحقيق نهوضها الفاعل والراشد في عالمنا المعاصر.

الوقف أخيرا بمنظومته وشبكات علاقته الاجتماعية والإنسانية ليس فقط قوة دافعة لتمكين هذه الشبكة؛ بل هو قوة رافعة لرقي الأمة ونهوضها الراشد؛ وعمران الإنسانية العابد ومعمار الكون الساجد.

 x.com/Saif_abdelfatah


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)