رغم الضعف في دول الطوق.. الإخوان رعب وخوف لنتنياهو

أدهم حسانين
"هل سينجح نتنياهو في تحويل "معاداة الإخوان" إلى راية تجمع السنة واليهود والهنود والأفارقة في محور واحد؟"- جيتي
"هل سينجح نتنياهو في تحويل "معاداة الإخوان" إلى راية تجمع السنة واليهود والهنود والأفارقة في محور واحد؟"- جيتي
شارك الخبر
في غضون الأيام القليلة الماضية، أطلق رئيس الوزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو وسفر الولايات المتحدة في تل أبيب مايك هاكابي تصريحين متزامنين بدا وكأنهما ينسجان رواية واحدة؛ نتنياهو، في كلمة أمام قيادات جهاز الشاباك يوم 24 شباط/ فبراير 2026، أعلن صراحة أن إسرائيل تواجه "محورين راديكاليين": الأول "شيعي جريح" يقوده النظام الإيراني، والثاني "سني ناشئ" متمثل في "جماعة الإخوان المسلمين". أما هاكابي، في مقابلته الشهيرة مع تاكر كارلسون قبلها بيومين، فقال بوضوح إن إسرائيل تخوض "حرب السبع جبهات"، من بينها "حرب مع الإخوان المسلمين داخل مصر وداخل الأردن".

وما يلفت في التصريحين ليس فقط التطابق الزمني، بل التناقض الظاهري مع الواقع الميداني: فجماعة الإخوان المسلمين، بعد أكثر من عقد من الضربات الأمنية المتتالية في مصر والأردن والسعودية والإمارات، وبعد خسارة نفوذها السياسي في معظم دول الطوق، تبدو أضعف من أي وقت مضى، ما عدا قطاع غزة، حيث لا تزال حماس -الفرع الفلسطيني للجماعة- تمتلك قدرات عسكرية ملموسة رغم الضربات الإسرائيلية المتواصلة. فلماذا إذن هذا التركيز المبالغ فيه، وهذا "الخوف" الاستراتيجي الذي يبديه نتنياهو من "محور سني إخواني" يبدو واهيا على الخريطة؟

تكمن الإجابة على هذا السؤال في أربعة أبعاد مترابطة: البُعد الاستراتيجي طويل الأمد، وبُعد بناء التحالفات الإقليمية الجديدة، والبُعد السياسي الداخلي الإسرائيلي، وأخيرا البُعد الأمريكي الذي يوفر الغطاء الدبلوماسي والعسكري.

سنحاول في هذه السطور تفكيك هذه الأبعاد بالتفصيل، مستندا إلى السياق السياسي والأمني الراهن في الشرق الأوسط مطلع عام 2026.

أولا: التصريحات.. من الشاباك إلى تاكر كارلسون

قال نتنياهو في خطابه أمام مديري الشاباك حرفيا: "نحن من جهة نواجه محورا شيعيا جريحا، لكن هناك بالطبع المحور السني لجماعة الإخوان المسلمين. لدينا مصلحة كبيرة في خلق محور خاص بنا، محور دول تعارض كلا المحورين الراديكاليين الإسلاميين". وأضاف أن هذا المحور الإسرائيلي الجديد "يشمل دولا كثيرة، بعضها يزورنا الآن، وبعضها نزورها، وهو يمتد في دائرة كاملة تحيط بالشرق الأوسط"، مشيرا إلى زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وإلى تحالفات محتملة مع دول أفريقية وآسيوية وأوروبية (اليونان وقبرص).

أما السفير الأمريكي مايك هاكابي -المعروف بمواقفه الإنجيلية المتشددة المؤيدة لإسرائيل- فقد ذهب أبعد من ذلك في مقابلته، فعندما سُئل عن "حرب السبع جبهات" التي تخوضها إسرائيل، أجاب: "لديك لبنان، ولديك مصر.. مصر ليست حربا نشطة، لكن لديك الإخوان المسلمين داخل مصر، ولديك الإخوان المسلمين في الأردن، ولديك سوريا". وعندما حاول المذيع التوضيح قائلا: "هل هم يقاتلون الأردن؟"، رد هاكابي: "مع الإخوان المسلمين الموجودين في الأردن، ليس مع الحكومة الأردنية مباشرة".

في المقابلة نفسها، أثار هاكابي عاصفة أخرى عندما تحدث عن "الحق التوراتي" لإسرائيل في أرض تمتد "من النيل إلى الفرات"، قائلا إنه "سيكون مقبولا" لو أخذت إسرائيل كل ذلك، رغم أنه أضاف أن تل أبيب "لا تطالب بذلك الآن".

أدى التصريح إلى إدانات رسمية حادة من مصر والأردن والسعودية والإمارات ومنظمة التعاون الإسلامي، ووصفته وزارة الخارجية المصرية بـ"الخطاب المتطرف الذي ينتهك القانون الدولي".

التصريحان ليسا منفصلين؛ إنهما جزء من رواية مشتركة تُبنى في تل أبيب وواشنطن معا في عهد ترامب الثاني.

ثانيا: الضعف الظاهري.. والقوة الكامنة

يصعب على أي شخص مطلع على ما يحدث في الشرق الأوسط أو متابع للإسلام السياسي أن ينكر ضعف الإخوان المسلمين حاليا في معظم دول الطوق. في مصر، بعد 3 تموز/ يوليو 2013 وإعلان الجماعة "منظمة إرهابية"، تم حلّ حزب الحرية والعدالة، واعتقال آلاف الكوادر، وتجفيف مصادر التمويل. وفي الأردن، تم حلّ الجماعة الرسمية وتقييد نشاطها. في السعودية والإمارات، صنفت الجماعة ضمن قوائم الإرهاب منذ 2014. حتى في تونس والسودان، تراجع نفوذها السياسي بشكل ملحوظ.

لكن نتنياهو لا يقيس التهديد بالقوة العسكرية الحالية فقط، بل بالقدرة على الانتعاش. الإخوان، في نظره، ليسوا تنظيما عسكريا بل "فيروس أيديولوجي" ينتشر عبر الانتخابات، والمنظمات الاجتماعية، والإعلام، والشبكات الدولية.

وهنا تكمن النقاط الثلاث التي تجعله يخشاهم:

1. غزة كقاعدة ارتكاز: لا تزال حماس، رغم الخسائر الهائلة تحتفظ ببنية تحتية عسكرية ونفوذ شعبي، وأي تسوية سياسية مستقبلية في القطاع قد تعيد الإخوان كلاعب رئيسي في المعادلة الفلسطينية، خاصة إذا فتحت أبواب الانتخابات.

2. سوريا الجديدة: يرى نتنياهو بعد سقوط نظام الأسد خطر أن تتحول سوريا إلى ساحة للإسلاميين السنة، سواء كانوا إخوانا أو حليفين لهم. حتى لو لم يكن النظام الجديد إخوانيا صريحا، فإن أي انتعاش للتيار الإسلامي السياسي هناك سيُشكل جبهة سنية جديدة على الحدود الشمالية.

3. الدعامتان الخارجيتان.. قطر وتركيا: يزعم نتنياهو أن الدوحة وأنقرة تقدمان دعما سياسيا وماليا وإعلاميا مفتوحا للإخوان. تركيا، خاصة تحت حكم أردوغان وخلفائه، توسع نفوذها في سوريا وليبيا والقرن الأفريقي. يرى نتنياهو في هذا "الثلاثي" (إخوان + قطر + تركيا) محورا سنيا ناشئا قد يملأ الفراغ الذي خلفته إيران الجريحة.

ثالثا: استراتيجية "المحور الإسرائيلي".. عدو مشترك يوحد الحلفاء

هنا يكمن السبب الأعمق؛ نتنياهو يحاول بناء "محور إسرائيلي" واسع يمتد من الهند غربا إلى "كوش" (الإشارة التوراتية لمناطق أفريقية وشرق أوسطية) شرقا، مرورا بدول عربية وأفريقية وآسيوية، ولكي ينجح هذا المشروع يحتاج إلى عدو مشترك يقنع الدول السنية بالانضمام.

إيران "جريحة" بعد الضربات الإسرائيلية المتكررة على حزب الله وسوريا والمفاعلات النووية، ولو اكتفى نتنياهو بـ"الخطر الإيراني"، لقالت الدول العربية: "خلاص، انتهى الأمر"، لكنه يرفع الإخوان إلى مستوى "محور سني راديكالي" موازٍ، فيضغط على الحساسيات الأمنية لمصر والإمارات والأردن، فيجعلها ترى في التحالف مع إسرائيل مصلحة مشتركة طويلة الأمد.

هذا بالضبط ما يسميه محللون إسرائيليون "استراتيجية العدو المشترك الثاني"، إنه يحول الإخوان من مشكلة داخلية عربية إلى تهديد إقليمي يتطلب تحالفا إقليميا بقيادة إسرائيلية.

رابعا: السياسة الداخلية.. "اليد الحديدية" تحتاج عدوا دائما

ويواجه نتنياهو ضغوطا داخلية هائلة: محاكمات فساد، واحتجاجات عائلات الأسرى، وانتقادات على إدارة الحرب في غزة، وانقسامات في الائتلاف الحكومي؛ تصوير الإخوان كتهديد وجودي -لا حماس فقط، بل "المحور السني كله"- يمنحه مبررا لسياسات أمنية متشددة، ويوحّد اليمين خلفه، ويصرف النظر عن الفشل في تحقيق "النصر الكامل" في غزة.

كما أنه يحاول تقديم مبرر جديد ضد منتقديه الذين يقولون إن إسرائيل تخسر إقليميا، فيجيب: "بل نحن نبني محورا جديدا يمتد من الهند إلى أفريقيا ضد الإسلام الراديكالي من الجانبين".

خامسا: الغطاء الأمريكي.. ترامب 2 يعزز الرواية

في ولاية ترامب الثانية، عُين هاكابي -الإنجيلي المتشدد- سفيرا، وهو يعكس تماما التوجه الجديد في واشنطن. الإدارة الحالية لا تخفي رغبتها في مواجهة "الإسلام السياسي" عموما، والإخوان خصوصا بعد إدراجها على قوائم الإرهاب الأمريكية.

التنسيق بين تصريحات نتنياهو وهاكابي ليس صدفة؛ إنه جزء من استراتيجية مشتركة تهدف إلى إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية تحت عنوان "مكافحة الإرهاب الإسلامي السني والشيعي معا".

التداعيات المحتملة على المنطقة

أولا: على مصر والأردن، الدولتين المذكورتين صراحة، فقد يؤدي ذلك إلى تصعيد أمني داخلي، وطلبات إسرائيلية بمزيد من التنسيق الأمني، وربما ضغط أمريكي لتشديد الإجراءات ضد أي نشاط إخواني متبقٍ.

ثانيا: على قطر وتركيا: سيكون التصعيد الدبلوماسي والإعلامي هو السلاح الأول. إسرائيل قد تطالب بتضييق الخناق على قنوات الإخوان الإعلامية في الدوحة وإسطنبول.

ثالثا: على سوريا الجديدة: قد يستخدم نتنياهو التصريحات مبررا لضربات استباقية ضد أي فصيل إسلامي يراه امتدادا للإخوان.

رابعا: على غزة: يعزز التصريح الرفض الإسرائيلي لأي دور سياسي مستقبلي لحماس، ويجعل أي تسوية تشمل "الإخوان" مستحيلة.

ردود الفعل العربية.. صمت استراتيجي أم غضب مكتوم؟

حتى الآن، كانت الإدانات الرسمية موجهة أكثر لتصريحات هاكابي "التوراتية" عن الأرض، بينما تم غض الطرف عن تصريحات نتنياهو عن "المحور السني" بصمت نسبي. هذا الصمت له تفسير: بعض الدول العربية تشارك إسرائيل الرؤية الأمنية تجاه الإخوان، وتفضل عدم التصعيد العلني حتى لا تُتهم بالتواطؤ، لكن هذا الصمت نفسه يثير تساؤلات عن مستقبل "السلام الإبراهيمي" إذا تحول إلى "تحالف ضد الإخوان".

خاتمة: خوف حقيقي أم أداة سياسية؟

الإجابة ليست إما/أو، بل كلاهما، فنتنياهو يخشى فعلا قدرة الإخوان على الانتعاش في ظل أي تغيير سياسي أو اقتصادي في المنطقة، لكنه في الوقت نفسه يستغل هذا الخوف -الحقيقي أو المبالغ فيه- ليبني تحالفات، ويوحّد الداخل، ويحصل على دعم أمريكي غير مشروط.

السؤال المفتوح الذي يطرح نفسه الآن: هل سينجح نتنياهو في تحويل "معاداة الإخوان" إلى راية تجمع السنة واليهود والهنود والأفارقة في محور واحد؟ أم أن هذا التركيز المفرط سيُعيد إحياء الجماعة التي يريد القضاء عليها، فيُثبت مرة أخرى أن "العدو الذي لا يموت يصبح أقوى"؟

الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كان "المحور السني الإخواني" الذي يتحدث عنه نتنياهو حقيقة جيوسياسية أم مجرد أداة في لعبة السلطة الإقليمية والداخلية.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل