أصبحت
مصر في زمن
يُحاسَب فيه الرأي بالسجن، والكلمة جزاؤها الاختفاء، ويُعتبر السؤال عن الشرعية جريمةوكأن
الستينيات رجعت بصورة أقبح وما أدراك ما الستينيات.
انطلقت حملة
استفتاء
إلكتروني جريئة تطالب بعزل عبد الفتاح
السيسي. ليست مجرد استطلاع رأي افتراضي، بل إعلان
رفض جماعي من جيل نشأ تحت القمع الرقمي والأزمة الاقتصادية المدمرة. أطلقتها حركة "جيل Z"
بالتعاون مع الناشط أنس حبيب، وفي غضون ساعات قليلة تحولت إلى زلزال سياسي. الموقع
الرسمي حُجب داخل مصر بعد ساعتين فقط من الإطلاق، لكن الشباب لم يتراجعوا؛ بل زاد إصرارهم،
مستخدمين أدوات "VPN" لتجاوز الحجب، ووصل عدد المشاركين إلى
أكثر من 100 ألف في اليوم الأول، ثم تجاوز 200 ألف -وربما اقترب من الربع مليون- في
أقل من يومين. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية؛ إنه دليل دامغ على صدع عميق في شرعية هذا
النظام، وإثبات أن جيل الشباب قادر على كسر جدار الصمت الذي فرضه القمع لسنوات.
خلفية الاستفتاء:
من أين جاءت الفكرة؟
يعيش أنس حبيب في
المهجر، وهو ناشط اعلامي وسياسي. هذا الشاب المصري، تحول إلى رمز للمقاومة السلمية
في الخارج. سبق أن اعتُقل في بلجيكا وهولندا بتهم مرتبطة باحتجاجاته ضد السيسي، وأصبح
هدفا لقضايا سياسية غيابية في مصر. موقفه الجريء من حرب غزة والتواطؤ المزعوم للنظام
المصري مع إسرائيل جعله صوتا مسموعا، خاصة بعد إغلاقه رمزيا لسفارات مصرية في أوروبا
احتجاجا على تخاذل النظام في نصرة فلسطين.
أعلن في في كانون
الأول/ ديسمبر 2025، تبرؤه الكامل من السيسي ونظامه، معتبرا صفقات الغاز والتعاون الأمني
خيانة للشعب المصري ولأهل غزة.
حركة "جيل Z"
التي يقودها شباب مصريون في الداخل والخارج، تمثل الجيل الذي ولد في عصر الإنترنت والاستبداد.
هؤلاء الشباب -الذين يشكلون أكثر من 60 في المئة من السكان تحت سن 30- يعانون بطالة
مرتفعة، تضخما يلتهم الرواتب، وديونا خارجية تفوق 200 مليار دولار. النظام يصفهم بالكسالى
أو المغيبين، لكنهم في الواقع أكثر وعيا وارتباطا بالتكنولوجيا من أي جيل سابق. في
10 كانون الثاني/ يناير 2026، أطلقوا الاستفتاء عبر موقعهم "genz002.net"
بسؤال بسيط وصادم: "هل توافق على عزل عبد الفتاح السيسي؟".
الآلية كانت مصممة
بعناية: تصويت آمن بدون بيانات شخصية، محدود "IP"
واحد لكل جهاز لمنع التكرار، ومراقبة من جمعيات حقوقية دولية وقضاة نزيهين. التوقيت
لم يكن عشوائيا؛ جاء قبل أيام من ذكرى ثورة 25 يناير، ليذكر الجميع بأن الروح الثورية
لم تمت، بل تنتظر الشرارة.
رد فعل النظام: الحجب
اعتراف بالضعف
لم ينتظر النظام طويلا،
بعد ساعتين فقط من الإطلاق، أصبح الموقع محجوبا داخل مصر. لم يصدر بيان رسمي، لكن المستخدمين
أكدوا صعوبة الوصول، مما دفع الكثيرين إلى استخدام "VPN"
للتصويت. هذا الحجب ليس إجراء فنيا عاديا؛ إنه اعتراف صريح بالخوف. نظام يدعي شعبية
هائلة و"استقرارا"، يرتعد من استفتاء إلكتروني غير ملزم؟
يندرج هذا الحجب ضمن
استراتيجية النظام المعروفة بالقمع الرقمي المستمرة منذ 2013: حجب آلاف المواقع، اعتقال
مئات المدونين، ومراقبة الإنترنت. لكن هذه المرة، أدى الإجراء إلى عكس النتيجة المرجوة:
زيادة التفاعل والإقبال. الناشطون رأوا في الحجب دليلا على تأثير الحملة، وأكدوا أن
الخوف من وصول التصويت إلى أرقام كبيرة (مثل المليون) قد يفتح الباب لتصعيد حراكي أوسع.
أكثر ما يثير الصدمة
هو السياق السياسي الأوسع: اتهامات بالتواطؤ في حصار غزة، صفقات غاز بمليارات الدولارات
مع إسرائيل، وإغلاق معبر رفح، وتجاهل المجاعة في القطاع. هذه الاتهامات ليست جديدة،
لكن ربطها باستفتاء شعبي يجعلها أكثر خطورة على شرعية النظام.
رد فعل الشباب: عشرات
الآلاف يصوتون والإصرار يتصاعد
تجاوز عدد المشاركين
رغم الحجب، 100 ألف في أول 24 ساعة، ثم وصل إلى أكثر من 200 ألف في أقل من يومين، مع
تقارير تشير إلى اقترابه من ربع مليون. هذا الرقم صادم، خاصة في ظل القيود الأمنية
والرقابة. الشباب استخدموا "VPN" نشروا الفيديوهات التوضيحية، وتصدوا لمحاولات
التزييف من "اللجان الإلكترونية". أنس حبيب علق ساخرا: "لو السيسي واثق
من شعبيته، لماذا يحجب الموقع؟".
هذا الإصرار يعكس
تحولا جيليا عميقا. "جيل Z" لم يعرف سوى حكم السيسي، لكنه رفضه رفضا
قاطعا. الحملة انتشرت عبر إكس وديسكورد ومنصات أخرى، مع وسم #عزل_السيسي يتصدر التفاعل.
يري الناشطون في الاستفتاء
خطوة أولى نحو "يوم الكرامة"، حيث يُعلن التصعيد إذا وصل العدد إلى أرقام
أكبر. الشباب يقولون: "نحن لسنا عبيدا لنظام فاسد"، ويثبتون أن التكنولوجيا
سلاحهم الأقوى ضد القمع.
التحليل: لماذا هذا
الاستفتاء صادم وجاد؟
يعتبر هذا الاستفتاء
صادم لأنه يكشف هشاشة النظام. السيسي، الذي جاء بانقلاب 2013 وانتخابات مثيرة للجدل،
يعتمد على قمع وإعلام موجه.
اليوم، مع أزمة اقتصادية
تجعل الدولار يتجاوز 50 جنيها، والفقر يطال نسبة كبيرة من السكان تصل الى أعلى معدلاته،
يصبح الرفض الشعبي أكثر خطورة. ربط الاستفتاء بالخيانة الخارجية -خاصة في غزة- يجعله
أداة لفضح التواطؤ.
جاء الاستفتاء هو
بمراقبة دولية من بعض المؤسسات العاملة في حقوق الإنسان، ويمهد لتحركات أوسع. يذكرنا
بـ2011، لكن مع أدوات رقمية حديثة تجعل القمع أصعب. النظام يحجب، لكن الصوت ينتشر.
فوز أنس حبيب بـ"شخصية العام" في استفتاءات سابقة يؤكد أن الشرعية الحقيقية
ليست في القصور، بل في الشوارع الافتراضية والحقيقية.
السياق الأوسع: مصر
تحت الاستبداد
تعاني مصر اليوم من
ديون متراكمة، بيع أصول، وقمع ممنهج. الشباب يرون في السياسات الخارجية خيانة، وفي
الداخلية إفقارا متعمدا. الاستفتاء جزء من حراك أوسع، يشمل دعوات سابقة لـ"ثورة
المفاصل" وتحرير المعتقلين. القمع يولد مقاومة، والتاريخ يثبت أن الشعوب لا تبقى
صامتة إلى الأبد.
ختاما: نحو يوم الكرامة..
وفجر جديد لمصر
لم يعد هذا الاستفتاء
مجرد رقم على شاشة، بل هو نبض حي لشعب قرر أن يستعيد كرامته المهدرة منذ 13 عام. أكثر
من 200 ألف صوت -ويزداد العداد كل دقيقة- في أيام قليلة فقط، رغم الحجب والخوف والقمع،
يعني أن الشرارة قد اشتعلت، وأن "جيل Z" لم يعد ينتظر الإذن من أحد ليصنع تاريخه.
هؤلاء الشباب، الذين
وُلدوا في ظل الاستبداد، هم الآن يحملون مشعل التغيير: لا يخافون الحجب لأنهم يعرفون
كيف يتجاوزونه، لا يخشون السجن لأنهم يؤمنون أن الحرية تستحق الثمن، ولا ييأسون لأنهم
يرون في كل صوت جديد خطوة نحو فجر مصر الحقيقية.
اليوم، صوتك ليس مجرد
نقرة؛ إنه سلاح، إنه شهادة، إنه وعد بأن الظلم لن يدوم. غدا، عندما يتجاوز العداد المليون،
وعندما يتحول الرفض الرقمي إلى حراك حقيقي في الشوارع، سيتذكر التاريخ أن التغيير بدأ
من هنا: من أيدي شباب رفضوا أن يعيشوا عبيدا، وقرروا أن يعيشوا أحرارا.
مصر ليست ملكا للسيسي
ولا لأي نظام فاسد. مصر ملك شعبها، والشعب الآن يقول كلمته بصوت عالٍ: ارحل.. ودعنا
نبني وطنا يليق بنا.
اليوم استفتاء.. غدا
حرية.. وبعد غدٍ مصر جديدة، مصر الكرامة والعدل والأمل.