لا تقاس الحروب في
الشرق الأوسط فقط بما تُحدثه من دمار، بل بما تتركه من أثر سياسي ونفسي
واستراتيجي. ولهذا فإن المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة،
وإيران من جهة أخرى، لا تصلح أن تُقرأ بعين واحدة ولا عبر شعار واحد. من يعلن
انتصارا ساحقا الآن يبالغ، ومن يعلن
هزيمة كاملة لخصمه يختزل الواقع. ما جرى هو
مواجهة حقيقية، ومؤلمة، ومفتوحة على احتمالات أخطر، لكن نتائجها حتى اللحظة لا
تسمح بحكم نهائي من نوع "انتصرت واشنطن وتل أبيب" أو "مرغت
إيران
أنف العدو في الوحل".
الواقع، كما يبدو
من متابعة المشهد، أن الضربة الأمريكية-الإسرائيلية حققت مكاسب تكتيكية ملموسة،
لكنها لم تُنهِ القدرة الإيرانية على الرد كما زعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب،
ولم تبدد المعادلة التي تجعل أي تصعيد مع طهران بابا لمخاطر أوسع. وفي المقابل،
فإن الرد الإيراني لم يُسقط الخصم ولم يقلب الطاولة، لكنه منع الهجوم من التحول
إلى حسم دعائي نظيف، وأبقى الصراع داخل مساحة الردع المتبادل بدل الانكسار
الأحادي.
الضربة ليست نصرا
نهائيا
ما يميز هذه الجولة من الصراع الصهيوأمريكى الإيراني أن تصعيد المعركة لم تجرِ فقط في الأجواء وعلى الأرض، بل جرت أيضا عبر الشاشات والمنابر والبيانات الرسمية. كل طرف حاول أن يصوغ روايته الخاصة
من الخطأ قراءة
أي هجوم جوي أو عسكري كبير على أنه
نصر كامل بمجرد وقوعه، فالهجمات قد تدمر منشآت
وتربك دفاعات وتسبب خسائر حقيقية، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الهدف الاستراتيجي
الأعمق قد تحقق. في الحالة الإيرانية، تشير الوقائع المتداولة إلى أن الضربات
الأمريكية-الإسرائيلية ألحقت أضرارا محسوسة ببعض القدرات العسكرية والحساسة، وحققت
عنصر المفاجأة والضغط، وربما أعادت تذكير المنطقة كلها بأن القدرة على الوصول إلى
العمق الإيراني ما زالت قائمة، لكن النجاح العسكري لا يساوي بالضرورة النجاح
السياسي. فالدولة التي تتلقى الضربة ثم تعلن الرد، أو تنجح في فرض كلفة مقابلة،
تمنع خصمها من امتلاك سردية "النصر الحاسم". وهذا بالضبط ما حدث هنا:
الهجوم الإيراني ضرب المصالح الأمريكية-الإسرائيلية في المنطقة كان قويا بما يكفي
ليُقال إنه مؤلم، لكنه لم يكن كافيا ليُقال إنه أنهى اللعبة.
إيران لم تنهَر
فمن غير الدقيق
أيضا تصوير إيران وكأنها خرجت من المشهد مهزومة أو عاجزة. فطهران، بحسب ما ظهر في
التغطيات والتحليلات، لم تكتفِ بامتصاص الصدمة، بل سارعت إلى الرد وإبراز أنها لا
تزال تملك أدوات الإزعاج والردع. وهذا مهم للغاية في منطق الصراعات الإقليمية، لأن
الطرف الذي يرد يفرض على خصمه معادلة جديدة ويفرض بعضا من شروطه على طاولة
المفاوضات: لم يعد أمامه مجرد هدف يمكن ضربه، بل خصم قادر على إعادة إدخال المنطقة
في دوامة التصعيد.
ومع ذلك، فإن
الرد الإيراني لا يعني أن طهران حققت انتصارا كاملا، فالمبالغة هنا لا تقل سوءا عن
المبالغة في الجهة المقابلة. نعم، إيران أظهرت قدرة على البقاء والرد، لكنها لم
تُحدث انقلابا استراتيجيا يغيّر ميزان القوة جذريا. لذلك فإن توصيف "مرغت وجه
العدو في الوحل" يصلح كعبارة خطابية، لا كحكم تحليلي صارم.
حرب الروايات قبل
حرب الصواريخ
ما يميز هذه
الجولة من الصراع الصهيوأمريكى الإيراني أن تصعيد المعركة لم تجرِ فقط في الأجواء
وعلى الأرض، بل جرت أيضا عبر الشاشات والمنابر والبيانات الرسمية. كل طرف حاول أن
يصوغ روايته الخاصة: الأمريكيون والإسرائيليون قدّموا الهجوم باعتباره إنجازا
استراتيجيا وردعا ناجحا، بينما قدّم الإيرانيون الرد باعتباره دليلا على الصمود
وكسر الهيبة المعادية.
وهنا تكمن
المشكلة الكبرى: الجمهور العريض غالبا ما يلتقط من المشهد ما يؤكد موقفه المسبق،
لا ما يفسّر الواقع كما هو. لذلك تنتشر في مثل هذه اللحظات العناوين المتطرفة: "سحق
إيراني للعدو" من جهة، و"تدمير كامل لقدرات إيران" من جهة أخرى.
لكن الحقيقة عادة لا تسكن في هذه العبارات القصوى، الحقيقة أهدأ وأعقد، وأقل
قابلية للاستهلاك الدعائي.
من ربح الجولة؟
يجب علينا أن
نسأل السؤال الأدق؛ ليس من انتصر؟ بل: من حقق مكسبا أكبر من خسارته؟ وعلى هذا
الأساس، يمكن القول إن الولايات المتحدة وإسرائيل حققتا نجاحا تكتيكيا واضحا عبر
الضربات التي أوقعت ضررا حقيقيا وأربكت المشهد الإيراني وبالأخص مع حملة
الاغتيالات التى طالت قيادات النظام الإيراني، لكن هذا النجاح ظل محدودا لأنه لم
يتحول إلى حسم شامل.
وفي المقابل،
حققت إيران مكسبا سياسيا وردعيا مهما عبر إثبات أنها ما زالت قادرة على الرد، وأن
ضربها ليس عملا بلا ثمن، لكنها أيضا دفعت كلفة فعلية، ولم تستطع أن تفرض انهيارا
أو تراجعا حاسما على خصومها.
الحرب بين إيران وخصومها ليست حرب جبهات تقليدية، إنها خليط من الضربات المباشرة، والردود غير المباشرة، ورسائل الردع، وحسابات الطاقة والملاحة، وقلق العواصم الإقليمية، وموازين السياسة الداخلية في أكثر من دولة، وهذا يجعل كل ضربة قابلة لأن تتحول إلى بداية، لا إلى نهاية
إذن نحن أمام
معادلة خسارة-مكسب لا معادلة نصر-هزيمة، وكل طرف يخرج من هذه الجولة وهو يحمل ورقة
ويخسر ورقة أخرى.
لماذا يبدو الحسم
بعيدا؟
يبدو أن السبب
الحرب بين إيران وخصومها ليست حرب جبهات تقليدية، إنها خليط من الضربات المباشرة،
والردود غير المباشرة، ورسائل الردع، وحسابات الطاقة والملاحة، وقلق العواصم
الإقليمية، وموازين السياسة الداخلية في أكثر من دولة، وهذا يجعل كل ضربة قابلة
لأن تتحول إلى بداية، لا إلى نهاية.
ثم إن إيران ليست
دولة سهلة الكسر، كما أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تتحركان في فراغ وبالأخص مع
فكرة البرنامج النووي الإيراني. فأي تصعيد واسع قد يفتح الباب أمام ردود أوسع،
وتوترات في الخليج، وضغوط على الأسواق، وارتدادات سياسية داخلية وخارجية. لذلك يظل
الحسم الكامل حلما بعيدا، بينما تبقى المعادلة الواقعية هي الاستنزاف المتبادل.
الخلاصة
الخلاصة التي
تفرض نفسها هي أن ما جرى لم يكن خدعة، بل حدثا حقيقيا له تبعاته، لكنه أيضا لم يكن
نصرا نهائيا لأي طرف. الأمريكيون والإسرائيليون حققوا ضربات مؤثرة، والإيرانيون
ردوا بما يكفي لمنع تحويل الهجوم إلى قصة انتصار مكتمل وبالأخص أن غلق مضيق هرمز
له دور في كروت اللعبة. وبين هذا وذاك، دخل الصراع مرحلة أكثر خطورة: مرحلة
الاختبار المستمر، والرد المتبادل، والحرب على الرواية قبل الحرب على الأرض.
لذلك، فإن
التوصيف الأكثر اتزانا هو أن الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي حقق نجاحات تكتيكية،
بينما نجحت إيران في الصمود والرد، ولم ينجح أي طرف في فرض خاتمة حاسمة. وهذه، في
لغة السياسة، ليست هزيمة كاملة ولا انتصارا كاملا، بل بداية فصل جديد من صراع
طويل.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.