لماذا حرم السيسي المصريين من استقبال منتخب بلادهم في القاهرة؟

رأى متحدثون لـ"عربي21" أن الاستقبال لا يليق بإنجاز مصر التاريخي بمونديال 2026- فيسبوك
رأى متحدثون لـ"عربي21" أن الاستقبال لا يليق بإنجاز مصر التاريخي بمونديال 2026- فيسبوك
شارك الخبر
طرح مصريون عبر مواقع التواصل الاجتماعي جملة من التساؤلات، تزامنا مع وصول منتخب بلادهم عبر مطار "العلمين الجديدة" بدلا من مطار القاهرة الدولي، وتساءل عدد منهم: لماذا جرى الاستقبال خارج القاهرة؟ ولماذا جرى حرمان المصريين من الفرحة بمنتخب بلادهم في العاصمة القديمة؟

وفي مشهد استقبال بدا فقيرا من حشود تمثل شعبا يبلغ نحو 109 ملايين نسمة بالداخل، جاب منتخب مصر صحراء العلمين بين مطار المدينة وأحد فنادقها، في احتفال رآه متحدثون لـ"عربي21"، بأنه لا يليق بإنجاز تاريخي بمونديال 2026 ببلوغ دور الـ16، وتحقيق أول انتصارات في تاريخ كأس العالم، بالتفوق على نيوزيلندا وأستراليا، وحصيلة تهديفية 8 أهداف، واختتام مشاركة مشرفة بهزيمة بصعوبة أمام الأرجنتين بنتيجة (3-2) وسط شكاوى تحكيمية.



الإجابة الرسمية المعلنة على تساؤلات المصريين حول استقبال منتخب بلادهم بالصحراء وحرمانهم من العودة للقاهرة، كانت هي أن رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، المقيم في القصر الرئاسي الصيفي بمدينة العلمين الجديدة شمال غرب البلاد، حريص على استقبال لاعبي الفريق وجهازه الفني والإداري والطبي وتكريمهم السبت، إثر الإنجاز التاريخي.

على الجانب الآخر، يرى متحدثون لـ"عربي21"، أن هناك هدف سياسي وأمني من حرمان عامة المصريين من الفرحة باستقبال فريق بلادهم بالعاصمة القديمة والقاهرة الكبرى التي تضم نحو 25 مليون نسمة، وهو عدم التحام الجماهير بمنتخب بلادهم.

ولفتوا إلى مخاوف نظام السيسي، من أي حراك شعبي، مشيرين إلى اعترافه السبت الماضي، أثناء افتتاح مبنى وزارة الدفاع المصرية "الأكتاغون"، أنه بنى العاصمة الجديدة في الصحراء ونقل جميع منشآت ووزارات الدولة وهيئاتها بعيدا عن القاهرة خوفا من تكرار الحراك الشعبي الذي أطاح بحكم حسني مبارك عام 2011.

كما يتحسب النظام المصري من أي خروج شعبي حتى ولو كان فرحا وبمناسبة رياضية، وخوفا من أن تتحول إلى مظاهرة لدعم فلسطين، خاصة وأن بعض لاعبي المنتخب ومديره الفني رفعوا علم فلسطين ظهر الجمعة على حافلة الاحتفال في العلمين الجديدة، بعد رفعه في مشهد أغضب كيان الاحتلال الإسرائيلي، بالمونديال.

اظهار أخبار متعلقة



ورفع المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، علم فلسطين إثر صعود مصر للدور  الـ16 بالبطولة وأهدى فوزه على منتخب أستراليا للشعبين المصري والفلسطيني، ثم أعلن بالمؤتمر الصحفي الذي استبق مباراة مصر والأرجنتين، دعمه أطفال فلسطين وقضيتهم من المحفل العالمي، ما لاقى إشادة شعبية واسعة وسط احتمالات رفع الجماهير المصرية علم فلسطين الممنوع رفعه بشوارع وميادين وملاعب القاهرة.


ووثقت منظمات حقوقية مصرية، بينها "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية", اعتقال 186 مصريا على خلفية التضامن مع قطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، فيما لا يزال نحو 131 معتقلا منهم (بينهم أطفال ونساء) رهن الحبس الاحتياطي على ذمة قضايا تجمهر غير قانوني.

وفي هذا السياق، ذهب البعض حد التكهن بأنه سيتم عقاب حسام حسن، لإحراجه نظام القاهرة، وهو ما أكده "حزب أمل مصر" (تحت التأسيس)، بقوله إن "ما فعله حسام حسن من دعمٍ لفلسطين وأطفال غزة، ورفعه العلم الفلسطيني أمام العالم في أكبر محفل رياضي، لن يمر دون تبعات من السيسي ونظامه".

الخوف من الخيانة


وفي رؤيته لأسباب حرمان السيسي المصريين من استقبال منتخب بلادهم في القاهرة، قال السياسي المصري محمد سودان، لـ"عربي21": "السيسي لا يأتمن من شاركوه الخيانة الكبرى التي استولى بها على السلطة من الرئيس الشرعي المنتخب، وحينها كان وزيرا للدفاع وهو ووزير الداخلية (محمد إبراهيم)، ومعهما عصبة الضباط من الجهتين، مع دعم إعلامي ومن منتفعي الأنظمة الفاسدة، والدولة العميقة".

القيادي بحزب "الحرية والعدالة" الحاكم سابقا (2012-2013)، أوضح أنه بفعل تلك الحالة "بدأ بتأمين نفسه ببناء أضخم قصر رئاسي بالعالم بمساحة 2.3 مليون متر مربع، بمساحة بنائية تقدر بنحو 50 ألف متر مربع، يقال إنها أكبر  من البيت الأبيض 10 مرات، مع تصميم وبنا الأسوار بارتفاعات هائلة يصعب تسلقها بخلاف التأمين الإلكتروني".

وأضاف: "ثم يأتي عدم أمان السيسي، من أي شخص شاركه الانقلاب العسكري الدموي؛ فقد أطاح بأغلب القيادات العسكرية والشرطية لأنه يعي أن من خان مرة حتماً سيكرر الخيانة"، ملمحا إلى أن "السيسي يشعر بالخوف من تكرار سيناريو ٢٠١١، وخاصة أن الشعب الآن تحت ضغط معيشي شديد وفقر مدقع وضغط وقهر وخوف فاق عهد حسني مبارك".

اظهار أخبار متعلقة



سودان، يرى أنه "بالتالي فعدم السماح لطائرة اللاعبين المصريين الهبوط بمطار القاهرة خوفا من أن يكون ذريعة لتجمع الشعب حول المطار وبالشوارع التي ستمر منها الحافلة وأن تكون شرارة تنطلق منها شعلة الغضب على النظام والسيسي وحينها لن يستطيع الجيش والشرطة السيطرة على الشعب الغاضب المقهور".

وأكد أن "السيسي وعصبته تفاديا لهذا السيناريو المحرق هبطت الطائرة بمطار العالمين حيث (الركن البعيد الهادئ)؛ والسيطرة على الطبقة المخملية التي تعيش بشاليهات فاخرة بقري العلمين وما حولها ولا يحتاج جهدا، فمعظمهم من طبقة المنتفعين".

الهاجس الأكبر


وفي رؤيته قال السياسي المعارض سعيد عباسي: "بعد رفع حسام حسن، والجماهير المصرية والعربية علم فلسطين بملاعب أمريكا، وبعد المؤتمر الصحفي التاريخي لحسام حسن في حدث أراه الأهم بالمونديال ومن أداء المنتخب الوطني، بتذكير العالم برفض الظلم ومساندة القضية الفلسطينية؛ بعد كل هذا كان يجب على السيسي استقبال الفريق خارج القاهرة".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أضاف: "في مكان يصعب على عامة الشعب الوصول إليه خوفا من رد فعل لن يستطيع والداخلية السيطرة عليه، وهو رفع الأعلام الفلسطينية بشوارع القاهرة، وهو الذي سجن الشباب الذين تعاطفوا مع فلسطين من قبل"، متسائلا: كيف يسمح بذلك فتنقلب العاقبة عليه، وهو الذي ذهب بعيدا بحكومته للعاصمة الإدارية خوفا من بطش الشعب يوما ما، وهو الهاجس الأكبر لديه".

عباسي، لفت إلى أن "رد فعل حسام حسن بالملاعب الأمريكية والمؤتمر الصحفي أغضبه وأحرجه مع الكيان المحتل الغاصب، الذي خرج رئيس وزرائه ليعلن دعمه للأرجنتين ضد مصر، رغم خدمات جليلة قدمها السيسي لنتنياهو وكيان الاحتلال؛ لذا وجب وأد أي احتمال للتظاهر دعما لفلسطين ورفع علمها بالقاهرة".

الاحتفال أخطر من الإرهاب


وفي قراءته للمشهد، قال الحقوقي المصري مصطفى عزب، لـ"عربي21": "إذا كان السيسي نفسه اعترف بأن العاصمة الجديدة، والأكتاغون، وسائر مدن السلطة بقلب الصحراء، أُقيمت بعيداً عن الناس خوفاً من تكرار الحراك الشعبي، فلماذا يتعجب أحد من تهريب منتخب مصر لمطار العلمين؟، من يخاف من شعبه وهو أعزل، سيخاف منه وهو يحتفل".

اظهار أخبار متعلقة



المدير الإقليمي لـ"المنظمة العربية لحقوق الإنسان" في بريطانيا، يرى أن "المشكلة ليست المطار، بل في عقلية نظام يرى بكل تجمع شعبي مشروع أزمة أمنية، الدولة الطبيعية تعتبر احتشاد الناس لاستقبال منتخب بلادهم دليلاً على وحدة الشعب، أما هذا النظام فيعتبره ملفاً أمنياً يحتاج إلى حصار، وخطط تأمين، ومطار بعيد، وصحراء شاسعة".

وأكد أن "النظام يخاف فرحة شعبه أكثر مما يخاف أي عدو خارجي؛ ولذلك لم يكن استقبال المنتخب بمطار العلمين تكريماً، بل تهريباً للاحتفال الوطني، وكأن آلاف المصريين إذا تجمعوا بمطار القاهرة لاستقبال منتخبهم سيُسقطون الدولة، هل أصبحت كرة القدم أخطر من الإرهاب؟ وهل تحولت الهتافات للمنتخب إلى تهديد للأمن القومي؟"، مضيفا: "ثم يأتي التبرير المضحك: الرئيس سيستقبل المنتخب في قصره بالعلمين".

المشهد غير المرغوب فيه


عزب، لفت إلى "سبب آخر لا يقل وجاهة في نظر الكثيرين المصريين"، متسائلا: "ماذا لو خرجت الجماهير بعشرات الآلاف ترفع علم فلسطيني بجانب علم مصر؟، ماذا لو دوّت الهتافات لفلسطين؟، هل كان ذلك سيروق لنظام يضيق ذرعاً بأي تعبير شعبي لا يستطيع التحكم فيه؟، وهل كان سيسعد أحباءه في تل أبيب أن يروا الشعب المصري يعلن، من تلقاء نفسه، أن فلسطين ما زالت في قلبه؟ الأغلب أن مثل هذا المشهد لم يكن مرغوباً، ولذلك كان لا بد من إبعاده عن الناس، وعن الكاميرات، وعن كل ما لا تستطيع الأجهزة الأمنية التحكم فيه".

ويرى أنها "دولة تخشى الصورة أكثر من الحقيقة، والهتاف أكثر من الفشل، والفرحة أكثر من الغضب، تبني قصورها بالصحراء هرباً من شعبها"، مبينا أن "السيسي، نجح في إنجاز تاريخي لم يسبقه إليه أحد؛ فجعل استقبال منتخب وطني بعد بطولة عالمية عملية أمنية معقدة، تحتاج إلى مطار معزول، وقصر معزول، وجمهور مُستبعد، وكأن المنتخب عاد حاملاً وباءً سياسياً لا كأساً ولا أملاً".

وخلص للقول: "لم يُحرم المصريون من استقبال منتخبهم لأن مطار القاهرة غير جاهز، بل لأن النظام يخشى أن يتحول مشهد الفرح العفوي إلى مشهد يكشف الحقيقة التي يحاول الهروب منها منذ سنوات: أن الشعب، حين يُترك وحده، يصنع مشهداً أكبر بكثير من كل القصور، والعواصم الجديدة، والعروض التي تُدار من خلف الأسوار، ولو كان واثقاً من شعبيته، لفتح أبواب القاهرة كلها، لا أن يُهرّب حتى الفرحة إلى الصحراء".

سارق الفرح


وجاءت ردود الفعل السياسية والإعلامية منتقدة مشهد استقبال منتخب مصر في الصحراء، بدلا من القاهرة.

وقالت الناشطة ماهينور المصري: "أتمنى سيادة الريس يبقى مطمئن ومرتاح إنه مفيش تجمعات لمصريين فرحانين كبيرة"، مشيرة إلى المخاوف من رفع علم فلسطين بقلب العاصمة ووجود تجمع لتحية المنتخب، ملمحة إلى توقيف عشرات الشباب الذين رفعوا علم فلسطين، وتوقيف الناشط سيد مشاغب بسبب احتفال الشباب بخروج من المعتقل.



وذهب الإعلامي والحقوقي هيثم أبوخليل، للقول: في ظل "جمهوريةُ الخوف العربية" أُنشئت عاصمة جديدة بالصحراء، ومن أجل الخوف استُقبل المنتخب القومي بصحراء العلمين، ومن أجل الخوف، زُجَّ بعشرات الآلاف من شبابها بالمعتقلات.

وعبر الناشط أشرف أيوب عن غضبه بالقول: "منتسبي الجمهورية الجديدة المتحصنة بالعاصمة الجديدة يستقبلون الفريق القومي لكرة القدم"، فيما قال الصحفي مصطفى عبدالسلام: "الشعب الثاني قرر حرمان المصريين حتى من تلك اللحظات الاستثنائية وانتزاع الفرحة لنفسه كالعادة".

واعتبر الكاتب شادي الشربيني، ذلك الاستقبال "مؤامرة لقطع الطريق على الاستقبال الشعبي للمنتخب"، مضيفا: "انقلب السحر على الساحر وتحولت الكرة من أداة السلطة لإلهاء الشعب لتصبح فعل إيقاظ الوعي الشعبي وتفجير طاقات الجماهير".

وكتبت الناشطة إيمان عبدالوهاب تقول: سرقة فرحة الناس باستقبال منتخب بلدهم شيء أقسى وأكثر قهرا من نتيجة مباراة الأرجنتين والظلم الذي حصل فيها".

وفي وصفه لمشهد ركض عشرات الشباب في الصحراء خلف حافلة منتخب مصر، قال الكاتب الفلسطيني نظام المهداوي: "هكذا يحب السيسي أن يرى الشعب المصري: مُهانا، وجائعا، وفقيرا، وبلا كرامة".


التعليقات (0)