خرائط نتنياهو والتعلق بأهداب السيطرة

نزار السهلي
"عدم مواجهة خرائط الخطر الإسرائيلي يدفع الحكومة الإسرائيلية لتحديد مصير المنطقة"- جيتي
"عدم مواجهة خرائط الخطر الإسرائيلي يدفع الحكومة الإسرائيلية لتحديد مصير المنطقة"- جيتي
شارك الخبر
عدم التأكيد على مركزية المشروع الإسرائيلي في الحرب الأمريكية على إيران، وحصر الأخيرة في جبهة العداء الأبدي والمطلق للمشرق العربي دون إسرائيل، يضع على كاهل نخب إعلامية وثقافية وسياسية مسؤولية كبرى، عند امتهانها عملية بحث مستفيض لتحليل مجريات أحداث المنطقة العربية وظروف اندلاع الحرب أو العدوان. في كل الزوايا نجد أرضية هدمٍ يستند إليها أولئك لتفكيك حلقات الصراع مع رموز جبهة نقيضة؛ مكوناتها المشروع الصهيوني في فلسطين وأطماعه في المنطقة العربية، والدور الأمريكي ومسؤوليته في ترسيخ ودعم هذا المشروع.

تعليق نتنياهو جرس مشروعه، ورفع خرائط سيطرته وعدوانه، مع جملة تصريحات متتالية عن أطماع "إسرائيل الكبرى" وهزيمة وتفتيت المنطقة كلها، تحت ذرائع ومسميات كثيرة، أصبح يتجاهلها بعض الإعلام العربي ونخبه ومثقفيه، بالتركيز على الخطر الإيراني وكيفية هزيمته وكف "شر" أذرعه في المنطقة، وتحويل بوصلة الصراع عن وجهتها الحقيقية الأولى الراسخة؛ من جرائم الإبادة والتطهير العرقي والتهجير والقتل والسيطرة والضم لكل الأرض الفلسطينية، فخريطة نتنياهو بلونها الأحمر ليست الدليل للعين العربية والفلسطينية للانتباه لمركزية المشروع الصهيوني، وقد سبقتها تصريحات وسلوك مستمر لتنفيذ هذا المشروع، لكن من دون تعامل عربي وفلسطيني واضح يضع على كاهله ضرورة مواجهة الوقائع الإسرائيلية.

بعض المنتشين بعربدة القوة الصهيونية وقدرة الولايات المتحدة على تدمير المنطقة، يسقطون عن قصد العداء لهذه المخاطر شماتة بتدمير قدرات إيران، ونكاية بها، وكأن حل القضية الفلسطينية والتحرر من المشروع الصهيوني مرهون بإلحاق هزيمة بإيران، وليس العكس

عدم مواجهة خرائط الخطر الإسرائيلي يدفع الحكومة الإسرائيلية لتحديد مصير المنطقة، وافتقاد الإعلام العربي لصورة قائد عربي يفضح خريطة استيطان صهيوني في مدن الضفة التي تحولت لمعازل فصل عنصري، مع تثبيت صورة الدبلوماسية العربية عند تقديس مفردة "السلام" رغم الجرائم الإسرائيلية المتراكمة والمستمرة، كل ذلك أضاع الأمن القومي العربي وبدده. فبعض المنتشين بعربدة القوة الصهيونية وقدرة الولايات المتحدة على تدمير المنطقة، يسقطون عن قصد العداء لهذه المخاطر شماتة بتدمير قدرات إيران، ونكاية بها، وكأن حل القضية الفلسطينية والتحرر من المشروع الصهيوني مرهون بإلحاق هزيمة بإيران، وليس العكس.

يوضح بنيامين نتنياهو في خريطته "الحمراء" أن سوريا والعراق ولبنان وغزة، أهداف مستقبلية للسحق الشامل، وتحدث عن حدود مناطق أمنية جديدة لإسرائيل العظمى في الجنوب والشمال والشرق، مقابل صمت عربي شامل عن اقتحامات يومية للمسجد الأقصى وعدوان المستوطنين لطرد وتهجير الفلسطينيين من أرضهم. فهذه خرائط لا تثير حفيظة العرب، وكأنها لا تعنيهم، وأن هذا الأمر الواقع بعيد عنهم، وأن إيران هي الشر والعدو، وإسرائيل هي السلام والسند الودود للجميع ولو فرضته بالقوة الساحقة، وكأن "الذي فات مات" من عقود النكبة والهزيمة والاحتلال والجرائم، والتنكر للحقوق الفلسطينية لم يعد يثير السياسة العربية في الوقت الذي ينبغي لها التنبه لمصائرها المرهونة بيد المستعمر الصهيوني والأمريكي.

الأمر اللافت في ذلك كله، أن نقاش الحرب العدوانية الإسرائيلية الأمريكية على إيران، والتعامل مع العدوان على لبنان وفلسطين؛ أصبح مناسبة قوية للبعض للتهجم على القضية الأساسية وربطها مع إيران، كأنه لولا التدخل الإيراني لكانت إسرائيل "سمن على عسل" والتزمت بالقانون الدولي وأقرت بالحقوق الفلسطينية وانصاعت لمبادرات السلام العديدة، ولما تنكرت لأوسلو، وكأن هزيمة إيران وأذرعها ضرورية لتتذوق شعوب المنطقة "العسل الصهيوني" بعد القضاء التام على مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال؛ بعد تيقن المعادين لها بعدم صوابية اختيارهم الاستسلام للاحتلال. لن نجادل أصحاب هذا المنطق التزويري، الذي يدخل في صميم الخداع الصهيوني وتضليل الرأي العام، مع أن إسرائيل نفسها ومن خلال سلوك وتصريحات قادتها يثبتون مزاعم فاشية وعنصرية وتلمودية ودينية ضد العرب كلهم، والحقائق تميط اللثام عن كل التزوير الحاصل تحت ستار من السلام المزعوم.

من المفيد العودة إلى الوراء للتدقيق في طبيعة العقل الصهيوني الذي تجسده حكومة نتنياهو وائتلافه الفاشي العنصري، والذي لم يترك أية أطماع حبيسة هذا العقل دون أن يدلقها في وجه العالم كله، فما كان من خطط وأطماع بالعدوان والسيطرة أصبح أمرا واقعا أو في طريقه للتنفيذ. المشهد العربي الراهن يلعب دوره على مسرح مكشوف من الصمت والتخاذل، والشارع العربي يراقب ما يجري بشيء من الغضب واختلاط المشاعر، فثمة انحطاط مهين في مشهد خرائط نتنياهو، وثمة كرامة يجري سفكها قطرة قطرة من غزة والضفة والقدس، إلى لبنان وسوريا والعراق، وثمة جسور تتحطم مع قضايا عربية وأخرى عامرة مع احتلال كان دوما ولا زال خلف هزائمهم وخيباتهم وشقائهم.

خارطة نتنياهو الحمراء، إشارة إلى لون دم الضحايا العرب والفلسطينيين بسبب إرهاب دولته، وتعكس مشهدا أشد كابوسية ورعبا، بعد مجمل التغييرات الإقليمية التي حملها العدوان على إيران والرد عليه وأثره، وانعكاساته على الأوضاع الداخلية العربية

في القدس وبقية فلسطين، بقية من خارطة عربية مسروقة يرفعها مجرم ولص في وجه العالم، في مشهد عصي على الترميز، حيث وقاحة الفعل الإجرامي تطيح ببلاغة الإيحاء عن السلام؛ هناك بدأ السفور والحقد والإرهاب والرعب، وهناك ترسم خرائط العدوان ويعاد تشكيلها وتفتيتها للترحيب بمن يخضع ويستسلم للواقع، ولمن يرفض تقع على رأسه وأرضه أقسى درجات الإرهاب والجريمة.

خارطة نتنياهو الحمراء، إشارة إلى لون دم الضحايا العرب والفلسطينيين بسبب إرهاب دولته، وتعكس مشهدا أشد كابوسية ورعبا، بعد مجمل التغييرات الإقليمية التي حملها العدوان على إيران والرد عليه وأثره، وانعكاساته على الأوضاع الداخلية العربية، وما ستؤول إليه حال استئناف العدوان مجددا، خصوصا أننا لم نسمع اعتراضا على خرائط نتنياهو ولا صدا لجرائم الإبادة الجماعية في غزة، ولا اعتراضا على أمركة مياه الخليج، ولا تأثيما على فتاوى صهيونية لإعدام الأسرى وتهويد القدس والاستيطان وطرد العرب والسيطرة على ثرواتهم وتحويلهم عبيدا.

كنا نهلل لزعيم عربي، أو قائد، يرفع شعار مواجهة الاستعمار وإسرائيل، وصرنا نحلم بمن يحمل خريطة عربية يحذر فيها إسرائيل من تجاوز خطوطه الحمراء أو سيادته، قبل أن يبادر نتنياهو في تحديد مربعات سكنية في مدن عربية، وتهديد سكانها لإخلائها قبل ثوانٍ من ضربها بقنابل ثقيلة وارتكاب مذبحة محسوسة، فإسرائيل لم تغشنا بجرائمها وإرهابها فتلك ركائز بنيانها الأول والمستمر، وعليه يقوم مشروع "إسرائيل الكبرى" بتكتيك الخرائط الواضحة الأهداف وتعلق إسرائيل بأهداب السيطرة على المنطقة العربية.

x.com/nizar_sahli


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل