متى ينفض العالم العربي العباءة الأمريكية المثقلة بالمشاكل؟

أدهم حسانين
"العباءة الأمريكية ليست سوى غطاءٍ يُخفي ازدواجية القيم"- الأناضول
"العباءة الأمريكية ليست سوى غطاءٍ يُخفي ازدواجية القيم"- الأناضول
شارك الخبر
تحمل تبعات عبث القرارات الأمريكية وعبث حروب الصهاينة، والدخول في حروب لا ناقة للعرب فيها ولا جمل، وضد مصالح شعوب المنطقة.

عباءة الهيمنة التي تثقل القرار العربي

منذ ورثت الولايات المتحدة منتصف القرن الماضي مقاليد النفوذ الغربي في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية، ظلّ العالم العربي يعيش تحت وطأة عباءةٍ سياسية واقتصادية ثقيلة، تُغطيه باسم الحماية بينما تقيّد حركته باسم "التحالف".

كانت واشنطن تعتبر المنطقة العربية حديقة مصالحها الخاصة: من النفط إلى الممرات البحرية، ومن أمن إسرائيل إلى توازن القوى مع الاتحاد السوفييتي، ثم مع إيران لاحقا. ووجدت في بعض الأنظمة التقليدية استعدادا للتعاون معها مقابل الاستقرار والحفاظ على كراسي الحكم، لكنها كانت في الحقيقة تُرسّخ نمطا من التبعية الطويلة، جعل القرار العربي مقيدا برغبة الخارج لا بحساب الداخل.

العرب في حروبٍ ليست لهم
دفعت الشعوب العربية فواتير تلك الحروب في صورة انهيارات اقتصادية وتراجعٍ في التنمية وصعودٍ لأنماط جديدة من الاستقطاب والتطرّف

دخل العرب حروبا لم تكن لهم فيها ناقة ولا جمل؛ كان غزو العراق عام 2003، الذي بُني على مبررات ثبت زيفها، جرى عبر دعمٍ ضمني من عواصم عربية تحت ضغط الخوف أو الحاجة، لكن نتائجه كانت كارثية على الأمة كلها. لقد استُخدم العراق لتصفية حسابات سياسية واقتصادية لا علاقة لها بالديمقراطية التي وُعد بها، وخرج الأمريكيون بعد عشرين عاما يتركون وراءهم دولة مدمّرة ومجتمعا مفككا.

وفي المقابل، دفعت الشعوب العربية فواتير تلك الحروب في صورة انهيارات اقتصادية وتراجعٍ في التنمية وصعودٍ لأنماط جديدة من الاستقطاب والتطرّف.

فلسطين وكشف الوجه الحقيقي للعباءة الأمريكية

لم تكن فلسطين بعيدة عن هذا العبث؛ كشفت الحروب الإسرائيلية المتكررة على غزة حجم التواطؤ الغربي الذي تحميه المظلة الأمريكية. كل مرة يُسقط فيها الاحتلال آلاف الأبرياء تحت غطاء "حق الدفاع"، تمر أمريكا لتبرّر العدوان وتمنع حتى صدور القرارات الإنسانية في مجلس الأمن.

بهذا، تحمّلت الشعوب العربية ثقلا أخلاقيا إضافيا فوق أعبائها الاقتصادية: شعور دائم بأن "العباءة الأمريكية" ليست سوى غطاءٍ يُخفي ازدواجية القيم بين ما يُقال في نيويورك وما يُنفذ في غزة.

بوادر الفكاك والقرار العربي المستقل

في العقد الأخير، أخذت المنطقة تتحول بوعيٍ واضح نحو "استقلال القرار وميل الكفّة إلى مصلحة الداخل" خاصة مع الربيع العربي. ويمكننا أن نتخذ قطر مثالا وقد تحدثنا عنها في مقال سابق.

تتقدّم تركيا وباكستان في منطقٍ إسلامي متقاطع مع الاتجاه العربي نفسه. الدولتان تسعيان إلى بناء محورٍ من الاستقلال العسكري والاقتصادي والسياسي عن الهيمنة الغربية، يجمعهما مع السعودية ومصر فيما بات يُعرف بـ"التحالف السني المعتدل".

هذا التحالف يصنع معادلاته بنفسه، مبنيا على التعاون والتنمية، لا الولاء والتسليم، مما يفتح أمام العالم الإسلامي دورا متوازنا جديدا في النظام الدولي.

بدأت الجزائر والمغرب وتونس تتعامل مع أفريقيا كوحدة استراتيجية مشتركة بدل أن تبقى تابعة لفرنسا أو أوروبا. الجزائر أعادت اكتشاف ثقلها الأفريقي ودورها العربي في الدفاع عن القضايا العادلة، بينما أصبح المغرب نموذجا للاستثمار الأخضر والتعاون مع أفريقيا جنوب الصحراء. وتونس، رغم أزماتها، حافظت على خطابٍ وطنيٍّ يسعى لفكّ الارتباط بالمركزية الغربية تدريجيا.

مرحلة "التوازن بعد التبعية"

تصف التقارير الدولية تصف اللحظة الراهنة بأنها "مرحلة التوازن بعد التبعية". فالتكتلات الاقتصادية الجديدة مثل البريكس، والمشروعات العابرة للحدود، تشير إلى انتقال مركز الثقل العالمي تدريجيا نحو الجنوب والشرق حيث تقع الدول العربية. المؤسسات الغربية نفسها بدأت تعترف بأن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم يعودا تابعين، بل فاعلين مستقلين في منظومة النمو الآسيوي الصاعد.

لا يقتصر هذا التحول على الاقتصاد، بل يمتد إلى "الوعي الشعبي والسياسي". أصبح المواطن العربي يدرك أن السيادة لا تُستورد وأن الديمقراطية لا تُفرض من الخارج؛ يرى ازدواجية الخطاب الأمريكي بين دعم الاحتلال والتغنّي بحقوق الإنسان، فيرفض التبعية ويبحث عن طرق النهضة بمفهومٍ وطنيٍ أصيل.

هنا يبدأ الفعل الحقيقي: من الوعي إلى الموقف إلى المشروع، في كل دولة تضع مصالحها فوق الحسابات المفروضة، وفي كل شعبٍ يدرك أن الكرامة ليست شعارا بل ممارسة يومية.

حتى الخطاب الأمريكي بدأ يقرّ بهذه الحقيقة؛ ففي تقرير مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي (CFR) عام 2025 ورد أن "الشرق الأوسط لم يعد يستجيب للمقاربة التقليدية الأمريكية، وأنه يخلق لنفسه هندسة سياسية واقتصادية مستقلة".

هذا الاعتراف يلخّص اتجاه التاريخ القادم: العرب في طريقهم لصنع قرارهم بأنفسهم، لا ضد أحدٍ بل من أجل أنفسهم.

معنى خلع العباءة الأمريكية
العرب، الذين امتدّت حكايتهم بين المجد والانكسار، يقفون اليوم على عتبة مختلفة: لم يعودوا يبحثون عن منقذٍ يأتي من فوق البحر، بل عن توازنٍ ينبت من أرضهم نفسها

لا يعني خلع العباءة الأمريكية القطيعة مع الغرب، بل النضج في العلاقات الدولية والتعامل برؤوس متساوية. العرب لا يطلبون الانغلاق بل الاحترام المتبادل، ولا يقاتلون لرفض التواصل بل لحقّ تقرير المصير السياسي والاقتصادي والثقافي. إنها لحظة وعيٍ جديدة تُعيد تعريف العلاقة مع العالم على مبدأ الشراكة المتكافئة لا الحماية المشروطة.

ربما لا يُولد الفجر بضوءٍ صاخب، بل بتدرّجٍ صامتٍ يبدّد عتمة الليل. هكذا يبدو المشهد العربي اليوم. انتهى زمن الانبهار، وبدأ زمن البصيرة؛ انتهى التطلع نحو الخارج طلبا للوصاية، وبدأت العيون تتفتح على الداخل بحثا عن الحقيقة.

العرب، الذين امتدّت حكايتهم بين المجد والانكسار، يقفون اليوم على عتبة مختلفة: لم يعودوا يبحثون عن منقذٍ يأتي من فوق البحر، بل عن توازنٍ ينبت من أرضهم نفسها. في صمت الموانئ التي تبنيها الأيادي العربية، وفي ضوء المصانع التي تعيد التفكير في معنى الثروة، تتكوّن ملامح فجرٍ جديد لا يشبه الفجر القديم. ها هم يستعيدون أصواتهم بعد زمنٍ من الصمت، ويتعلمون أن الحرية لا تُستعير لُغتَها من أحد. بين البحر الأحمر والخليج، بين ضوء الصحراء وموانئ البحر، تنبض خريطة جديدة؛ ليست خريطة حدود، بل خريطة وعي.

ذلك هو الفجر العربي القادم لا يعلن نفسه بالضجيج، بل بالعمل؛ لا يبحث عن عدو، بل عن معنى جديد للكرامة؛ فجرٌ يعرف أن الاستقلال لا يُكتب بالحبر السياسي فقط، بل بعرق الإنسان حين يبني وطنه، وبإرادته حين يختار طريقه.

وهكذا، حين تشرق الشمس مرة أخرى على هذه الأرض، لن تكون عباءة تغطيها من الخارج، بل أفقٌ تُضيئه من الداخل.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)