سلام وحروب أمريكا وإسرائيل

نزار السهلي
"سلسلة من سياسات وثوابت مشتركة بين الإمبريالية الأمريكية والمشروع الصهيوني في المنطقة العربية"- جيتي
"سلسلة من سياسات وثوابت مشتركة بين الإمبريالية الأمريكية والمشروع الصهيوني في المنطقة العربية"- جيتي
شارك الخبر
كان على أمريكا، في اجتهادات زعيمها الشعبوي العنصري دونالد ترامب، أن تقود العالم إلى سلامٍ، فهو الذي ردد لجمهوره عن قدراته الخارقة لإنهاء سبع حروب، وأنه لو كان رئيسا لما اندلعت حروب ومشاكل في عالم سُرقت منه الزعامة لأربعة أعوام، لكن مع عودته المثقلة بشعارات "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" وبعد 14 شهرا من اجترار شعارات كثيرة عن الحرب والسلام والاقتصاد والأمن والمال، وإشاعة الرفاهية والرخاء واستنباط جنة السلام في حياة الأمريكيين والحلفاء وإسرائيل، كل ذلك لم يكن سوى فقاعة حاول الإمساك بها بعض الغارقين في الوهم الأمريكي الإسرائيلي.

فحرب أمريكا وإسرائيل على إيران لم تكن مفجرة لهذه الفقاعة، بل تتويج لسلسلة من سياسات وثوابت مشتركة بين الإمبريالية الأمريكية والمشروع الصهيوني في المنطقة العربية، ومحاولة أمريكا الانقلاب على ذاتها من خلال شعبوية الرئيس ترامب ومهمته المدمجة في إقامة سلام وفض النزاعات الدولية ولعب دور قوي في السياسة الدولية، وتقديم نفسه بمهمة إنقاذ للكرة الأرضية.. لم يصمد هذا الانقلاب بالعودة للأصل العدواني الاستعماري المنقاد خلف الأحلام والمشاريع الصهيونية في المنطقة العربية والعالم، وسقطت معها أكاذيب إخماد الحروب أمام حقائق اشتعالها وتوسعها على جبهات تسع أو عشر، فكل الأهداف الأمريكية من وراء الحرب المشتعلة في المنطقة تكمن في تمتين القوة الاستعمارية الإسرائيلية وحمايتها.

كل ما يجري الآن من عدوان إسرائيلي أمريكي على إيران ولبنان، لا يغير من طبيعة الأهداف الأساسية التي وضعتها إسرائيل بخصوص إجهاض الحقوق الفلسطينية والقضاء على فكرة السلام

كل ما يجري الآن من عدوان إسرائيلي أمريكي على إيران ولبنان، لا يغير من طبيعة الأهداف الأساسية التي وضعتها إسرائيل بخصوص إجهاض الحقوق الفلسطينية والقضاء على فكرة السلام بمفهومها العادل التي طالما تهربت منها، ونجحت في هذه الجولة من العدوان من جر أمريكا خلفها لتدفيع كل المنطقة أثمانا باهظة تقود لإخضاع المنطقة للشروط والنفوذ الاسرائيلي عليها، لكن تحقيق المطامح الصهيونية الأمريكية سيبقى يصطدم بوقائع مغايرة، فما يحدث محصلة انعطاف كبير في الدور الأمريكي المباشر في خوض أمريكا حروب إسرائيل، ويتجاوز شروط السلام المزعوم، وتحقيق الحسم الكامل على الجبهات المشتعلة في ايران وفلسطين ولبنان والعراق ودول الخليج العربي، ويتجاوز شروط التسوية السياسية، فالأصل الظاهر هو إسرائيل واحتلالها وتوسعها، فإذا تجاوزنا مظاهر البكاء الصهيوني بشأن قدرات إيران الصاروخية أو من مشروعها النووي المزعوم، تقفز أمامنا وقائع حقيرة من عدوان الاستيطان والتهويد في الضفة والقدس وآثار الإبادة الجماعية المستمرة في غزة، وتهديد كل دول المنطقة بقدرة إسرائيل على سحق من تريد فيها.

لا يخفي أحد من المسئولين الإسرائيليين طبيعة سياسات وبرامج دولتهم بما يخص مستقبل الأرض الفلسطينية والعربية، فكلها في العقل الصهيوني تمثل "إسرائيل الكبرى" القادمة يوما ما، والتي ستمكن إسرائيل من إحكام السيطرة والثبات في المنطقة العربية، أما تزيين شعارات "مجلس السلام" وإخماد الحروب فلم تحمها من الاهتراء السريع، وبصورة لم يكن يتخيلها مناصرو ترامب نفسه، ولا المصدومون من حلفائه الذين يواجهون الاعتداءين الإيراني والإسرائيلي. أسوأ من ذلك، الجميع يراقب كيف سينزل ترامب نفسه عن شجرة العدوان التي دفعه نتنياهو لتسلقها وبطرح أهداف من قبيل إسقاط نظام الولي الفقيه بسرعة وتدمير المقدرات الإيرانية، إلى الانحدار فقط بالحث على تأمين مضيق هرمز لعبور ناقلات النفط. فواقع العدوان ومواجهته ما زالا يقدمان تعابير مغايرة لطموحات نتنياهو- ترامب، وإغراء العالم الغربي والعربي بضرورة الانخراط بهذه المواجهة لم يتضح بعد.

الحملة المكثفة التي شنها ترامب ونتنياهو، في سياق تبرير العدوان، ولإقناع زعماء عالم يشككون أصلا في جرائم الإبادة الجماعية في فلسطين، وبأن ما أنجز من جرائم حرب وضد الانسانية، يهدف لتحقيق سلام عن طريق شن العدوان على من يرفض منطق وسياسة الغطرسة الصهيونية الأمريكية، ولكن إن وضعنا البلاغة الدعائية الشعبوية لترامب ونتنياهو، والتي تشرح لتغيير بوصلة عدو العرب في المنطقة، اي إزالة الخطر الإيراني من الوجود، فلا يبقى أمام العرب وشعوبهم إلا الأصل المتجذر في العدوانية والعنصرية والتوسع والاستيطان والقتل والتهويد والتهجير، وكلها منسوبة للجذر الاستعماري الصهيوني ومشاريعه الاقتلاعية للشعب الفلسطيني والمنكرة لحقوقه التاريخية.

العالم بعد العدوان على إيران ورد الأخيرة عليه بعدوان على دول عربية واشتعال جبهات جديدة من المواجهات، لن يكون كما قبله

لذلك عدوان إسرائيل وأمريكا على إيران، أو استفراد إسرائيل بلبنان كما غزة من قبل، يلغي كل النقاط المرتبطة بمفهوم السلام والتطبيع وغيره، ومن هنا الإعلانات الأمريكية الفورية المتناقضة عن تحقيق أهداف العدوان، أو إخماد الحروب، أو في سياسة الابتزاز الأمني والاقتصادي، تُفهم بوضوح بأن الفوارق المختلفة لحروب وسلام أمريكا وإسرائيل على المنطقة العربية والإقليم هي من أجل غاية إجرائية يصار من بعدها إنهاء للقضية الفلسطينية، فكل القرارات الأساسية التي اتخذتها إدارة ترامب بما يخص ملف فلسطين والمواقف من جرائم إسرائيل ثم خوض معركتها الإيرانية، تُصاب بإخفاق كبير، لأنها لم تعالج جوهريا أي من الأوصاف التي يهذي بها ترامب لا في قضايا الأمن، ولا الاقتصاد وبحبوحة الشعب الأمريكي، ولا في تأمين مطلق لمظلة العدوان الإسرائيلي.

أخيرا، العالم بعد العدوان على إيران ورد الأخيرة عليه بعدوان على دول عربية واشتعال جبهات جديدة من المواجهات، لن يكون كما قبله، والعمل المستقبلي من أجل السلام المنبثق عن مجلس ترامب يبدو أنه معاق وغير شرعي وخارج القانون الدولي، فالسلام والحرب في عقل ترامب ونتنياهو ينبع من خارج المنظومة الدولية، ويبدو أن حيل الخطابات وتبادل المديح بين هؤلاء وزعماء عرب وغيرهم؛ انحرفت كثيرا عن واقع عربي وإقليمي لا تحل مشكلاته بالمراوغة المستمرة وبالعدوان الدائم.

x.com/nizar_sahli
التعليقات (0)

خبر عاجل