يظهر جزء من أزمتنا
العربية الفكرية واضحا
في
حرب الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية على
إيران المندلعة حاليا؛
فللأسف ينظر كثير من المحللين بل المعنيين السياسيين إلى ما يحدث على أنه وليد
اللحظة، أو حتى عقد مضى، أو ربما قبلها بعدد من السنوات، دون أن يكلفوا أنفسهم
بالنظر طويلا إلى الهيمنة الأمريكية على العالم، وخوف الكيان من ظهور قوة عسكرية
لها امتداد حضاري تستطيع منافحته، وتطهير فلسطين المحتلة منه، وربما إخراجه من
واقعه العالمي اليوم، بحيث يصير العالم من دون وجود دولة صهيونية تذيق أعداءها
العرب الويلات بطرق مختلفة؛ أولها النزاع المباشر بالقوة القسرية، أو الإغراق في
الضعف، وصولا لتحقيق حلم "إسرائيل الكبرى" كما تجددت التصريحات
الصهيونية مجددا مؤخرا.
وشئنا أم أبينا فإن الكيان وأمريكا اتفقا
منذ تاريخ بعيد على العصف بالمنطقة لأهداف بعضها واضح، والآخر ليس خفيا لكن يعز
علينا أن نتذكره دائما لأنه يؤلمنا ويذكرنا -للأسف- بعجزنا عن الفعل الحضاري بل
مجرد التفكير الخاص به.
في آخر أفلام الفنان الراحل عبد الحليم
حافظ "أبي فوق الشجرة"، إنتاج 1969م، ومن إخراج الراحل حسين كمال، عن
قصة قصيرة للراحل إحسان عبد القدوس، وفي أغنية "قاضي البلاج" الهزلية، سئِلَ
حافظ عن رأيه عن عمر السيدات فقال بأنه يفتي كل "الفتوات"
و"النسبية والذرّة إلا عمر الستات". وشاهدنا وما يهمنا هنا هو تعبير:
"النسبية والذرة"، فما جاء على سبيل الهزل يصلح بقوة كمفتتح لتناول
الأحداث المريرة اليوم، وبدلا من الاندياح خلف الكلمات يجب التأكيد على النقاط
التالية كمفتتح لتفكير طويل ربما "يجب" أن نتناوله -وربما غيرنا إن أحب-
لاحقا:
1- فكرة القوة الحضارية الأمريكية المادية
المتصلة بغلَبة السلاح والمقذوفات البشرية والمسيّرة بل الأساطيل، على حساب الحق
البشري في الحياة شبه الآدمية، ولسنا نقصد هنا في هذا السياق بالطبع الدفاع عن الإيرانيين
العاديين فحسب؛ بل دفاعا عن كل مظلوم في العالم اليوم، بداية من فلسطين، ومرورا
بالمحرومين من الحياة السوية في مصر، بل في أمريكا نفسها من الزنوج وغيرهم. فلماذا
لا يستعرض السيد دونالد
ترامب عضلاته في مصالح بلاده التي توافق ترهات عقله؛ سائرا
على خطى سابقيه لكن "ببجاحة" أشد؟ ولله در القائل إنه لو احتُلت الكويت
اليوم فلن تهب أمريكا لنجدتها؛ كما فعلت في أوائل التسعينيات لأن بترولها اليوم لم
يعد كما كان وقتها!
2- هل نظام الملالي الإيراني الذي جاء الخميني
به عام 1979م على يد الغرب نفسه الذي يحاربه اليوم، والذي نصره سابقا وتركه يتوغل
في العراق وسوريا ولبنان وغيرها.. هل هذا النظام على حق؟ نقر بأنه نظام ظالم انداح
علينا -كأهل سنة- بشكل عام؛ فراغ في دمائنا وأكثر منها، ولكن هل الحل هو اجتثاث
النظام الإيراني؟ ومن ثم ترك إيران للفوضى كما العراق وغيره -سلم الله الجميع-؟
3- لما اندفع صدام حسين لحرب الخميني في
الثمانينيات من القرن الماضي، وأوقف مطامع الأخير؟ ومع عدم اعترافنا بأحقية صدام
فيما فعله، لكن لماذا ترك أهل جوار العراق صدام لاحتلال دولة منهم في 1990م، ولم
يسعفوه ببعض المال إبقاء على القوة الخطأ بمواجهة النظام الخطأ؟ ثم أفلا تجني دول
الجوار العراقي اليوم عاقبة مثل القرار المتهور الذي انتهى تنفيذه في 2003م
باحتلال العراق، ولم ينته تأثيره لليوم؟
4- لماذا نترك كـ"جزء من عرب قادرين على
دفع المال"، وبالتالي توهم الدفاع الأمريكي عن بعضنا، فيما نترك بذات الوقت
فلسطين ليغرقها الصهاينة؛ فلا ندفع إلا للدفاع عن مقاعدنا وأنفسنا فقط؟ وهل نبدو -بهذا-
عاديي الإحساس لدى الذين ندفع لهم، والذي يمثل رأسهم السيد ترامب؟
5- لماذا نكتفي -نحن العرب والمسلمين- بمجرد
الكلام والكتابة دون أي فعل حضاري يغير الواقع؟
6- منذ متى امتنعنا عربا ومسلمين عن الفعل
الحضاري الذي يساوي صناعة سلاح ودواء ومن قبلهما طعام؟
7- عندما ينتهي السيد ترامب من التهام النظام
الإيراني أفلن يستدير للصين بداية، ويترك الكيان، أو يعاون الكيان تارة ويترك
الصين تارة قليلا، ثم "يندار" أو يلتفت لباكستان، وتركيا، ومصر؟
8- ماذا نريد اليوم -كدول إسلامية- وهي حرب
"نسبية" و"ذرّة"، أي أن هذه الحرب محملة بكل خطايا الغرب
وخطايانا في بيع وشراء القوة وأدواتها، لكي نظل أحياء من جانبنا؟ فالدول التي لا
تملك المال تبيع قرارها -باستثناء زمني للبعض وهو نسبي أيضا- وإننا في النهاية
أمام نسبية وقوة.. فكيف نفتي ونعي ونفهم ونتغير؟!
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.