لم يدخر النظام
المصري أدنى فرصة ولا وسيلة للترويج "لإنجازاته
العظيمة" والقضاء على "أعدائه" المنتشرين على طول الكوكب وعرضه،
وزاده الرئيسي هو مناسبة شهر رمضان وما باتت تشكله في عرف الفضائيات العربية منذ
سنوات كسوق عكاظ جديد لعرض المسلسلات التلفزيونية، وكل يغني على ليلاه لبث
خزعبلاته وحتى نفث سمومه مع جرعة قليلة جدا من المضمون الهادف الذي يتم التضييق
عليه عن سبق إصرار وترصد.
ليست "بلاوي"
الدراما العربية موضوعنا الرئيس، لكن الخطوة
الجديدة للأذرع الإعلامية والفنية المستبدة بالفضاء والهواء في المحروسة حتمت
علينا المضي قدما في تناول "خطتها" المشوهة التي تسيء للنظام أكثر مما
تخدمه، رغم الإمكانيات المادية الهائلة التي تضخ من أجل تلميع صورة قاتمة مقززة
تختصرها جولة بسيطة في الشارع المصري اليوم ومجالسة أبناء الشعب المقهورين في ظل
الوضع الاقتصادي الخانق؛ فهل حقا ما زالت هذه المسلسلات تجد آذانا صاغية ويمكن
تصديق حبكتها الهشة المهلهلة؟
اجترار رواية مهترئة مع توالي الأجزاء جعلت المتلقي يشمئز وينفر منها بدل تصديقها والاقتناع حقا بالبطولات الخارقة لكل من يقف في خندق النظام
الضابط أم الفنان:
حين استهل النظام المصري خطته الرامية لمحو كل الحقائق وغسل عار جرائمه
الموثقة بالصوت والصورة خلال الانقلاب على نظام
الإخوان؛ كان الرهان وقتها منصبا
على بعض الممثلين المعروفين بعلاقتهم الوثيقة وقربهم من الدائرة الضيقة التي تتحكم
في مفاصل الفن في البلد، وعلى رأس القائمة جاء أمير كرارة لتسلط عليه الأضواء عبر
الجزء الأول من مسلسل "الاختيار" الذي أنتج سنة 2020 وجسّد من خلاله دور
"أحمد منسي"، ورغم المطبات الهائلة في العمل إلا أنه جماهيريا نجح في إثارة
الجدل وإحياء النقاش مع ترجيح كفة متوقعة على حساب الأخرى.
وهنا لم يخف عبد الفتاح
السيسي شخصيا أنه يقف خلف المسلسل، ولعل المهزلة
التي حصلت في الجزء الثالث تحديدا من نفس العمل الذي حمل اسم "الاختيار:
القرار"، حين أصر على اختيار ياسر جلال لتجسيد شخصيته وأضفى عليها "صفات
ملائكية" حوّلته لعمل كوميدي أقرب منه لتراجيدي يطرح واقعا مصريا مريرا.
من هنا بدأت الشركة المتحدة المسيطرة على كل التفاصيل "إقحام" أغلب
الفنانين ممن يصنفون بالنجوم تحت خانة "الواجب الوطني"، فلحق بالركب كل
من كريم عبد العزيز وأحمد السقا وياسر جلال، حتى أحمد مكي المعروف بانزوائه بعيدا
عن الأضواء والتصنيفات "أُرغم" على الرضوخ وتقديم فروض الطاعة والولاء؛
لاجترار رواية مهترئة مع توالي الأجزاء جعلت المتلقي يشمئز وينفر منها بدل تصديقها
والاقتناع حقا بالبطولات الخارقة لكل من يقف في خندق النظام.
هزات عنيفة:
في سنة 2021 وتحديدا بعد إنتاج مسلسل "نسل الأغراب" شهدت الشركة
المتحدة سلسلة معارك طاحنة وإقالات بالجملة لأسماء وازنة ظل النظام حريصا على
الترويج لقدراتها؛ آنذاك قيل إن فشل العمل السالف الذكر أحدث رجة عنيفة مع وجود
خسائر مادية بالجملة، رغم أن الكثير من المراقبين ربطوا الخطوة بغضب القيادة من الأصداء
السلبية على أعمالها "الوطنية" وعدم قدرتها في الوصول للغايات المطلوبة.
ورغم إيقاف مسلسل "الاختيار" ظلت الجهات الرسمية تنتج في كل عام
مسلسلا جديدا تحت نفس الخانة، على غرار "العائدون" سنة 2022، و"حرب"
في العام الذي تلاه، ليبلغ التخبط ذروته حين "استقطب" النظام بتدخل شخصي
من السيسي عبر مداخلة تلفزيونية شهيرة مع الكاتب عبد الرحيم كمال مطالبا إياه
بالدخول على الخط و"تبني" أفكاره "النيّرة". وعبر ذلك تم إنتاج
مسلسل "الحشاشين" وقبله "الإمام الشافعي"، بهدف "تجديد
الخطاب الديني" كما يسمونه رفقة جوقة من الإعلاميين المقربين بقيادة إبراهيم
عيسى وغيرهم.
رأس الأفعى:
لماذا لم تتحسن وضعية المواطن المصري رغم ما حل بجماعة الإخوان المسلمين باعتبارها أصل الشرور الوحيد الذي يعرقل عجلة التنمية من الدوران؟ من جعل بلدا بحجم مصر مهمشا ويعيش على الفتات ويغرق في الديون؟
فجأة وبعد سلسلة من التخبط الواضح الفاضح في رسم خريطة الأعمال
"الموجهة " لهدف معروف؛ قررت الجهات إياها العودة للخطة الأولى عبر
"إعادة" أمير كرارة المتخبط فنيا منذ أن تخلى عن أدوار "الضابط
الوطني"، والدليل أن مسلسلاته الأخرى حصدت فشلا ذريعا على غرار "سوق
الكانتو" و"بيت الرفاعي" ومرت مرور الكرام. من هنا تم الاتفاق على
"استعادة" الوصفة السابقة من خلال مسلسل جديد اسمه "رأس الأفعى"،
وبما أن اغلب قيادات الإخوان تمت شيطنتهم في الأعمال السابقة فلم يجد النظام سوى
الدكتور محمود عزت، متجاهلا تاريخه الأكاديمي وحتى تصريحاته الموثقة الرافضة
لاستخدام العنف، كي يتم وضعه في الواجهة عبر نسبة كل المصائب إليه، على غرار أزمة
الدولار وحتى محاولة اغتيال جمال عبد الناصر وتفخيخ الجسور وغيرها من المخططات.
الملفت أن المسلسل الذي يُبث ويعاد مرات عديدة في اليوم يبدو بلا حبكة
درامية واضحة، وهو أقرب لسلسة مطاردات مضحكة في كل حلقة تنتهي بانتصار "الأبطال
الأشاوس" أمام "الأشرار" الساعين لخراب مصر. لكن السؤال المطروح:
ما الذي تغير اليوم في البلد رغم أن مصادر البلاء حسب الرواية الرسمية معتقلين
ومشردين ومنفيين أو انتقلوا لجوار ربهم؟ لماذا لم تتحسن وضعية المواطن المصري رغم
ما حل بجماعة الإخوان المسلمين باعتبارها أصل الشرور الوحيد الذي يعرقل عجلة
التنمية من الدوران؟ من جعل بلدا بحجم مصر مهمشا ويعيش على الفتات ويغرق في الديون؟
المؤكد أن "رأس الأفعى" وقبله "الاختيار" وغيرهما
الكثير من المحاولات البئيسة لغسل السمعة؛ صارت أشبه ببرامج التفاهة والسخافة التي
تنتجها المحطات الأخرى مثل مقالب رامز جلال وغيرها، والمؤسف أن ميزانيات فلكية
تصرف في غير محلها لتجميل وجه مشوه عصي عن التعديل؛ فمتى ستتوقف هذه المهازل؟ ومن
سيحاسب هؤلاء؟