الصورة التي تختصر
عقدا
نشرت وكالة أنباء
الإمارات في 7 من أيار/ مايو 2026، صورة بدت للوهلة الأولى عادية: رئيسان يقفان أمام
طائرات مقاتلة. غير أن التأمل فيها يُفضي إلى سؤال أثقل بكثير مما تحتمله الصورة:
لماذا تقف مقاتلات
مصرية من طراز رافال -رأس
حربة الجيش الذي يُفترض أنه يصون حدود ما يُسمّى "أم
الدنيا"- على أرض أخرى، في مواجهة حرب لم تختر القاهرة طرفا فيها، ولم يُناقشها
برلمانها، ولم يُصوّت عليها شعبها؟
الإعلان الإماراتي
جاء رسميا وللمرة الأولى من على أرض دولة الإمارات، مُوثِّقا تمركز مقاتلات مصرية على
الأراضي الإماراتية في سياق الحرب الدائرة مع
إيران منذ نهاية شباط/ فبراير الماضي.
ووصفت وزارة الدفاع الإماراتية الزيارة بأنها تهدف إلى الاطلاع على "الجاهزية
القتالية وتعزيز القدرات العملياتية"، في صياغة دبلوماسية تُخفي ما هو أوضح: إن
مصر باتت تُقدّم عسكرها خدمة لحليفٍ يُشكّل أجندته الإقليمية بمعزل عن أي إجماع عربي
حقيقي.
هذه الصورة ليست حادثة
معزولة، إنها نقطة وصول لمسار ممتد منذ انقلاب عام 2013، حين قرّرت الإمارات أن تُعيد
رسم خريطة النفوذ في مصر، وأن تدفع ثمن ذلك سخيا لكن بعملة مصرية، ملطخة بدماء الآلاف
من المصريين.
الاحتلال الذي لا
يحتاج إلى جيش
عرفت البشرية جمعاء
على مر الزمان الاحتلال بصورته الكلاسيكية: جيوش تتقدم، وأعلام تُرفع، ومعاهدات تُفرض.
وفي هذه الصورة النمطية تظل نقطة المقاومة واضحة، ومسمّى العدو معلوما، والفداحة محسوسة،
غير أن القرن الحادي والعشرين أفرز نماذج مختلفة للسيطرة، تفتقر إلى الزي العسكري لكنها
لا تقلّ عنه في فداحة مآلاتها.
الاحتلال الاقتصادي
لا يُعلن عن نفسه، إنه يأتي في هيئة ودائع تُحسب مِنحا، واستثمارات تُقدَّم على أنها
إنقاذ، وعقود تنازل تُوقَّع تحت ضغط مالي يُشبه الابتزاز المُهذَّب. والأخطر في هذا
النوع من الاحتلال أنه يحتاج إلى تواطؤ الجهة المحتلّة، بل يجعلها تشارك في تسويغه
والدفاع عنه، وما وصلت إليه مصر من ديون خارجية قربت من 200 مليار دولار، بالإضافة
إلى الديون الداخلية التي تخطت تريليوني جنيه مصري.
لم تسقط مصر بقوة
الحديد والنار هذه المرة مثلما حدث في نكسة 67، لكنها تتبّع المسار الممتد من تموز/
يوليو 2013 إلى أيار/ مايو 2026 ، تبدو وكأن استقلالها القراري والسيادي يتآكل، شبرا
شبرا وصفقة صفقة، في ظل نظام يُسوّق ذاته حاميا للأمن القومي بينما يُقايض مكوّنات
هذا الأمن بثمن الاستمرار في السلطة.
وما زلنا نتذكر مقولة
السيسي عندما طالبت الشعوب مصر بإدخال المعونات الإنسانية لغزة قائلا في تصريحات (أبرزها
في أيلول/ سبتمبر 2025): "محدش يطلب مني أدخل في صراع عشان أدخَّل مساعدات لغزة
بالقوة" ، بينما هرع إلى كفيله بعد 60 يوما من الحرب الصهيوأمريكية على إيران
وليس له في هذه الحرب أي ناقة أو جمل.
2013: حين مولت الإمارات
انقلابا ملطخ بالدماء وما زال ينزف
إن الحقيقة التي تتجنبها
الرواية الرسمية هي أن انقلاب تموز/ يوليو 2013 لم يكن حدثا مصريا خالصا. سعت الإمارات
إلى دعم حركة تمرد لإسقاط حكم الرئيس محمد مرسي وإجهاض التجربة الديمقراطية الوليدة،
وتحالفت مع الجيش المصري الذي كان ينظر إلى الحكم المدني بوصفه تهديدا مباشرا لمصالح
المؤسسة العسكرية، وتوافق الطرفان على إسقاط هذه التجربة.
لم تكن أبو ظبي تتصرف
من فراغ أيديولوجي، كانت تبني استراتيجية إقليمية واضحة: اجتثاث كل تجربة حكم مدني
أو إسلامي منتخب في المنطقة (مصر، اليمن، السودان، ليبيا، تونس..)، وإعادة تأسيس منظومة
"الدولة السلطوية المستقرة" التي توفر لها بيئة آمنة للنفوذ. لعبت الإمارات
دورا محوريا في دعم النظام السياسي الجديد في مصر سياسيا وماليا وإعلاميا، باعتباره
ضامنا لاستعادة نموذج الدولة السلطوية. هذا ليس تحالفا بين
ندّين، هذا عقد رعاية مشروط. والرعاية -على خلاف ما تُوحي به- لها فواتير.
فواتير الرعاية: من
الجزر إلى الأراضي
أولا: تيران وصنافير-
حين تُباع الذاكرة الجغرافية
أعلنت حكومة العسكر
في نيسان/ أبريل 2016، تسليم جزيرتَي تيران وصنافير إلى المملكة العربية السعودية،
في صدمة شعبية واسعة. دافع السيسي عن القرار بالقول إن الجزيرتين سعوديتان أصلا. غير
أن ما غاب عن الخطاب الرسمي هو السياق: أن هذا التنازل جاء عقب مباشرة لزيارة الملك
سلمان للقاهرة، ورافقته حزمة مساعدات سعودية ضخمة. دفعت مصر نظير تحالفها ثمنا كبيرا
كالتفريط في جزيرتي تيران وصنافير في البحر الأحمر، وفقدان قدرة استراتيجية في التحكم
بمضيق تيران، وفي الارتماء بوجهة النظر الإماراتية في عدد من الملفات.
الجزيرتان اللتان
حرسهما المصريون عقودا وعليهما سُفك دم في 1973، صارتا بندا في ميزان حسابات السلطة؛
لا قضية سيادية تُناقَش في الشارع والبرلمان.
ثانيا: رأس الحكمة-
بيع الجغرافيا بالجملة
أعلنت أبو ظبي في
شباط/ فبراير 2024، ما وصفته بأكبر صفقة استثمار أجنبي مباشر في تاريخ مصر: استحواذ
شركة "أبو ظبي القابضة" على منطقة رأس الحكمة على الساحل الشمالي بنحو خمسة
وثلاثين مليار دولار. وردّ السيسي على كل تساؤل بعبارة تلخّص المنطق الذي يحكم النظام:
أكد أن الدعم الذي قدمته الإمارات لمصر في مشروع رأس الحكمة "لا مثيل له في العالم".
لكن ما لا يُقال هو
أن ما جرى ليس استثمارا بالمعنى الحقيقي، بل تنازلا عن رقعة جغرافية ذات موقع استراتيجي
على المتوسط، بعقد تفضيلي، لطرف لم يكتفِ باستثمار اقتصادي بل أصبح مالكا فعليا لرقعة
من التراب المصري. الفارق بين الاستثمار والاستحواذ ليس لغويا، إنه فارق في طبيعة العلاقة
بين الدولة المضيفة والطرف الأجنبي.
ثم جاءت رأس جميلة،
وهي شريحة جغرافية أخرى على الساحل الشمالي المصري، ضمن نفس المنطق الذي يُحوّل الأرض
المصرية إلى محفظة استثمارية مفتوحة لأبو ظبي؛ دون نقاش عام، ودون تدقيق برلماني حقيقي.
ثالثا: الودائع- الحبل
المالي المرئي
على مدى سنوات، ضخّت
الإمارات ودائع ضخمة في البنك المركزي المصري بلغت عشرات المليارات من الدولارات، في
ظاهرها دعم اقتصادي، وفي باطنها: حبل مالي يجعل كل قرار سياسي مصري في الملفات الإقليمية
مُقيّدا بسؤال واحد لا يُصاغ بصوت عالٍ: ماذا لو سحبت الإمارات ودائعها؟
الدولة التي تحتاج
تمويل اقتصادها من ودائع حليف لا تملك قرارها باستقلالية تامة.
رابعا: النيل- حين
تُفقَد أداة الضغط
في ملف سد النهضة
الإثيوبي، الذي يمثّل تهديدا وجوديا لمصر بكل معنى الكلمة، لم تمارس القاهرة يوما الضغط
الذي كان في مقدورها ممارسته. تفرّق المسؤولون بين الخطاب الحادّ والتراجع الفعلي،
وكانت أبو ظبي التي تملك علاقات وثيقة مع أديس أبابا وتستثمر في السوق الإثيوبية، طرفا
في معادلة تفسّر لماذا لم تتحوّل القاهرة يوما إلى ضاغط حقيقي يملك أوراقا ويُحسن توظيفها.
مصر 2026 واليمن 1962-
دروس النكسة التي لا تُتعلَّم
أرسل عبد الناصر في
تشرين الأول/ أكتوبر 1962 الجيش المصري إلى اليمن في حرب وصفها لاحقا بأنها "فيتنامه".
ظل الجنود المصريون يقاتلون ست سنوات في جغرافيا لا يعرفونها، لأهداف استراتيجية لم
يشرح أحد لهم كيف تمسّ مصلحة مصر، ولحساب معادلة أيديولوجية لم يخترها المصريون. كانت
مغامرة كلّفت مصر عشرات الآلاف من جنودها وعقدا كاملا من الاستنزاف، وانتهت بنكسة 1967
التي كان الجيش المستنزَف في اليمن أحد عواملها.
اليوم، أعلنت الإمارات
رسميا وللمرة الأولى عن تمركز مقاتلات مصرية على أراضيها منذ اندلاع المواجهة العسكرية
مع إيران نهاية شباط/ فبراير الماضي، وكانت مواقع ومنصات خليجية قد انتقدت في وقت سابق
الموقف المصري معتبرة أن القاهرة لم تنخرط بشكل واضح في المواجهة العسكرية.
الصورة مقلوبة هذه
المرة لكنها تحمل نفس الخلل البنيوي: جيش يُنشر خارج الحدود في حرب لا ترتبط بأي تهديد
مباشر لمصر، لا جغرافيا ولا اقتصاديا ولا أمنيا. إيران لا تُهدّد مصر، الصراع الإماراتي-الإيراني
له أسبابه الخاصة التي تتشابك فيها تناقضات تاريخية وخلافات إقليمية ونفوذ يتقاطع مع
المشروع الصهيوني-الأمريكي في الشرق الأوسط.
والسؤال الذي يجب
أن يُسأل علنا، ولا يُسأل: ما القرار السياسي الذي اتُّخذ في القاهرة بإرسال هذه المقاتلات؟
ومن ناقشه؟ ومن صوّت عليه؟
يعود تصريح بارز للسيسي
إلى عام 2016، قال فيه إن مصر "على أهبة الاستعداد للدفاع عن أشقائها في الخليج
(مسافة السكة) في حال تعرضهم لتهديد مباشر"، مؤكدا أن "القوات المصرية هي
جيش كل العرب".
الآن تجسّدت هذه العبارة،
لكن حين يكون "جيش كل العرب" هو من يُنشر في حرب أجنبية بقرار فردي لا يخضع
لأي رقابة دستورية، تصبح تلك العبارة سلاحا في يد من يملك المال لا في يد من يملك الشرعية.
الجيش المصري الذي
أُرسل إلى اليمن في الستينيات لم يكن يعلم لماذا هو هناك، والجيش المصري الذي تتمركز
مقاتلاته في الإمارات اليوم يستحق سؤالا مشروعا: ما الهدف الاستراتيجي المصري تحديدا
من هذا التمركز؟
وما الذي تجنيه مصر
-المديونة، المأزومة اقتصاديا، المُستنزَفة شعبيا- من الانخراط في حرب طرفها الإقليمي
الأبرز هو التحالف الإماراتي الإسرائيلي الأمريكي؟
الامتيازات الأجنبية
بوجه جديد
في النصف الثاني من
القرن التاسع عشر، منح الخديوي إسماعيل الأجانب امتيازات مفتوحة في الأرض والتجارة
والقضاء. لم يكن ذلك بالضرورة نتيجة خيانة شخصية، بل كان في أحيان كثيرة نتاج عجز مالي
وانهيار ورقة الضغط السيادي. حين تعجز الدولة عن السداد، تبيع الامتيازات، وحين تبيع
الامتيازات، تفقد القدرة على المساومة، وحين تفقد المساومة، لا تعود تملك شيئا تتفاوض
به.
ما يجري اليوم يُشبه
ذلك النمط في بنيته العميقة، وإن تغيّرت أدواته؛ لا توجد اتفاقيات مُعلنة للامتيازات،
لكن توجد ودائع بشروط، وعقود استحواذ بأسعار تفضيلية، ونفوذ في صناعة القرار المصري
يظهر أثره في كل مفترق إقليمي. والفارق الجوهري بين زمن الخديوي وزمن السيسي أن الأول
كان يبيع تحت ضغط الدائنين الأجانب القادمين من الخارج، أما الثاني فيبيع تحت ضغط حليف
عربي يُحسن توظيف العلاقة بين الإنقاذ المالي والامتنان السياسي.
الاحتلال الناعم لا
يحتاج إلى معاهدة استسلام، يكفيه أن يُشعر الطرف الآخر بأنه مدين، وأن يُعيد بناء الديْن
كل مرة يكاد يُسدَّد.
حارس الأرض أم بائعها؟
حين أدى السيسي اليمين
الدستورية رئيسا لمصر ونفس القسم من قبل حين كان وزير الدفاع، تضمّن القسم ما يتضمّنه
كل قسم رئاسي: صون الأرض والحفاظ على الوحدة الوطنية وحماية المصالح العليا للدولة.
هذه ليست صياغة شعرية، إنها التزام قانوني وسياسي ومعنوي.
لكن مسار السنوات
الماضية يُفضي إلى سؤال جوهري لا تستطيع الحكومة الإجابة عنه بخطاب "التنمية"
و"الاستثمار":
- هل صون الأرض يعني
التنازل عن جزر كانت تُعلّمها الأجيال في كتب الجغرافيا؟
- هل حماية المصالح
العليا تعني منح المستثمر الأجنبي سيطرة فعلية على أجزاء من الشريط الساحلي المصري؟
- هل الحفاظ على الوحدة
الوطنية يعني إرسال الجيش إلى حرب لا تمسّ وحدة هذا الوطن بأي تهديد مُعرَّف؟
السيسي لم يأتِ ليكون
حارس الأرض؛ هذا ما صوّرته الرواية الدعائية عن "الرجل الذي أنقذ مصر". لكن
ما يكشفه السجل الموثّق من الصفقات والتنازلات والقرارات العسكرية خارج الحدود هو نمط
مختلف: نمط رجل جاء يُحكم قبضته على السلطة الداخلية، ثم ادّى ثمن هذه القبضة من رصيد
الدولة ومقدّراتها، سواء كانت هذه المقدّرات جزرا في البحر الأحمر، أو شواطئ على المتوسط،
أو طائرات مقاتلة في سماء الخليج.
ختاما: من يُحاسب
من باع القيد؟
ليست المشكلة فقط
في الصفقات والتنازلات، المشكلة في غياب المحاسبة. في الديمقراطيات الحية،
أي تنازل عن أرض أو نشر لقوات خارج الحدود أو اتفاقية تمسّ
السيادة يمرّ بمسار رقابي
علني: برلمان يصوّت، ورأي عام يُناقش، وصحافة تُدقّق. في مصر اليوم، لا شيء من هذا.
استهدفت الضربات الأولى
في الحرب الدائرة منشآت حساسة وقيادات إيرانية رفيعة، وردّت إيران بإطلاق صواريخ باليستية
وطائرات مسيّرة استهدفت دولا خليجية تضع قواعد أمريكية على أرضها من بينها الإمارات.
في هذه المعادلة النارية المتصاعدة، يجد المواطن المصري نفسه في موقف لم يُستشَر فيه:
مقاتلاته تحمي سماء دولة خليجية في مواجهة حرب أطرافها وأسبابها ومآلاتها لم تُناقَش
في أي فضاء عام مصري.
قرّرت الإمارات من
اللحظة الأولى، حين دعمت انقلاب تموز/ يوليو 2013 ماليا وسياسيا وإعلاميا، أن تُحوّل
مصر إلى ورقة في استراتيجيتها الإقليمية، ودفعت ثمنا لذلك: ودائع في البنك المركزي،
وبيانات دعم في المحافل الدولية، وضخا ماليا في لحظات الانهيار الاقتصادي. لكن لكل
دفعة ثمنها المقابل، وثمن هذه المرة مقاتلات في أبو ظبي، وصمت في القاهرة.
تاريخ مصر عرف الاحتلال
جيدا، وعرف أيضا كيف يُقاومه. ما لا يعرفه جيدا بعدُ هو كيف يُقاوم احتلالا يُدار بموافقة
من داخله، ويُباع بخطاب السيادة ذاتها.
الخديوي إسماعيل أسّس
الديون، والإنجليز احتلوا، هذه المرة، الصيغة أكثر تعقيدا: أحدهم يُؤسّس الديون المالية
والسياسية والعسكرية، ولم يصل جيشٌ أجنبي بعدُ، لكن الجيش المصري يصل إليه.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.