العرب بين الخرائط المصنوعة ومشروع الأمة المؤجل

أدهم حسانين
"تحولت الأمة إلى خرائط، وتحولت الخرائط إلى أسوار، وتحولت الأسوار إلى عقول"- موقع الجامعةالعربية
"تحولت الأمة إلى خرائط، وتحولت الخرائط إلى أسوار، وتحولت الأسوار إلى عقول"- موقع الجامعةالعربية
شارك الخبر
لم يخسر العرب فكرة واحدة فحسب بتبنيهم فكرة القومية صاحبة الخطوط الزائفة، بل خسروا مشروعا كاملا كان يمكن أن يغيّر موقعهم في التاريخ؛ خسروا المجال الذي يجمعهم، والخيال السياسي الذي كان يفترض أن يحول اللغة الواحدة، والذاكرة الواحدة، والتاريخ المتشابك، والدين الذي يجمعهم على قبلة واحدة إلى قوة فعل لا إلى مجرد حنين ثقافي.

والأسوأ من ذلك أن هذا الخسار لم يقع مرة واحدة، بل تكرر على مراحل، كل مرحلة كانت أكثر فداحة من سابقتها: من الترتيبات الدولية التي سبقت الحرب العالمية الأولى، إلى الاتفاقات السرية، إلى التقسيمات المباشرة، إلى الدولة القطرية التي خرجت من رحم التجزئة وهي تحمل داخلها قابلية دائمة لإعادة إنتاج الانقسام.

لم يُهزم العرب لأنهم افتقروا إلى المقومات، بل لأن هذه المقومات لم تُترجم إلى مشروع سياسي صلب. اللغة لم تتحول إلى وحدة، والتاريخ لم يتحول إلى قرار، والدين لم يتحول إلى رابطة سياسية منضبطة، والحضارة لم تتحول إلى بنية مؤسسية. ما حدث هو العكس تماما: جرى تفكيك كل عنصر من عناصر القوة العربية، ثم توزيعها على كيانات صغيرة، بحيث يصبح كل كيان مشغولا بحماية نفسه من جاره أكثر من انشغاله بحماية المجال العربي كله. وهكذا تحولت الأمة إلى خرائط، وتحولت الخرائط إلى أسوار، وتحولت الأسوار إلى عقول.

البداية الكبرى للتفكيك

لم يبدأ التمزق العربي مع الاستقلالات الشكلية، بل بدأ قبل ذلك بكثير، حين دخلت القوى الكبرى القرن العشرين وهي تنظر إلى المشرق العربي بوصفه مساحة قابلة لإعادة التصميم. ما سبق الحرب العالمية الأولى من ترتيبات ومؤتمرات وتفاهمات أوروبية لم يكن تفصيلا عابرا في تاريخ العرب، بل كان جزءا من مناخ دولي يرى الشرق الأوسط ملفا مفتوحا للمساومة، لا فضاء سياديا لأهله.

تلك اللحظة كشفت أن مصير المنطقة لم يكن يُصاغ في عواصمها، بل في غرف بعيدة تُدار فيها الخرائط كأنها أوراق لعبة، وما سايكس-بيكو عنا مجهولة ومؤتمر 1907، وحكام ارتموا في أحضان الاحتلال، وجواسيس يرتعون في حرية بين ربوع بلاد العرب.

ثم جاءت الحرب العالمية الأولى لتفتح الباب على مصراعيه أمام هندسة جديدة للمنطقة. لم يكن العرب طرفا متكافئا في هذه الهندسة، بل كانوا موضوعها. الاتفاقات التي أعقبت الحرب، وعلى رأسها سايكس بيكو، لم تقسّم الأرض فقط، بل قسمّت المستقبل، لم تكن مجرد خطوط على الورق، بل إعلانا مبكرا بأن المجال العربي سيُجزأ إلى وحدات سياسية منفصلة، لكل منها سرديتها وحدودها وارتباطاتها. ومن هنا بدأ الانحدار الكبير: أُخرج العرب من تاريخهم المشترك إلى جغرافيا مفروضة، ثم طُلب منهم لاحقا أن يتصرفوا كما لو أن هذه الجغرافيا قدر طبيعي لا صناعة سياسية متعمدة.

سايكس بيكو: الجرح المؤسس

لم تكن سايكس بيكو اتفاقية إدارية، بل جريمة سياسية مكتملة الأركان. لقد حوّلت المجال العربي إلى قطع متجاورة لا تتجاور إلا ظاهريا، وأقامت منطقا جديدا للحكم يقوم على التفتيت قبل الإدارة، وعلى الفصل قبل الترتيب.

ما جرى كان تأسيسا لبنية ضعيفة منذ اللحظة الأولى: دول جديدة بلا تواصل عضوي حقيقي، وحدود لم تنشأ من توازن داخلي، بل من قرار خارجي، ونخب محلية ورثت الكيانات تصرفت كما لو أنها حقائق نهائية.

هذه هي اللحظة التي بدأ فيها العربي يفقد نفسه سياسيا؛ لم يعد ينظر إلى الشام أو العراق أو مصر أو المغرب أو الجزيرة بوصفها أجزاء من فضاء واحد، بل بوصفها دولا متجاورة تتفاوض فيما بينها، وتتصارع، وتتحسس من بعضها بعضا. التفكيك هنا لم يكن جغرافيا فقط؛ كان تفكيكا للوعي. حين تُرسَم الحدود بهذه الطريقة، فإن ما يُستهدف ليس الأرض وحدها، بل القدرة على تخيل وحدة تتجاوزها.

الدولة القُطرية كبديل ناقص

بعد الاستقلالات، لم يجرِ تصحيح هذا الانقسام، بل جرى ترسيخه. ظهرت الدولة القُطرية العربية باعتبارها إنجازا وطنيا، لكنها في كثير من الحالات كانت إنجازا منقوصا، لأنها ورثت الحدود التي صيغت أصلا لتمنع التلاقي الحقيقي بين العرب. ومع مرور الوقت، لم تعد الدولة مجرد إطار للحكم، بل تحولت إلى عقيدة سياسية مغلقة، ترى في أي مشروع عربي أوسع تهديدا مباشرا لسيادتها الهشة.

ارتكبت الأنظمة العربية الخطأ التاريخي الأكبر: بدل أن تجعل الدولة بوابة للوحدة التدريجية، جعلتها جدارا عازلا، وبدل أن تُبقي العروبة أفقا جامعا، دفعتها إلى الهامش أو حولتها إلى خطاب مناسباتي يعلو في الخطب ويسقط في السياسات. جرى استبدال الأمة بالمواطنة الضيقة، ثم استبدلت المواطنة نفسها بمنطق الولاء للنظام، لا للمجتمع. وهكذا انخفضت السياسة من مستوى المشروع إلى مستوى البقاء.

الدولة القُطرية العربية، في صورتها السائدة، لم تُنتج سيادة حقيقية بقدر ما أنتجت سيادات صغيرة متوجسة. كل دولة كانت الجار، وتراقب الداخل، وتستدعي الخارج عند الحاجة، وتعيد تعريف الأمن القومي على مقاس النظام الحاكم.

بهذا المعنى، لم تكن التجزئة مجرد إرث استعماري، بل صارت ممارسة يومية تُدار بأيد عربية، أحيانا بحسن نية، وأحيانا بوعي كامل، لكن دائما بنتائج مدمرة.

ما خسره العرب فعلا

ما خسره العرب لم يكن فقط الأرض أو الفرصة، بل المدى؛ خسروا القدرة على التفكير بوصفهم كتلة تاريخية واحدة، خسروا السوق المشتركة قبل أن يبنوها، وخسروا المجال الأمني المشترك قبل أن يصوغوه، وخسروا الرواية الجامعة قبل أن يدافعوا عنها. والأخطر من ذلك أنهم خسروا الجرأة على الاعتراف بأن الانقسام لم يعد استثناء مؤقتا، بل صار قاعدة تحكم كل شيء: السياسة، الإعلام، الثقافة، الاقتصاد، وحتى المخيال الشعبي.

خسر العرب أيضا فرصة التمكن من موقع تفاوضي عالمي؛ في عالم لا يعترف إلا بالتكتلات، لا قيمة لدول متفرقة تتنازع على الفتات، بينما تملك فيما بينها كل عناصر القوة: الطاقة، الموقع، السوق، التاريخ، والوزن البشري. لكن بدل أن تتحول هذه العناصر إلى نفوذ جماعي، جرى استخدامها داخل منطق التنافس الداخلي. كل دولة أرادت أن تكون مركزا، فصارت أطرافا متجاورة، وكل نظام أراد أن يحفظ سلطته، فساهم في إضعاف الجميع.

حين صار بعض العرب جزءا من التشرذم

الأخطر أن التمزق العربي لم يعد ناتجا عن التدخل الخارجي وحده، بل صار يُدار أيضا بأيدٍ عربية. بعض القوى الإقليمية لم تتعامل مع الاستقرار العربي بوصفه مصلحة مشتركة، بل بوصفه ساحة لإعادة تشكيل النفوذ. وفي أكثر من ملف، من اليمن إلى ليبيا مرورا بالسودان، بدا أن دعم أطراف بعينها، وتسليح تشكيلات موازية، وتغذية الانقسامات المحلية، دخل ضمن حسابات النفوذ لا ضمن منطق الدولة الجامعة.

في اليمن، ارتبط الدور الإماراتي بدعم قوى محلية موازية للسلطة المركزية، وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي، بما عمّق الانقسام داخل معسكر الحرب نفسه بدل أن يضغط نحو تسوية تحفظ وحدة الدولة.

وفي ليبيا، وثّقت تقارير أممية وغربية أن أبو ظبي كانت الداعم الخارجي الأهم لقوات خليفة حفتر خلال الهجوم على طرابلس، عبر السلاح والدعم الجوي والتمكين السياسي، وهو ما أسهم في إطالة أمد الحرب وترسيخ الثنائية المسلحة بدل الدولة الواحدة.

أما في السودان، فقد بلغ التدخل مرحلة أشد خطورة. فبحسب تقارير أممية ومصادر غربية، وُجهت اتهامات للإمارات بتقديم دعم عسكري ولوجستي لقوات الدعم السريع، في لحظة كان فيها الصراع يتحول إلى كارثة إنسانية واسعة. وفي هذا الملف تحديدا، لم يعد السؤال عن النفوذ السياسي فقط، بل عن مسؤولية الأطراف التي ساهمت في تمكين حرب مزقت الدولة والمجتمع معا.

وفي مصر، كان الدعم العسكري، مثل الطائرات التي حلت في مطار ألماظة محملة بالسلاح والمرتزقة، وجاء عبر الدعم السياسي والاقتصادي العميق للنظام العسكري، بما عزز نموذج الاستقرار السلطوي على حساب المجال العام، ورسخ علاقة تقوم على النفوذ والاعتماد أكثر من قيامها على الشراكة المتكافئة. بهذا المعنى، لم تكن العلاقة مع القاهرة مجرد استثمار اقتصادي، بل جزءا من رؤية إقليمية تفضل الدولة المنضبطة سياسيا على الدولة الحية اجتماعيا.

حرب الطوفان وفضيحة الموقف العربي

جاءت حرب الطوفان لتضع هذا كله تحت ضوء فاضح لا يرحم؛ لم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل لحظة اختبار أخلاقي وسياسي، كشفت من يقف مع نفسه ومع تاريخه، ومن يتصرف كأنه مجرد متفرج خائف.

في هذه الحرب ظهر الفرق الفادح بين الشارع العربي والسلطة العربية؛ تحرك الشارع.. غضب، وتعاطف، واعتبر ما يحدث في غزة مسألة تمس وجدانه وكرامته ومصيره.

أما معظم الحكومات، فاختارت لغة الحسابات الباردة، وتقدمت لديها أولويات التهدئة والتوازن وتجنب الإرباك الداخلي، والحرص على العلاقات الدولية، على أي التزام سياسي أو أخلاقي تجاه القضية المركزية، ومنهم من دعم الاحتلال بكل ما يحتاجه من مؤن معيشية.

هذه الفجوة ليست طارئة، إنها النتيجة الطبيعية لعقود من الفصل بين الشعب والقرار. الحكومات العربية، في أغلبها، لم تعد ترى في فلسطين مركزا للصراع العربي مع المشروع الصهيوني، بل ملفا حساسا تجب إدارته بحذر حتى لا يفسد العلاقات أو يُربك المفاوضات أو يُحرج التحالفات. وهنا تحديدا ينكشف معدن الأنظمة: حين تتعرض غزة للدمار، لا يسأل كثير منها ماذا يجب أن نفعل، بل ماذا يجب أن نتجنب؛ وهذه قمة الانحدار السياسي.

لم تفضح حرب الطوفان الاحتلال وحده، بل فضحت المنطقة الرسمية العربية أيضا، فضحت عجزها، وترددها، وانشغالها بنفسها، وانقطاعها عن مزاج شعوبها. والأخطر أن بعض الأنظمة لم تتصرف فقط بصمت، بل تصرفت أحيانا وكأن القضية الفلسطينية عبء يجب احتواؤه، لا جرح عربي يجب الانتصار له. هذا الانقلاب في الأولويات ليس تفصيلا؛ إنه دليل على انهيار البوصلة، وهذا ما أخبر به السنوار حين قال: إن هذه المدينة ستفضح كل المطبعين والمنبطحين والمتخاذلين.

حرب إيران الأخيرة وكشف الوهم الأمريكي

جاءت حرب إيران الأخيرة لتضيف درسا أكثر قسوة: أن الحماية الأمريكية التي رُوّج لها لعقود بوصفها مظلة استقرار، لم تكن في لحظة الاختبار سوى وعد هشّ كشف حدود نفسه. حين انفجرت المواجهة، ووجدت دول عربية نفسها في مرمى الصواريخ والطائرات المسيّرة والارتدادات الأمنية والاقتصادية، بدا المشهد كما لو أن هذه الدول تُركت تواجه الخسائر وحدها بينما ظلّت واشنطن تتصرف بوصفها مديرا للأزمة لا طرفا في مسؤوليتها.

لم يكن ما حدث مجرد خلل تكتيكي، بل فضيحة استراتيجية: أن تُبنى عقيدة أمنية كاملة على فكرة حماية خارجية، ثم يتبين أن هذه الحماية لا تمنع الكلفة، بل تضمن فقط أن يدفعها العرب أولا.

لقد تعرّت هشاشة هذا "المظلة" بشكل فجّ؛ دول الخليج التي استضافت قواعد أمريكية وراهنت على الردع الأمريكي اكتشفت أن وجود القواعد لا يعني بالضرورة الأمن، وأن التحالف مع القوة العظمى لا يمنع سقوط الأذى على الاقتصاد والبنية التحتية والملاحة وسلاسل الطاقة.

وفي لحظات الهجوم، لم تكن الدول العربية هي صاحبة المبادرة، بل الساحة التي تتلقى الضربات، بينما انكشفت حقيقة مرة: أن حماية الخارج قد تتحول إلى عبء، وأن الارتباط بالتحالفات لا يساوي بالضرورة امتلاك قرار سيادي مستقل.

لم تكشف هذه الحرب فقط هشاشة الردع، بل كشفت أيضا أن كثيرا من العواصم العربية لا تملك خطة أمن قومي مستقلة، بل تعيش داخل هندسة خارجية تُدار من واشنطن وتل أبيب وتُترجم محليا إلى القلق والانتظار والامتثال.

وحين سقطت الضربة الأولى، تذكرت المنطقة العربية أنها طوال عقود كانت تُطمئن نفسها بحماية لم تختبر بعد على محمل الجد. وفي الاختبار، ظهر أن العرب، مرة أخرى، هم من يدفعون الثمن المالي والسياسي والاجتماعي، بينما يتصدر الآخرون سردية القوة والردع.

الإعلام بوصفه شريكا في التبديد

إذا كانت السياسة قد قسمت العرب، فإن الإعلام في كثير من حالاته ساعد على تثبيت هذا الانقسام. لم يعد الإعلام العربي، في جانب واسع منه، أداة لتشكيل وعي جمعي، بل صار أداة إعادة إنتاج للحدود السياسية ذاتها. كل شاشة تتحدث بلسان دولة، وكل سردية تُفصّل بحسب ميزان علاقاتها، وكل خبر يُنزع من سياقه العربي الأوسع ويُعاد تقديمه كحدث محلي أو أمني أو إنساني منزوع السياسة.

هذا التحول كان فادحا، فحين يتنازل الإعلام عن دوره في بناء المعنى، فإنه لا يصبح محايدا، بل يصبح تابعا، وحين يختبئ خلف الصياغات الملساء واللغة البيروقراطية، فإنه لا يخفف التوتر، بل يخفف الحقيقة.

وفي لحظات الحرب الكبرى، لا توجد جريمة إعلامية أشد من أن تتعامل مع الدم باعتباره مادة قابلة للتأجيل، أو مع الكارثة باعتبارها مجرد "تطورات". اللغة هنا ليست وصفا فقط؛ إنها موقف، ومن اختار أن يخفف اللغة، اختار أن يخفف المسؤولية. ولكم في إعلام انقلاب يوليو في نكسة 67 الذي زيف الوعي حتى أفيق على أشر هزيمة مُنيت بها الدولة القُطرية في العصر الحديث.

في حرب غزة، بدا جزء من الإعلام العربي كأنه يخشى من وضوح الحقيقة أكثر مما يخشى من الجريمة نفسها. وهذا السلوك لا يمكن قراءته إلا كعلامة على أزمة أعمق: أزمة مؤسسة فقدت استقلالها، وأزمة خطاب لم يعد يثق بالجمهور، وأزمة نخبة تخشى الصدق لأنه يفرض عليها موقفا، ولكم في إعلام الإمارات مثال الذي تبني السردية الصهيونية بدلا من السردية الفلسطينية المستحقة للتأييد والنصرة.

من الهوية إلى الاستبداد

لم تفشل القومية العربية فقط لأنها تعرضت للتفتيت الخارجي، بل لأنها وُظفت داخليا على نحو سيئ؛ استُخدمت بوصفها غطاء للسلطة، لا بوصفها أداة لتحرير المجتمع.

رفعت الأنظمة شعار الوحدة، لكنها منعت الوحدة السياسية الحقيقية، تحدثت عن الأمة، لكنها حكمت بمنطق الطائفة أو العائلة أو الحزب أو الجهاز الأمني، وعندما احتاجت إلى شرعية، استدعَت العروبة؛ وعندما شعرت أن العروبة قد تمنح الناس حق السؤال، أغلقتها. هنا وقع التحول الأخطر: القومية التي كان يفترض أن تفتح الباب أمام مشروع تحديث عربي حر، صارت جزءا من منظومة الاستبداد. فبدل أن تكون العروبة رابطة فوق القُطرية تسمح بتكامل السياسات، تحولت في بعض التجارب إلى أيديولوجيا ثقيلة تبرر القمع باسم التاريخ، وتؤجل الديمقراطية باسم المعركة، وتحتكر الحقيقة باسم المصلحة العليا.

والنتيجة أن الناس فقدوا الثقة في الشعار لأنهم رأوا كيف يُستخدم ضدهم، وأكبر دليل سقوط أصنام الناصرية المقيتة التي كانت في ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب.

ما الذي بقي من الفكرة؟

مع ذلك لم تمت الفكرة العربية؛ الذي مات هو ترجمتها السياسية الرسمية، لا جذورها العميقة.

ما يزال هناك شعور عربي عابر للحدود، يظهر في كل أزمة كبرى، وفي كل جرح مفتوح، وفي كل حرب تكشف أن الحدود لم تفلح في قتل الإحساس بالمصير الواحد.

ما يزال العربي، في لحظة الصدق، يشعر أن ما يصيب غزة أو بيروت أو دمشق أو بغداد أو الخرطوم أو صنعاء ليس شأنا خارجيا؛ هذا الوعي الشعبي هو ما تخشاه الأنظمة، لأنه يفضح هشاشة الحدود التي ادعت أنها نهائية، وها هو أسطول الصمود أكبر مثال عربي شعبي عالمي يكسر أصنام القُطرية على أعتاب غزة هاشم.

لكن الوعي الشعبي وحده لا يكفي؛ الشعور ليس سياسة، والاندفاع ليس استراتيجية، والتعاطف ليس بديلا عن التنظيم. إذا أراد العرب أن يستعيدوا ما فقدوه، فعليهم أن يخرجوا من فخ الخطابة إلى فخ المؤسسة: تكامل اقتصادي حقيقي، وتنسيق أمني لا يخدم الأنظمة فقط، وإعلام مستقل يفضح ولا يروّض، وتعليم يعيد سرد التاريخ بوصفه تاريخا مشتركا لا سلسلة من القطيعة.

الخروج من التشرذم

لا يبدأ الخروج من هذا المأزق من القمم ولا من البيانات، بل من الاعتراف الصريح بأن التجزئة لم تعد مجرد إرث تاريخي، بل أصبحت بنية سياسية وثقافية واقتصادية تُدار يوميا. وما لم يعترف العرب بأن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الاحتلال أو التدخل الخارجي، بل أيضا في قابلية الداخل العربي نفسه لإعادة إنتاج الانقسام، فستظل كل محاولة للخلاص مجرد إعادة تدوير للهزيمة.

الحل لا يكون بإحياء الشعارات القديمة بصوت أعلى، لأن المشكلة ليست في ضعف الصوت بل في خواء المشروع. المطلوب هو إعادة بناء فكرة المجال العربي على أسس عملية: تنسيق سياسي لا يُدار بالمجاملات، وتكامل اقتصادي يتجاوز الجغرافيا المغلقة، وإعلام مستقل يرفع الحقيقة فوق الحسابات، وتعليم يعيد تعريف التاريخ العربي بوصفه تاريخا مشتركا لا سرديات متجاورة.

أما السيادة، فلا بد أن تُفهم بوصفها قدرة على التعاون لا على الانغلاق، وعلى حماية المصير الجماعي لا حماية العزلة. والأهم من كل ذلك أن تستعيد الشعوب العربية حريتها ودورها بوصفها مصدر الشرعية الحقيقي، لا مجرد متلقٍ للخطاب الرسمي. فكل مشروع عربي لا يمر عبر الناس سيظل مشروعا هشا، وكل وحدة لا تبدأ من وعي اجتماعي وسياسي واسع ستبقى حبرا على ورق. وحدها الإرادة الشعبية، حين تُترجم إلى مؤسسات وحريات ومساءلة، تستطيع أن تنقذ ما تبقى من المجال العربي من التآكل الكامل.

ختاما

يجب أن نقر بالحقيقة الصارخة؛ أن العرب لم يخسروا لأنهم أقل عددا أو أضعف موارد، بل لأنهم قبلوا أن يُداروا كجزر منفصلة.. خسروا لأنهم سمحوا للقوى الخارجية أن ترسم لهم خرائطهم، ثم سمحوا لأنظمتهم أن تؤبد تلك الخرائط، ثم سمحوا لإعلامهم أن يجمّل الانقسام، ثم سمحوا لخطابهم السياسي أن يختزل الأمة إلى مناسبات. هذه ليست أخطاء متفرقة، بل سلسلة متصلة من التنازل عن الذات.

لم تصنع حرب الطوفان هذا الواقع، لكنها كشفت عُريه الكامل، وأظهرت أن كثيرا من الحكومات العربية لا تتحرك انطلاقا من شعور بانتماء عربي مشترك، بل من خوف من تداعيات المشهد، ومن حرص على التوازنات، ومن هوس دائم بتأمين موقعها داخل نظام دولي لا يحترم إلا من يحسن فرض نفسه. ثم جاءت حرب إيران الأخيرة لتؤكد أن الوعد الأمريكي بالحماية لم يكن سوى مظلة مكشوفة، وأن العرب حين احترقت أطرافهم دفعوا الخسائر وحدهم، وهذا هو جوهر المأساة: أن يفقد العرب القدرة على التصرف كأمة، ثم يُطلب منهم أن يدفعوا ثمن غياب الأمة.

العرب اليوم أمام سؤال لا يمكن الهروب منه: هل يريدون أن يبقوا مجرد دول متجاورة تتبادل البيانات، أم يريدون أن يستعيدوا فكرة المجال الواحد الذي يملك لغة واحدة ومصيرا واحدا وكرامة واحدة؟ ما لم يُحسم هذا السؤال، ستظل النتيجة نفسها: خرائط كثيرة، وقرار قليل، وصوت عالٍ يخفي فراغا تاريخيا مرعبا.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)