رغم كل ما قيل ويقال عن الحرب الدائرة بين
إيران وإسرائيل والولايات
المتحدة، وكثرة السيناريوهات التي يدلقها محللو هذه الحرب الذين يملأون الفضاء
الإعلامي ضجيجا ونواحا على الأمن
العربي، من تأثير الرد الإيراني على
عدوان أمريكا
وإسرائيل بعدوان يطال دول المنطقة العربية، إلا أنه لم يصل لمستوى الذعر الحقيقي
من العدوان الوحشي
الإسرائيلي على الأرض
الفلسطينية وعلى لبنان الذي يتعرض لجرائم
إبادة جماعية، ولم يكن لخطط بنيامين نتنياهو صدى من الخوف أو الحزم بإعلانه تغيير إسرائيل
لعقيدتها الأمنية، باحتلال أراضٍ عربية جديدة في الجنوب اللبناني والسوري والفلسطيني،
بعد تقويض أمن المنطقة العربية كلها والإقليم بفعل العدوان على إيران، واستخدام
مظلته للسيطرة على المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين، والمضي في تغيير الأمر
الواقع تحت وطأة الضغط الشديد في الحرب.
أقدمت سلطات الاحتلال على إغلاق المسجد الأقصى أمام المصلين، ومن ثم منعت
الصلاة في الكنائس المسيحية في عيد "أحد الشعانين"، مع استمرار عمليات
تهجير المقدسيين وهدم المنازل والسطو عليها، بالإضافة لاستمرار جرائم الحرب
والإبادة في غزة وهجمات المستوطنين على مدن وقرى الضفة الفلسطينية. فقبل اندلاع
الحرب الإيرانية مع إسرائيل وأمريكا، كان لدى الاحتلال كم هائل من الذرائع المحمية
أمريكيا لتبرير العدوان، وقبل ولادة "الجمهورية الإيرانية" بثلاثة عقود،
كانت النكبة الفلسطينية والهزيمة العربية وبعدها عدة حروب إسرائيلية عدوانية على
العالم العربي؛ استهدفت الوجود الفلسطيني وحقوقه، وتحولت إسرائيل من جسم مرفوض في
المنطقة العربية إلى جسد مقبول أن يتعرى أمامه الأمن العربي كله.
حتى لو هُزمت إيران في هذه الحرب أو بعدها، وتغير نظام الحكم، وعاد العرب بذاكرتهم وواقعهم لزمن إيراني سابق له علاقة مميزة مع أمريكا وإسرائيل، فذلك لن يغير واقع الحال إلا في جزئية هدف التحكم الإسرائيلي المباشر في أمن المنطقة. ولأن إيران كدولة ونظام لن تخوض معارك عربية وفلسطينية لا في الماضي والحاضر
وحتى لو هُزمت إيران في هذه الحرب أو بعدها، وتغير نظام الحكم، وعاد العرب
بذاكرتهم وواقعهم لزمن إيراني سابق له علاقة مميزة مع أمريكا وإسرائيل، فذلك لن
يغير واقع الحال إلا في جزئية هدف التحكم الإسرائيلي المباشر في أمن المنطقة. ولأن
إيران كدولة ونظام لن تخوض معارك عربية وفلسطينية لا في الماضي والحاضر لإنجاز
مهمة دحر الاحتلال، فإن المهمة الأمريكية الإسرائيلية لن تنضب في استيلاد أوهام
جديدة للعرب والمنطقة، وخزان الحجج ممتلئ لتفتيت الإمكانيات العربية وتشتيتها عن
العدو الأساسي الذي يقول لهم أريد أرضكم ونفطكم وأموالكم وأمنكم ثمنا لهذا الوهم
العدائي. فحديث الرئيس ترامب المتكرر بسخرية واستعلاء ووقاحة عن سياسات وقيادات
عربية وإسلامية، لم يكن زلة لسان، ولن يكون إلا ترجمة لعقلية عدوانية مريضة لا
تستطب بمديح زعيم، وطمعا لا نهائي بثروات المنطقة.
لقد نجحت إسرائيل بدعم أمريكي في إمكانية الرهان على الخلافات العربية؛ من
قضية احتلالها للأرض الفلسطينية والعربية ومن عدوانها المستمر، فأصبحت الذريعة
والسردية الصهيونية هي كل جدول أعمال الاجتماعات العربية، وتتصدر التقارير الإعلامية
الرسمية، واليوم يمثل العدوان على لبنان والتوغل في أرضه وكذلك سوريا ثقل وعمق
وفداحة عدم التصدي لجرائم وعدوان اسرائيل على الشعب الفلسطيني وأرضه. فكل ذلك
وغيره، يعرفه بنيامين نتنياهو والإدارة الأمريكية، ولذلك ليس من المستغرب أن يحسم
نتنياهو قدرة إسرائيل على إحداث تغيير نوعي في الشرق الأوسط والرهان على محاور
جديدة يكون لإسرائيل فيها الكلمة الأولى والأخيرة في تغيير خرائط المنطقة
الجيوسياسية والديموغرافية.
كل دلائل العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران ولبنان والعراق وسوريا،
وقبلها غزة والقدس والضفة، غير مبشرة، لا في قضية الأمن العربي المشترك، ولا على
قضية العرب المركزية "فلسطين" والتي نجحت إسرائيل والإدارة الأمريكية في
إنزالها من التصنيف المركزي بتحويل بوصلة العداء نحو إيران. فإدارة ترامب مصممة
على الاستمرار في مسيرة التطبيع تحت وابل العدوان والسحق والتوسع الصهيوني في
المنطقة، وعودة الأمور الفرضية في إيران لفترة ما قبل ولادة الجمهورية الإيرانية
بزعامة الولي الفقيه، يجب أن تكون متطابقة عربيا إلى حد بعيد مع ما كان سائدا من
احتلال على الأرض ومتسع أكثر، بمعنى إعادة احتلال الجنوب اللبناني كله واحتلال
الضفة وغزة، وإسقاط رمزية وجود "الكيان الفلسطيني" سلطة ومؤسسات وغيرها،
مع السحق الكلي لأي مقاومة لهذه الغطرسة والفاشية بإنزال جرائم إبادة وحرب على
سكان المنطقة.
خلال ثمانية عقود كان الغضب العربي الظاهر هو سيد كل البيانات والكلام في مواجهة دولة الاحتلال، تلاشت هذه الظاهرة، وأطلق بعض النظام العربي على نفسه اسم الواقعي، أو المتعقل في مواجهة حقائق كثيرة
هنا لا يسعنا سوى البحث عما يؤرق ويغضب السياسة العربية فعلا، فخلال ثمانية
عقود كان الغضب العربي الظاهر هو سيد كل البيانات والكلام في مواجهة دولة
الاحتلال، تلاشت هذه الظاهرة، وأطلق بعض النظام العربي على نفسه اسم الواقعي، أو
المتعقل في مواجهة حقائق كثيرة، وبعدها أصبحت بعض التصرفات والسلوك العربي أمام
العدوان الإسرائيلي خارجة عن دائرة الوصف وحساب المصالح وحماية الأمن والتفكير
بالقضية نفسها أو بالاحتلال؛ اختلت المعايير، وأُسقطت بديهيات أمنية وأخلاقية
وسياسية مباشرة مرتبطة بالحقوق الفلسطينية، وإيران لم تكن هي المعنية بخفوت الغضب
العربي وتقويض سياساته، ولن تكون رافعة له، فالقضية عربية بالدرجة الأولى من
المسؤولية عن أمنها، إلى سلامة قضيتها وشعبها من النكبة إلى الإبادة الجماعية.
فاستنفاد العرب كل عوامل الغضب من جرائم المؤسسة الصهيونية، كان يستدعي في
الماضي مراجعة سياسية لكل طريق الوهم الممتد عقودا طويلة نحو الرهان على أمريكا
واستلطافها، أما اليوم فيستدعي ما هو أبعد من لجم الضغط الأمريكي واستعلائه على
النظام العربي واحتقاره المشترك مع عتاة الفاشية الصهيونية لشعوبهم وسيادتهم، وهذا
أضعف الإيمان قبل أن تطبق إسرائيل قرارها بسيادتها على المنطقة، لأن المفجع أن
هناك من يريد لهذه الكارثة أن تتوج بـ"نصرٍ"، بل إن هناك من يسعى لأن
تتسيد إسرائيل على المنطقة وهو بحالة شكوى مستمرة من شعارات نفوذ إيران في
المنطقة، بينما إسرائيل وأمريكا تسعى لتقسيم وتفتيت وتقزيم الطموحات العربية؛ ليس
بالشعارات، بل بمزيد من الخراب والفوضى والحرب والعدوان، فلا شيء بقي في الجعبة
العربية في عاصفة الخوف من عدوان وبطش إسرائيل العاصف لجميع أوهام السلام، مع
استنفاد عوامل الغضب والقوة والأمن والمصلحة بغير مكانها الصحيح، فلا عضلات أمريكا
وإسرائيل ستجلب سلاما ورخاء على المنطقة أو تغير صورتهما الاستعمارية، ولا عضلات
طهران إن ترهلت أو انتفخت ستستعمر أرض العرب وتسوق شعوبها "عبيدا"
تحقيقا لنبوءة توراتية تلمودية بعد فرض سلام الإبادة الجماعية على العرب.
x.com/nizar_sahli
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.