قل هدنة معركة ولا تقل انتصر طرف في الحرب!

محمد ثابت
"إننا أمام حرب بدأت مع إيران منذ عقود، وتتغير مفردات معاركها، ولكنها لم تنته مثلما أنها لم تبدأ بأيار/مايو الماضي"- الأناضول
"إننا أمام حرب بدأت مع إيران منذ عقود، وتتغير مفردات معاركها، ولكنها لم تنته مثلما أنها لم تبدأ بأيار/مايو الماضي"- الأناضول
شارك الخبر
تحير الإشكاليات الخاصة بالشكل والمضمون فيما يخص واقع الأمة العربية الإسلامية مما يجعل كثيرين في حيرة من أمرهم: أتلك الحيرة متعمدة؟ أم إنها عفو الخاطر الجمعي؟ وهل من الممكن أن تغيب مسلّمات عن البعض في وقت بالغ الضراوة، فضلا عن غياب ضروريات كالتذكر الدائم لخليط من التجارب وطبائع الأمور والحذر من الخلط في الضروريات؟ فيطرح هذا السياق نفسه خاصة عند العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران مؤخرا -لا أعادها الله- والتي حين جاءتها هدنة انشغل الطرفان بتأكيد انتصارهما، رغم أن الهدنة لا تعني نهاية؛ بل إعادة لملمة أوراق القوة التي تخص الطرفين تمهيدا لاتخاذ قرار يستأنف النزال -ولا نرجوه بالطبع- أو يوقفه:

1- يجب أن ندقق على المستوى الشكلي في الفارق بين كلمتي حرب ومعركة، فالحرب ممتدة؛ ووارد بل إنه من المسلّم به أن تحتوي الحرب عدة معارك، أما المعركة فالمواجهة المباشرة بين أطراف أو طرفي النزاع والتي يمكن أن تتجدد ثانية، وهلم جرا من فترة لأخرى ما دام النزاع، أو باستمرار طرفيه -سلّم الله المخلصين- ومن مجمل المعارك المتعددة تكون حرب!

يخطئ الظان بأن هذه معارك أمريكية على إيران، وهل جمع معركة على معارك عسكريا يجوز إذا كان الأمر يتعلق بإشكالية واحدة متعددة؟ فمن المسئولين الأمريكيين من أعلن صراحة عن تجدد الحرب الصليبية

2- في حالة النزاع الإيراني- الصهيوني/الأمريكي نحن أمام حالة حرب لا معركة واحدة؛ بل صراع يندلع على فترات، وأخذ شكل المعركة الاقتصادية لعقود لا سنوات؛ وتحول خلال سنوات من المعركة الاقتصادية لمعركة باردة تشتعل لشرارة يراها أحد الطرفين كافية، ويندفع آخرون لمؤازرته، كما فعلت الدولة الصهيونية ومناصرتها أمريكا.

3- حتى الرؤية الأخيرة المذكورة في النقطة الماضية فيها التباس في بعض جوانبها: فَمَنْ يمكنه الجزم بأن تجدد النزاع أو المعركة كان من الممكن اجتنابه لولا هذا أو ذاك السبب على النحو الذي نوضحه بعد قليل؟

4- يخطئ الظان بأن هذه معارك أمريكية على إيران، وهل جمع معركة على معارك عسكريا يجوز إذا كان الأمر يتعلق بإشكالية واحدة متعددة؟ فمن المسئولين الأمريكيين من أعلن صراحة عن تجدد الحرب الصليبية؛ أما الصهاينة فقال قائلهم بملء الفم بالمعركة الأخيرة بوهمهم الأزلي: "إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات".

5- لا يمكن أن ينكر منصف عاقل أن النظام الإيراني نظام ظالم توسع ظلمه ليشمل دولا عربية كالعراق وسوريا ولبنان، وبالتالي فإننا ندافع هنا عن شعب إيران لا النظام، وأن الذين يريدون الحكم على الملايين بإيران لاختلاف ما إنما يدلسون المعاني للأسف؛ وإلا فكما صرح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان من أنه إذا الصهاينة والأمريكان أفلحوا في الانتصار على الإيرانيين فإن الدور على سوريا وتركيا!

6- وكان التتار أو المغول إذا قرروا غزو بلد هجموا عليه ببساطة فسلبوه وأعلنوا اكتفاءهم به، حتى يطمئن غيره وهكذا دواليك. ورغم نجاح هذا الأسلوب إلا أن الغرب ممثلا في أمريكا والصهاينة طوروا أدوات الشر، فخلطوا أوراقا، بالإضافة لتغير العصور وكوننا بزمان يجب أن تتعدد فيه السرديات الإعلامية!

يخطئ الظان بأن هذه معارك أمريكية على إيران، وهل جمع معركة على معارك عسكريا يجوز إذا كان الأمر يتعلق بإشكالية واحدة متعددة؟ فمن المسئولين الأمريكيين من أعلن صراحة عن تجدد الحرب الصليبية

7- ينبغي أن نعرف أن المعركة الرئيسية بين الولايات المتحدة والصهاينة ضد حضارة كالإسلامية -للحد من إمكانية نهضتها وبالطبع بقاء الصهاينة محتلين لفلسطين وما أمكنهم غيرها- والأصل أن الغرب يخشى إمكانية أن تخلف الحضارة المادية الحالية القائمة على القوة لا العدل، وعلى رفاهية البعض لا أمن العالم؛ فهي حضارة ظالمة تعرف حق المعرفة أنها ستمضي لكن يهمها أن تؤخر هذا ما استطاعت. ثم إنها لا تود أو تحب أن تخلفها حضارة عادلة تمحو آثارها؛ وتسلط الصهاينة لتحقيق جزء من أهدافها، والحضارة الغربية تحرص على ألا تخلفها الصين؛ ويكفيها خوفا أن تدحرها الأخيرة فتذهب بمكتسباتها!

8- هذه الحرب مع إيران عنوانها ألا تمتلك إيران أدوات عسكرية تستطيع قلب المنضدة على الصهاينة وتذيق أمريكا الويلات بالتالي، بل تبقى إيران ضعيفة، ويكفي ما حازته باكستان تحديدا من قوة نووية، ويكفي باكستان ما فيها من مشكلات، ومعادلة إيران وباكستان فيها من الاختلاف ما فيها، لكن الغرب ممثلا بأمريكا والصهاينة يرون الخطر من إيران الآن أولا.

9- هل هو تعدد رؤى غربية أتى بإيران بنظام الملالي بداية من الخميني، ثم لم يلبث الغرب أن حاربها ثم وقف ضدها بنفسه؟ أم أنه الخوف من تداعي الأحداث على نحو غير محبوب؟ أم الرغبة في بيع مزيد من الأسلحة وتجديدها؟ على كل حال، فإن الأمر لن يختلف بهذا السياق.

10- إننا أمام حرب بدأت مع إيران منذ عقود، وتتغير مفردات معاركها، ولكنها لم تنته مثلما أنها لم تبدأ بأيار/مايو الماضي.

سلم الله جميع من يحب الخير بهذا العالم من شرور الظالمين.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)