كعكة الإعدام ليست استثناء

نزار السهلي
"لمحة موجزة من دفاتر الجرائم والعدوان الشامل والحالي، تفسر الشهية الصهيونية لكعكة الإعدام والإجرام"- عربي21
"لمحة موجزة من دفاتر الجرائم والعدوان الشامل والحالي، تفسر الشهية الصهيونية لكعكة الإعدام والإجرام"- عربي21
شارك الخبر
بدون فتح الدفاتر الصهيونية العتيقة، يمكن العثور على شرح مكثف لدروس فاشيتها الحالية بمتابعة سلوك وتصريحات ونهج حكومة الإسرائيلية، وأيديولوجيا الإبادة والمحو والسحق للشعب الفلسطيني، التي يتفاخر بها إيتمار بن غفير وبتطبيقها على أسرى فلسطين، وتمرير بتسلئيل سموتريتش مشاريع السطو على الأرض، استيطانا وتمويل إبادة للسكان. وكل ذلك يفسر ويختصر عناء قراءة الجذور الصهيونية المهووسة بالتفريخات الدينية المتطرفة التي أنتجها مجتمع استيراد المتعطشين لدماء "الأغيار" وملاحقة فرائسهم بعنصرية واضحة.

احتفاء زوجة وزير أمن الاحتلال بعيد ميلاده، وتقديمها هدية المناسبة "كعكة إعدام الأسرى الفلسطينيين" مصحوبة بعبارة "الأحلام تتحقق أحيانا"؛ هو درس آخر يضاف لدروس علم الاجتماع لتفسير ظاهرة التعطش للإرهاب، وقتل الأطفال والنساء والشيوخ وتدمير ممتلكاتهم وسرقتها ومحو أثرهم. لا يمكن إخفاء الهدف من وراء ذلك، فخلفية المشاهد المتراكمة من غزة وجنوب لبنان، مع صورة شرب نخب قانون إعدام الأسرى ثم الابتهاج بكعكة المشنقة، هي فيض ما تلقنه العقلية العنصرية لتلاميذها وجنودها، لنزع الصفة الإنسانية عن العرب عموما، وعن الفلسطينيين أصحاب الأرض والتاريخ والحضارة على وجه خاص.

الفلسطيني في أرضه مدرج في أجندة العقلية الصهيونية على قائمة الترانسفير، والإبادة الجماعية، وليس غريبا أن تكون الصورة فجة وأكثر وحشية على الشكل الذي انتهت إليه في غزة والمضي في استنساخها بالجنوب اللبناني، لأن محترفي جرائم الإبادة في تصورهم المطبوع من فتاوى الحاخامات ومن أساطير تلمودية عنصرية أن العرب و"الأغيار" دون المستوى البشري الذي يسمح لهم باقتراف المذابح لتحقيق نبوءات دينية عنصرية، لذلك كان نبع التعامل مع أصحاب الأرض في نكبتهم عام 48، أو في مقاومته مقاومتهم للعدوان المتواصل عليهم لسلبهم ما تبقى من أرض، وهو استجابة فعلية لتفريغ حقد التعاليم الصهيونية الفاشية ضد الفلسطينيين.

مواصلة إسرائيل ارتكاب جرائم الحرب والإبادة وضد الإنسانية، وعلو الهستيريا الجماعية ضد الفلسطينيين والعرب مسلمين ومسيحيين، هو أيضا نتاج التساهل الدولي مع هذه الجرائم وتبريرها وفق منطق صهيوني صرف، فالتعامل مع جرائم العصابات الصهيونية طيلة ثمانية عقود، باستخفاف مستمر من دم وقيمة البشر، على قاعدة تقديس توحش إسرائيل لدفاعها عن نفسها بارتكاب جرائم مستمرة، وصياغة قوانين فاشية لهذا الغرض، جعل إسرائيل وقادتها في مراتب مريحة من المحاسبة عن تلك الجرائم.

العالم الذي ظل ينافق عامين كاملين في موضوع أسرى إسرائيل لدى المقاومة في غزة، وصمت عن إبادتها، ويصمت عن إبادة متواصلة في لبنان، يعيد الكرة للمرة المائة بعد آلاف مرات الصمت والنفاق تجاه جرائم عصابات الاستيطان والضم والزحف باتجاه تحقيق عمليات التهويد للأرض، فكل الأوضاع المحيطة بعنصرية وفاشية إسرائيل لا تحول دون استمرارها، فحتى اليوم لم تتبلور مواقف عربية ودولية تثبت فعلا أن القانون الدولي ومرجعياته يمكنها لجم هذه الفاشية، بل على العكس تماما، تتوجه إسرائيل لمواصلة تنفيذ مخططاتها العدوانية بفضل هذا النفاق والدعم الغربي الأمريكي للعدوان، ومن الطبيعي أن ترى إسرائيل في هذا التساهل مع جرائمها ما يكسبها وقتا لسحق الحقوق الفلسطينية، وضرب من يقف عقبة كأداء في طريق تنفيذ مخططاتها العنصرية.

تتكاثف عوامل عدة في إسرائيل، تدفعها باتجاه التعايش مع حكومة أكثر فاشية وعنصرية، والتزمت حيال إنهاء مشروع الدولة الفلسطينية وما يسمى عملية السلام، واستبدال كل ذلك بترسيخ جرائم الإبادة وسن قوانين تطبيق الفصل العنصري. وحكومة نتنياهو ليست استثناء في ذلك، ولا طروحات بن غفير وسموتريتش ودعواتهما لإعدام الأسرى وتحويل كل الأرض الفلسطينية والعربية لساحة استيطان واسعة بعد اكتمال الجرائم، بقدر ما هي تعبير عن طبيعة التعبئة الفكرية التي مارستها وتمارسها الصهيونية على أتباعها خلال قرن من الزمان.

لمحة موجزة من دفاتر الجرائم والعدوان الشامل والحالي، تفسر الشهية الصهيونية لكعكة الإعدام والإجرام، وتوالي مشاهد العدوان من غزة الى الضفة والقدس مرورا بمشاهد النسف للقرى والمدن والبيوت في لبنان وسرقة ما فيها وتدوين عبارات عنصرية؛ خير دلالة على ما تتسم به العقلية الصهيونية التي تعمد الى تحويل أحلام أساطيرها الفاشية لحقائق يمكن التعايش معها ويمكن لعالم اليوم التستر عليها. ولعل البراعة الصهيونية تبلغ ذروتها في التمدد بالعنصرية والإرهاب والتطرف المشبع بالحقد والتعصب الديني، غير أن قاموس الإرهاب الصهيوني لا يمكنه إغلاق كل المصطلحات التي تبرر فاشيته، فالدأب المستمر على تشويه صورة الفلسطينيين ونضالهم والاعتماد على حملة مسعورة من إرهاب الدولة المدعوم أمريكيا بسياسة ترهيب وترغيب العرب والفلسطينيين بهذا النمط الفاشي؛ كان في الأصل القاعدة التي استند عليها المشروع الصهيوني لقيام بنيانه، وسيكون القاعدة التي تعمل على تآكل كعكة الفاشية التي سيلتهمها في النهاية طهاة العنصرية في المنطقة العربية.

x.com/nizar_sahli


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)