السيسي يحاصر الورّاق: إسمنت ممنوع عن المصريين ومُصدَّر لبناء مستوطنات الاحتلال

سعد الغيطاني
"منذ أن قررت السلطات تحويل جزيرة الوراق إلى مشروع استثماري فاخر، دخل سكانها في مواجهة مفتوحة مع الدولة"- إكس (أرشيفية)
"منذ أن قررت السلطات تحويل جزيرة الوراق إلى مشروع استثماري فاخر، دخل سكانها في مواجهة مفتوحة مع الدولة"- إكس (أرشيفية)
شارك الخبر
المقدمة

بينما يندد النظام المصري رسميا بحصار قطاع غزة ويعلن تضامنه مع سكانه، يكشف الواقع داخل مصر مفارقة صادمة: حصار تفرضه سلطة عبد الفتاح السيسي على مواطنين مصريين في جزيرة الوراق، عبر منع دخول الإسمنت إليهم، في الوقت الذي تستمر فيه صادرات الإسمنت المصري إلى إسرائيل، حيث يُستخدم في البناء، بما في ذلك مشاريع استيطانية على أراضٍ فلسطينية محتلة. هنا، لا يعود السؤال عن مجرد قضية تطوير حضري، بل يتحول إلى مواجهة بين مواطن أعزل وسلطة تحاصره، بينما تدعم بموارد البلاد اقتصاد الاحتلال.

جزيرة الوراق تحت الحصار: مواطنون مصريون يُمنعون من الإسمنت وتُكسر إرادتهم بالقوة

منذ أن قررت السلطات تحويل جزيرة الوراق إلى مشروع استثماري فاخر، دخل سكانها في مواجهة مفتوحة مع الدولة. لكن أخطر أدوات الضغط لم تكن الرصاص أو قرارات الإزالة فقط، بل الحصار الصامت. يقول سكان إن السلطات منعت دخول الإسمنت ومواد البناء، ما جعل ترميم المنازل أو حتى إصلاح الأضرار أمرا مستحيلا. مواطنون مصريون، على أرض مصرية، أصبحوا غير قادرين على بناء بيوتهم.
وبحسب تقارير وشهادات نشرتها وسائل إعلام بينها "عربي21"، تعرض بعض الأهالي للاعتقال والاستدعاء من قبل قطاع الأمن الوطني، في محاولة لكسر رفضهم مغادرة الجزيرة.

هنا تكمن الصدمة الأخلاقية: مواطن مصري يُمنع من بناء منزله، بينما الإسمنت نفسه يدعم اقتصاد دولة تحتل أرضا عربية

هكذا، تحول الإسمنت من مادة بناء إلى أداة عقاب، وتحول المنع إلى وسيلة حصار، وتحول المواطن إلى هدف. المفارقة المؤلمة أن هؤلاء ليسوا سكان أرض محتلة، بل مواطنون يحملون الجنسية المصرية.

إسمنت مصر يعبر إلى إسرائيل لدعم الاستيطان بينما يُحرم منه أصحاب الأرض

في 7 أكتوبر 2023، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من الصراع، بعد هجوم شنته حماس على إسرائيل، أعقبه عدوان واسع على غزة. ورغم مشاهد الدمار، استمرت التجارة، بما فيها صادرات الإسمنت؛ الإسمنت الذي مُنع عن أهالي الوراق، لم يُمنع عن التصدير، الإسمنت الذي حُرم منه المصري الفقير، أصبح سلعة تعبر الحدود.

وهنا تكمن الصدمة الأخلاقية: مواطن مصري يُمنع من بناء منزله، بينما الإسمنت نفسه يدعم اقتصاد دولة تحتل أرضا عربية. هذا الإسمنت لا يُستخدم فقط في الأبراج، بل يدخل أيضا في منظومة توسع عمراني يعتبره كثيرون جزءا من ترسيخ واقع استيطاني.

السيسي بين خطاب التضامن وسياسة الحصار

يقدم نظام السيسي نفسه كمدافع عن القضية الفلسطينية، لكن ما يحدث في الوراق يطرح سؤالا خطيرا: كيف يمكن لنظام يندد بحصار غزة، أن يفرض حصارا على جزيرة مصرية؟

في غزة الحصار يفرضه احتلال، في الوراق الحصار يفرضه نظام على شعبه.. في غزة يُمنع الإسمنت عن شعب تحت الاحتلال، في الوراق يُمنع الإسمنت عن مواطنين مصريين. لكن الفارق الأكثر قسوة: الإسمنت المصري نفسه، الذي يُحرم منه المصريون، يتحول إلى سلعة تصدير.

في عهد السيسي، لم يعد السؤال فقط عن التنمية، بل عن ثمنها. هل يُبنى المستقبل على حساب أصحاب الأرض؟ وهل يمكن لسلطة أن تحاصر شعبها باسم التطوير، بينما تبيع موارده للخارج؟

القاسم المشترك ليس السياسة، بل الفلسفة: استخدام الإسمنت كسلاح. واستخدام الحصار كأداة، واستخدام الاقتصاد لإخضاع البشر. في الوراق الهدف هو الأرض، وفي غزة الهدف هو الأرض أيضا؛ الضحية دائما هو الإنسان.

الخاتمة

تكشف جزيرة الوراق حقيقة موجعة: حين تصبح الدولة أقوى من مواطنيها، يتحول البناء إلى جريمة، ويصبح الإسمنت امتيازا لا حقا.

في عهد السيسي، لم يعد السؤال فقط عن التنمية، بل عن ثمنها. هل يُبنى المستقبل على حساب أصحاب الأرض؟ وهل يمكن لسلطة أن تحاصر شعبها باسم التطوير، بينما تبيع موارده للخارج؟

جزيرة الوراق لم تعد مجرد جزيرة، لقد أصبحت رمزا.

سؤال للقراء: كيف يمكن تبرير منع الإسمنت عن مواطنين مصريين في جزيرة الوراق، بينما يستمر تصديره إلى الخارج، حتى في ظل حرب وحصار في المنطقة؟ ومن المستفيد الحقيقي من هذه المعادلة؟
التعليقات (0)