متى ينفض العالم العباءة الأمريكية المثقلة بالمشاكل؟

أدهم حسانين
"أمريكا رفعت شعارات الحرية والعدالة والديمقراطية، لكنها استخدمتها غطاء لمصالحها"- جيتي
"أمريكا رفعت شعارات الحرية والعدالة والديمقراطية، لكنها استخدمتها غطاء لمصالحها"- جيتي
شارك الخبر
أحكمت الولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية قبضتها على النظام الدولي الجديد، خرجت من الحرب بما لم يخرج به أحد قبلها: امتلاك القوة العسكرية الأعظم، والسيطرة على نصف اقتصاد العالم، وتفوّق تكنولوجي وإعلامي جعلها لا تحكم العالم فقط، بل تحدّد له ما يبدو حقّا وما يُعدّ باطلا؛ رفعت شعارات الحرية والعدالة والديمقراطية، لكنها استخدمتها غطاء لمصالحها، فكانت السيدة والمعلّمة والشرطي في آنٍ واحد. لوقتٍ طويل ظنّ الجميع أن النظام الأمريكي هو قدرُ الأرض الذي لا فكاك منه، حتى بدأت التصدّعات الظاهرة والخفية تكشف أن العباءة التي بدت دافئة للحلفاء، كانت في حقيقتها خنّاقة للجميع.

لقد مثّلت واشنطن لسبعة عقود مركز القرار الكوكبي: تصدر الأوامر الاقتصادية عبر البنك الدولي، وتفرض نظام العملة بالدولار، وتقرر الحروب وتوزّع صكوك الشرعية بالفيتو، وكانت النتيجة أن العالم تحوّل إلى ساحةٍ لمغامراتها السياسية، يدفع الفقراء ثمنها وتجني الشركات العملاقة أرباحها.

التحول الأهم ليس في الاقتصاد وحده، بل في نموذج الوعي العالمي تجاه مفهوم الاستقلال، فالدول لم تعد تسعى إلى مجابهة واشنطن بالسلاح، بل بإعادة تعريف مصلحتها

ومن فيتنام إلى كوبا إلى العراق وأفغانستان، كانت أمريكا تحارب باسم السلام وتدمّر باسم الديمقراطية. حين اندفعت نحو غزو العراق عام 2003 مستندة إلى مبررات ثبت كذبها لاحقا، لم تكن تجرّ المنطقة فقط إلى الفوضى، بل كانت تجرّ سمعتها إلى هاوية الشك. بعد عشرين عاما، أقرّ تقرير الكونغرس ذاته بأن تكاليف الحرب تجاوزت تريليوني دولار، بينما لم تجلب للعراقيين إلا الخراب والانقسام.

وننتقل إلى أفغانستان، حيث أنفقت واشنطن تريليوني دولار أخرى، انتهت مغامرتها بهروبٍ فوضوي من كابول عام 2021، لتعود طالبان إلى الحكم من جديد بعد عشرين عاما من "إعادة الإعمار". تلك اللحظة كانت اعترافا عالميا بانتهاء زمن السيطرة الأمريكية الكاملة، وأيقظت لدى الشعوب فكرة أن القوة لا تُصنع من الحديد فقط بل من الإيمان بالعدالة والسيادة.

ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتكشف حجم التصدّع داخل المنظومة الغربية نفسها. أوروبا، التي لطالما سارت خلف واشنطن طائعة، اكتشفت أنها تدفع كلفة العقوبات المفروضة على موسكو أكثر مما يخسر الروس أنفسهم. أزمة الطاقة والركود قادت قادة القارة لإعادة النظر في معنى التحالف، وفي حدود الطاعة السياسية. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أوجز هذه الحقيقة بقوله: أن نكون حلفاء لأمريكا لا يعني أن نكون تابعين لها. ويحاول قادة أوروبا الآن الفكاك من هذا التحالف الذي اكتوت به دول الاتحاد الأوروبي دون المساس بأي من المصالح الأمريكية.

في المقابل، بدأت قوى آسيا الصاعدة -الصين والهند تحديدا- ترسم ملامح عالمٍ متعدد الأقطاب. الصين أصبحت في 2025 الشريك التجاري الأول لأكثر من 120 دولة، وحققت حصة تقارب 18 في المئة من الناتج العالمي. أما الهند، فصعدت بثبات إلى المركز الخامس عالميا دون أن تسمح لأحدٍ بأن يملي عليها اختياراتها. هاتان القوتان، ومعهما روسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا، شكّلت معا نواة -تحالف البريكس- الذي أصبح الرمز الأوضح على عصر كسر المركزية الأمريكية.

البريكس اليوم ليس شعارا سياسيا، بل منظومة فعلية تتحدى قواعد الاقتصاد الأمريكي. أنشأ التكتل بنكا تنمويا خاصا به، وبدأ بدروسٍ عملية في فكّ الارتباط بالدولار من خلال تسويات بالعملات المحلية، كما توسّع ليستقبل دولا جديدة مثل السعودية، ومصر، وإيران، والإمارات، والأرجنتين. ووفق بيانات البنك الدولي لعام 2025، باتت اقتصادات البريكس تمثل أكثر من 35 في المئة من الناتج العالمي، أي أكثر من ثلت الإنتاج العالمي وقد يصل إلى نصفه. هذا التحوّل ليس مجرد أرقام في الجداول؛ إنه مؤشر على بدء انزياح التاريخ نفسه من محورٍ واحد إلى مراكز متعددة.

وفي تقرير حديث لمجلة فورين بوليسي وُصف البريكس بأنه "التحدي الأخطر للهيمنة الأمريكية منذ إنشاء الأمم المتحدة"، لأنه لا يعتمد السلاح ولا الخطاب العدائي، بل يطرح بديلا عمليا للمنظومة النقدية التي قامت على قوة الدولار منذ 1944. وهكذا بدأ العالم يشهد انتحار فكرة "الأحادية القطبية" ببطءٍ ولكن بثبات.

لكن التحول الأهم ليس في الاقتصاد وحده، بل في نموذج الوعي العالمي تجاه مفهوم الاستقلال، فالدول لم تعد تسعى إلى مجابهة واشنطن بالسلاح، بل بإعادة تعريف مصلحتها. هذا ما نراه مثلا في التحالفات الجديدة داخل العالم الإسلامي، وخاصة التحالف السني المعتدل الذي وُلد من رحم الحاجة إلى الأمن والكرامة لا المجابهة، اجتمع فيه وعي أربع دول محورية: تركيا، وباكستان، والسعودية، ومصر. رغم اختلاف موازينها، فإنها تتفق على مبدأ بسيط: لا حروب بالوكالة بعد اليوم، ولا خضوع للابتزاز الأمريكي تحت شعار "الحماية".

تركيا بنت مشروعها الصناعي والعسكري الوطني، فباتت من أكبر خمس دول في إنتاج الطائرات المسيّرة حول العالم. باكستان تمسك بسلاحها النووي وبكرامتها في وجه ضغوط الغرب منذ عقدين. السعودية أعادت تعريف سياستها الخارجية وفق "مبدأ التوازن المفتوح"، ففتحت أبوابها شرقا نحو الصين وروسيا دون أن تُغلقها غربا. ومصر، رغم كل التحديات، يجب عليها استعادة مكانتها كمركز في معادلة الشرق الأوسط، وأن تحاول دخول نادي الاقتصاد المتنوّع بمحاور أفريقية وآسيوية جديدة.

تقارير مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي (CFR) في 2025 نفسها اعترفت بأن "الشرق الأوسط يحاول أن لا يتصرّف ضمن المظلّة الأمريكية وحدها"، وأن العواصم الكبرى في المنطقة تتعامل مع بكين ونيودلهي في مشاريع الطاقة والتنمية دون العودة إلى واشنطن. هذا التحول ليس تكنيكيا، بل فلسفيا: فالعالم، وخصوصا المنطقة الإسلامية، اكتشف أن الأمن الحقيقي لا تُقدّمه الجيوش الأجنبية بل الوعي الذاتي والسيادة المستقلة.

إن العباءة الأمريكية التي كانت تغطي الكوكب لعقود باتت الآن عبئا على مرتديها، ليست المشكلة أن أمريكا ضعفت، بل أن العالم نضج؛ تهاوت مقولة "القيم العالمية" لأنها كانت تُستخدم ستارا للقرارات المنفردة، اهتزت ثقة الشعوب في وجاهة النموذج الأمريكي كلما رأت التناقض بين خطاب الديمقراطية ودعم الاحتلال في فلسطين، بين الشعارات عن السلام ودعم الحروب بالوكالة، بين الدعوة لاحترام القانون الدولي والاستثناء الدائم لإسرائيل منه، خصوصا فى حرب الطوفان الأخيرة.

وليس من قبيل المفارقة أن يتزامن هذا الانكشاف الأخلاقي مع التآكل الاقتصادي الداخلي في الولايات المتحدة: ديون فاقت 34 تريليون دولار، وانقسام سياسي يمزق الكونغرس نصفين، وتراجع الثقة العامة في المؤسسات إلى أدنى مستوياتها منذ سبعينيات القرن الماضي. فهي دولة عظمى، نعم، لكنها لم تعد تملك رفاهية أن تُعلّم الآخرين ما بالكاد تستطيع تطبيقه داخليا.

لم تعد واشنطن الحَكم أو المرجع الوحيد، بل طرفا بين أطرافٍ متعددة، هذا ما تسجله حتى تقارير الاستخبارات الأمريكية السنوية التي تتحدث عن "تعدد القوى وتزايد المناطق الرمادية في القرار العالمي". العالم، في جوهره، لا يثور على أمريكا بل يتحرر من الفكرة الأمريكية القديمة؛ فكرة الوصاية على القرار الدولي

يتحرك العالم اليوم بخطى وئيدة نحو نموذج جديد من التوازن، يقوم على التعدد لا على السيطرة، وعلى التعاون لا الابتزاز. أوروبا تبحث عن استقلالها في القرار الأمني والطاقي، آسيا تقود ثورتها الصناعية بتكنولوجيا محلية، أمريكا اللاتينية تكتب دستورها الاقتصادي من جديد بعيدا عن البنوك الأمريكية، أفريقيا تستيقظ على وعي ثرواتها وحقها في التنمية بشروطها.

ووسط هذا الموج الواسع، لم تعد واشنطن الحَكم أو المرجع الوحيد، بل طرفا بين أطرافٍ متعددة، هذا ما تسجله حتى تقارير الاستخبارات الأمريكية السنوية التي تتحدث عن "تعدد القوى وتزايد المناطق الرمادية في القرار العالمي". العالم، في جوهره، لا يثور على أمريكا بل يتحرر من الفكرة الأمريكية القديمة؛ فكرة الوصاية على القرار الدولي.

وتكمن الحقيقة الأكثر إنسانية في هذا التحوّل: أن الشعوب لم تعد تسعى إلى بديلٍ متسلّطٍ جديد، بل إلى فضاءٍ عادل يسمح للجميع أن يتحدث بصوته. التحولات التي نشهدها ليست حربا باردة جديدة، بل سلاما دافئا بين عقولٍ اختارت أخيرا المصلحة على الخوف، والكرامة على الاصطفاف، والوعي على التبعية.

إن خلع العباءة الأمريكية لا يعني تحديها كدولة، بل تحريك النظام الدولي من حولها لتصبح جزءا من كلٍّ، لا مركزا يدور حوله الجميع. ويتشكل العالم الذي أمامنا اليوم، لم يعد يصدّق أن الحرية تُستورد أو أن الأمن يُشترى، لقد أدرك أن زمن الرعاية انتهى، وأن وقت الندية قد بدأ.

فمتى ينفض العالم العباءة الأمريكية المثقلة بالمشاكل؟ الجواب: إنه يفعل الآن، خطوة خطوة، دولة بعد أخرى، اقتصادا إثر آخر، قرارا تلو قرار. يحدث ذلك بصمتٍ حازم لا بضوضاء الشعارات، يحدث لأن البشرية وعت الدرس: السيادة لا تُمنح، والعدالة لا تُستورد، والكرامة لا تُقاس بالدولار. ولأن كل أمّة تستقرّ في ضميرها هذه القناعة، فقد بدأت رحلة التحرر الحقيقي من العباءة التي خنقت صوتها طويلا. العالم لا يغيّر أمريكا بقدر ما يغيّر نفسه، وهذه أعظم ثورة تُكتب بلا حرب.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل