ما بعد الدور الباكستاني لوقف الحرب: أي نظام إقليمي ودولي جديد؟

قاسم قصير
"في حال نجحت الوساطة الباكستانية المدعومة عربيا وإسلاميا ودولية في إنهاء الحرب والتوصل إلى اتفاق شامل بين إيران وأمريكا؛ سنكون أمام مرحلة جديدة"- الأناضول
"في حال نجحت الوساطة الباكستانية المدعومة عربيا وإسلاميا ودولية في إنهاء الحرب والتوصل إلى اتفاق شامل بين إيران وأمريكا؛ سنكون أمام مرحلة جديدة"- الأناضول
شارك الخبر
شكل الدور الباكستاني لوقف الحرب الأمريكية على إيران والتوصل إلى اتفاق شامل لمعالجة كل أزمات المنطقة؛ مؤشرا جديدا على دخول باكستان الواقع الإقليمي والدولي إلى جانب دول أخرى في المنطقة والعالم.

وبانتظار تبلور الصورة النهائية للدور الباكستاني ونهاية الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران والحرب الإسرائيلية على لبنان، فإنه يمكن القول إن هذه الحرب والدور الباكستاني الفاعل لوقفها، ومشاركة عدد من الدول العربية والإسلامية في جهود السلام، ومنها قطر ومصر والسعودية وتركيا، كل ذلك يكشف أننا سنكون في المرحلة المقبلة أمام متغيرات جديدة على صعيد النظام الإقليمي والدولي، وأن كل الرهانات الأمريكية والإسرائيلية على تغيير الشرق الأوسط لصالح الهيمنة الإسرائيلية والأمريكية، ونشر ما يسمى الاتفاقات الإبراهيمية أو إقامة مشروع إسرائيل الكبرى، تصطدم اليوم بالدور الإيراني وقوى المقاومة وقوى إقليمية ودولية لا توافق على الرؤية الإسرائيلية والأمريكية.

الحرب والدور الباكستاني الفاعل لوقفها، ومشاركة عدد من الدول العربية والإسلامية في جهود السلام، ومنها قطر ومصر والسعودية وتركيا، كل ذلك يكشف أننا سنكون في المرحلة المقبلة أمام متغيرات جديدة على صعيد النظام الإقليمي والدولي

ورغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حاول مؤخرا وبالتزامن مع المفاوضات مع إيران من أجل الدعوة مجددا لتعزيز الاتفاقات الإبراهيمية، ودعوة عدد من الدول العربية والإسلامية للمشاركة فيها، فلا يبدو أن هذه الدعوة ستلقى التجاوب المطلوب خصوصا من قبل المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان وإيران.

كما أن الرهان على إشراك لبنان في المفاوضات مع العدو الإسرائيلي ودفعه لتوقيع اتفاقيات سلام مع الكيان الصهيوني في ظل الحرب الإسرائيلية المستمرة على لبنان؛ لا يبدو أنه سيتحقق في ظل فشل العدوان الإسرائيلي في تحقيق هدفه الأساسي في إنهاء دور حزب الله رغم حجم الدمار الذي حصل في منطقة جنوب الليطاني والضاحية الجنوبية لبيروت، واستمرار التهديدات الإسرائيلي بتصعيد العدوان العسكري على كل المناطق اللبنانية، بما فيها بيروت، لمواجهة تصاعد عمليات المقاومة الإسلامية وقدرتها على إيقاع الخسائر المؤلمة في صفوف الجيش الإسرائيلي ونجاحها في استخدام الطائرات المسيّرة ضد الجيش الإسرائيلي.

ونحن اليوم بعد ثلاثة أشهر تقريبا على انطلاق الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، والعدوان الإسرائيلي على لبنان؛ أمام حقائق جديدة ينبغي التوقف عندها قد تشكّل مدخلا لواقع أو نظام إقليمي ودولي جديد، ومنها:

أولا: فشل المشروع الأمريكي- الإسرائيلي في إسقاط النظام الإسلامي في إيران رغم الضربات القاسية التي تعرض لها النظام واستهداف قيادته وقدراته العسكرية والصناعية، وقد نجح النظام الإيراني في استيعاب الهجوم والرد عليه بقوة وتحويله إلى أزمة عالمية من خلال إغلاق مضيق هرمز، وكذلك تعزيز وحدته الداخلية، وكل ذلك سيعزز دور إيران في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب؛ وليس تراجع الدور الإيراني كما كان يراهن الأمريكيون والإسرائيليون.

ثانيا: نجحت إيران في إقامة شبكة من العلاقات مع دول المنطقة، وعلى الصعيد الدولي شكّلت لها نوعا من الحصانة والحماية. وتؤكد المصادر الإيرانية أن علاقات إيران مع السعودية وقطر وتركيا وروسيا والصين وباكستان والعراق وسلطنة عمان وأفغانستان في مرحلة متقدمة جدا، وهي ستساعد في إقامة شبكة من العلاقات الإقليمية والدولية في المرحلة المقبلة.

ثالثا: من الواضح أن الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران لم تحظ بدعم إقليمي ودولي، بل إن معظم الدول العربية والإسلامية وعلى الصعيد الدولي رفضت المشاركة في هذه الحرب، واعتبرت أنها حرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وشريكه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو. وهذه المواقف الرافضة للحرب أدت إلى تزعزع العلاقات داخل حلف الناتو وعلى صعيد العلاقات بين العديد من دول العالم وأمريكا، مما يعني أن الهيمنة الأمريكية ستواجه تحديات كبيرة في المرحلة المقبلة، كما أن الرهان الإسرائيلي على تغيير الشرق الأوسط لن يتحقق.

المواقف الرافضة للحرب أدت إلى تزعزع العلاقات داخل حلف الناتو وعلى صعيد العلاقات بين العديد من دول العالم وأمريكا، مما يعني أن الهيمنة الأمريكية ستواجه تحديات كبيرة في المرحلة المقبلة، كما أن الرهان الإسرائيلي على تغيير الشرق الأوسط لن يتحقق

رابعا: أثبتت المقاومة الإسلامية في لبنان قوتها وقدرتها على مواجهة العدوان الإسرائيلي رغم حجم الدمار في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت والعدد الكبير من الشهداء والجرحى. ورغم وحشية العدوان الإسرائيلي واعتماد ما أسماه بعض المحللين "استراتيجية الركام"، أي تحويل المناطق السكنية إلى ركام كما جرى في الحرب على قطاع غزة، فإن ذلك لم يؤد إلى إنهاء المقاومة وأخذ لبنان إلى المشروع الإسرائيلي، بل تحول لبنان مجددا للعنة على الجيش الإسرائيلي.

خامسا: أن الرهان على نهاية المقاومة وخيار المقاومة في فلسطين بعد الحرب القاسية على قطاع غزة لم يتحقق حتى الآن، ومشروع مجلس السلام الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لغزة لم يطبق ولا تزال المقاومة حاضرة في غزة. وفي المقابل فإن المسؤولين الإسرائيليين يعملون لإنهاء اتفاقية أوسلو، أي إفشال كل مشروع التسوية في فلسطين، مما يعني عودة الشعب الفلسطيني إلى خيار المقاومة عاجلا أو اجلا.

سادسا: بدأت تتبلور معارضة علنية أو غير علنية لكل المشروع الأمريكي والإسرائيلي للتطبيع بين الكيان الصهيوني والدول العربية والإسلامية، وكذلك لمواجهة مشروع إسرائيل الكبرى، إضافة إلى تبلور تيار عالمي مناهض للوحشية الإسرائيلية والذي نشهد بعض نماذجه من خلال المجموعات الدولية والعربية والإقليمية لكسر الحصار على غزة، وكذلك بداية تراجع النفوذ الصهيوني العالمي في العديد من الدول الأوروبية وحتى داخل أمريكا.

كل هذه المؤشرات تؤكد أن الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران وقوى المقاومة لم تحقق أهدافها، بل إنها ستفرض وقائع جديدة في العالم العربي والإسلامي وعلى الصعيد الدولي، وأنه بعد نهاية الحرب وفي حال نجحت الوساطة الباكستانية المدعومة عربيا وإسلاميا ودولية في إنهاء الحرب والتوصل إلى اتفاق شامل بين إيران وأمريكا؛ سنكون أمام مرحلة جديدة وسيفتح الباب أمام نقاشات ومبادرات جديدة لتشكيل نظام إقليمي ودولي جديد في مواجهة الهيمنة الأمريكية- الإسرائيلية، وأن كل هذه التضحيات التي قُدمت وخصوصا في السنوات الثلاث الأخيرة منذ طوفان الأقصى إلى اليوم؛ ستساهم في ولادة عالم جديد أكثر عدالة وأقل ظلما بإذن الله.

x.com/kassirkassem


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)