بعد أن خرجت المنتخبات
العربية في
المونديال الأمريكي بنتائج متفاوتة لسنا
بصدد تقييمها؛ لأن القاصي والداني عاينها، كلٌّ من منظوره الخاص، لكن مربط الفرس
وما شدني وأثار انتباهي، بل وقلقي المفرط، يكمن في من يعبث بالجماهير العربية
ويوجهها حيث يشاء، ولا يدخر وسيلة لزرع الفتنة وتعميق الخصام بينها في أبسط وأتفه
التفاصيل والأمور.
شتان بين هذه الحالة والحالة الملفتة التي شاهدناها قبل أربع سنوات في قطر
حين التف الجميع دون استثناء من المحيط إلى الخليج حول المنتخب المغربي، ولعل
مقاطع الفيديو الموثقة لتلك الفترة لا تزال حاضرة، لا سيما المباراة التاريخية ضد
المنتخب الإسباني وركلات الجزاء المؤثرة في ثُمن النهائي حينها، فما الذي تغير
خلال هذه المدة القصيرة؟ وهل هناك أطراف أخرى دخلت على الخط بعدما أزعجتها تلك اللُحمة
المفقودة التي أفرزها المونديال القطري الخالد؟
لغز كأس أفريقيا بالمغرب:
نعم أسميه "لغزاً" وأعيد التأكيد أنني لست من هواة نظرية
المؤامرة، لكن حجم التصدع الذي واكب فعاليات كأس أمم أفريقيا التي احتضنها المغرب
في كانون الثاني/ يناير المنصرم لا يبدو "بريئاً"، خصوصا من خلال الكم
الهائل من المعلومات المغلوطة التي تسربت عبر مواقع التواصل الاجتماعي وعلى رأسها
منصة "إكس" بالذات، بعد أن بدأت الأجواء بشكل مثالي، لا سيما من خلال
تصريحات لاعبي المنتخب الجزائري على سبيل المثال الذين عبروا عن ارتياحهم من
الاستقبال والأجواء المحيطة بملاعب التداريب والمباريات، وصولاً للملاحم التي
سطرتها الجماهير في مدينة أكادير بالضبط حيث استقرت بعثة المنتخب المصري، وشاهدنا
حجم التآخي والمساندة القوية لكتيبة حسام حسن بشهادة اللاعبين والإعلام المصري،
قبل أن تنقلب الصورة رأساً على عقب، ومع كامل الأسف "بتهور" غير مبرر من
المدرب نفسه الذي أطلق سلسلة تصريحات "غير مسؤولة"؛ أججت الأجواء وحوّلت
حالة الحب والوئام لحرب كلامية وتشجيع للخصوم كما حدث في مباراة الترتيب ضد نسور
نيجيريا.
شخصياً تألمت لما آلت الأوضاع، وأنظر بعين الريبة لانخراط أسماء إعلامية من
كلا البلدين كنت أتمنى أن تتحلى ببعض العقلانية وتدرك حجم تأثيرها على الجماهير،
لا سيما فئة المراهقين الذين يتفاعلون ويتأثرون بسهولة مع ما يُبث ويُنشر. قطعاً
لا يمكن اختزال ما وصلنا إليه اليوم في تظاهرة واحدة، لكنها تركت ندوباً في نفسية
الكثيرين، وذلك ما توصلت إليه من خلال الحديث مع المواطنين العاديين في الشارع.
ومن هذا المنطلق ما زلت مصراً على كلمة "اللغز"؛ لأن الإعلام الأوروبي
وتحديداً الفرنسي نزل هو الآخر بثقله لتحريف المعطيات، ويبدو أنه نجح في مسعاه
بشكل ملحوظ، وهنا نتساءل: هل ما زلنا نفتقد "الوعي" المطلوب في التعاطي
مع ما يُنشر إعلامياً ولا نملك القدرة على التمييز بين الغث والسمين؟ ولماذا نقع
في الفخ الواحد عدة مرات؟
مقارنة بسيطة:
لنخرج من قوقعة هذه الكأس وما تبعها ولنعد بالذاكرة للوراء قليلاً، فعلى
سبيل المثال لا أحد بإمكانه دحض حقيقة المشاهد والمشاعر الصادقة التي كانت تهز
أرجاء الشوارع المغربية في مباريات المنتخب الجزائري في مشاركته بكأس العالم 2014 في
البرازيل، حين نجح محاربو الصحراء في بلوغ دور الثمن، وأتذكر كيف كانت المقاهي
تغلي بالجماهير التي ترتدي أقمصة سفيان فيغولي ونادر بلحاج وكريم زياني وغيرهم،
ونفس الشيء خلال مباريات كأس أفريقيا مع الجيل الذهبي للمنتخب المصري بقيادة
المدرب الأسطوري حسن شحاتة ولاعبين من قبيل محمد أبو تريكة وعمرو زكي وسيد معوض
وحسني عبد ربه ومحمد شوقي وغيرهم، فما الذي تغير اليوم؟ ومن أين انبعثت كل هذه
الأحقاد والصراعات التافهة؟
المؤكد رغم إصراري على وجود أطراف "خارجية" ومن يعاين ألاعيب
الوحدة "8200" سيتوقف ملياً عند كل شنآن عربي مهما بدا سخيفاً، إلا أنه
بالمقابل لا يمكن نفي الرجة العنيفة التي أحدثتها مواقع التواصل الاجتماعي في
حياتنا وكيف أماطت اللثام عن الوجه القبيح الذي كنا نخفيه، واليوم بات اللعب على
المكشوف، وهذا ما أصبحنا نجني ونتكبد عواقبه اليوم في شتى المجالات، حتى في اللعبة
التي ظننا أنها أصلحت ما أفسدته السياسة وباتت أداة للم الشمل وكسر الحواجز
والحدود، لكن المونديال الحالي أعادنا لنقطة الصفر وفتح باب النقاش على مصراعيه
حول واقعنا وحقيقتنا البشعة.
صحيح رأينا مشاهد تثلج الصدر في عدة مناطق عربية حول التفاعل مع أداء
المنتخبات العربية كلها، غير أن ذلك لا يعني تجاهل أن شيئا ما تغير بين قطر 2022 وأمريكا
2026، فمتى سنستيقظ من الغفوة وننظر للأشياء بتجر،د ونبتعد عن الغلو والمكابرة
التي لا تفيد، ونتحلى بالبصيرة ونتجاوز الفخاخ التي يضعها البعض بإحكام وخبث؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.