لم يكن أمام
قيادات الإخوان في صيف 2013، بعد الإطاحة بالرئيس مرسي، ومذبحة رابعة والنهضة خيار
سوى الفرار. وكان أردوغان -الذي كان يرى في سقوط مرسي تهديدا مباشرا لمشروعه
الإقليمي- أول من فتح أبوابه؛ فمنح الملاذ
الآمن لآلاف القيادات والكوادر والشباب، وسمح بإنشاء قنوات
إعلامية (وطن، مكملين، الشرق) تبث يوميا ضد السيسي دون قيود، وقدم شبة حماية
أمنية وإقامات ميسرة ووصلت الى التجنيس الاستثنائي، وفتح منابر
سياسية في مؤتمرات إسطنبول، وسمح باجتماعات تنظيمية واسعة، بل كان الإخوان ورقة ضغط إقليمية ضد
مصر والخليج.
هذه لم تكن فرصة
واحدة؛ كانت سلسلة فرص تاريخية استمرت من 2013 حتى بداية التقارب التركي-المصري
الجدي في 2021-2023، ثم انهارت نهائيا مع زيارة أردوغان للقاهرة في 2026 والاتفاق
العسكري. أردوغان أعطاهم أكثر مما أعطاه لحركات أخرى (حتى مقارنة بدعم حزب العدالة
والتنمية لنفسه في
تركيا).
لكنهم ماذا فعلوا
بهذه الفرص؟ للأسف، لا شيء يذكر
على صعيد مشروع تحرير وطني حقيقي. الفشل الأكبر: رفض تبني "مشروع تحرير"
واضح ومنظم.
الإخوان في
إسطنبول كان بإمكانهم -نظريا- بناء ما يشبه، جبهة معارضة
وطنية واسعة (مع ليبراليين، يساريين، شباب الثورة)، ووضع خطة مقاومة
سلمية طويلة الأمد (عصيان مدني، حملات دولية، ضغط اقتصادي)، وبرنامج بديل مقنع للشعب المصري (اقتصادي، اجتماعي، سياسي) يُثبت أنهم قادرون على الحكم بشكل
أفضل، وتدريب كوادر
شبابية على السياسة الحديثة والإعلام الرقمي.
لكنهم لم يفعلوا،
بدلا من ذلك انغمسوا في صراعات
داخلية مدمرة (إسطنبول- لندن- الداخل، محمود حسين- إبراهيم منير، جيل قديم- شباب)، وأنفقوا السنوات
في التنازع على المناصب والتمويل، واكتفوا بـالشجب
اليومي عبر الشاشات، دون خطة عملية، ففشلوا في جذب
جيل جديد داخل مصر، بل ازدادوا عزلة.
النتيجة؟ بعد 12
عاما من الملاذ التركي: لا جبهة موحدة، لا مشروع تحرير واضحا، لا ضغط حقيقيا على
النظام، لا عودة شعبية ملموسة.
أردوغان أعطاهم منصة،
لكنهم لم يقدموا مشروعا. كان بإمكانهم أن يفعلوا ما فعله آخرون في منافٍ مشابهة:
يبنون تحالفات، يطورون خطابا جديدا، يستثمرون في الشباب. لكنهم فضّلوا التمترس
داخل "التنظيم"، والاعتماد على "الصبر" السلبي، والانتظار
لـ"انهيار السيسي" الذي لم يأتِ.
الصفعة القاضية:
أردوغان اكتشف الفشل وانسحب
بدأ أردوغان يرى بحلول
2021-2023، الحقيقة: الإخوان أصبحوا عبئا بالنسبة له لا أصلا استراتيجيا، فأغلق
بعض القنوات، وقيّد النشاط الإعلامي، وطرد بعض القيادات أو ضيّق عليهم، ووقّع
اتفاقا عسكريا مع السيسي في 2026.
لماذا؟ لأنه
اكتشف أن الرهان على "عودة الإخوان بقوة" خلال 3-5 سنوات (كما كان يأمل
في تسجيلات مسربة من 2013-2016) كان وهُما. الإخوان لم يكن لديهم مشروع، فأضاعوا
الفرصة، فأضاع أردوغان صبره.
الخلاصة الصادمة التي
لا مفر منها
أعطى أردوغان الإخوان
أكبر فرصة في تاريخهم الحديث: (ملاذ آمن، إعلام حر، دعم سياسي، وقت طويل)، لكنهم
رفضوا -أو عجزوا- عن تبني مشروع تحرير وطني يُخرج مصر من قبضة العسكر، وانغمسوا في
الصراعات الداخلية، والشكوى، والانتظار السلبي.
النتيجة: خسروا
تركيا، وخسروا أملهم الأخير، وأصبحوا اليوم جماعة منفية بدون مشروع، بدون قيادة
موحدة، وبدون مستقبل واضح. الإخوان المسلمون المصريون لم يخسروا حليفا فقط؛ خسروا كل
شيء.
أكثر من عقد في تركيا،
ولم يفعلوا شيئا يُذكر سوى الشكوى والإعلام السلبي والصراعات الداخلية، وفشلوا في تقديم
مشروع حقيقي يشبه ما فعله الترابي أو غيره في الماضي.
أردوغان رأى ذلك،
فسحب دعمه اللامشروط لصالح مصالحه ومصالح الدولة التركية مثل ملف ترسيم الحدود
المائية وغاز شرق المتوسط.
السؤال الوحيد المتبقي:
هل سيستفيقون أخيرا ويعيدون بناء أنفسهم داخل مصر أو الخارج بطريقة جديدة والعمل
على مشروع تحرر، أم سيظلون يتشبثون بأوهام الماضي؟ السؤال الوحيد المتبقي: هل
يستطيعون أن يعيدوا اكتشاف أنفسهم داخل مصر، أم أن الفرصة قد انتهت إلى الأبد؟