هل محاولة الإصلاح "نزهة" يمكن التراجع عنها؟!

محمد ثابت
"يعرف المصلح نفسه وطريقة بصورة مميزة، وليس بدء فعل الإصلاح بقابل للتراجع عنه ما لم يُعلم صاحبه الآخرين"- Pixabay/Mohammed Hassan
"يعرف المصلح نفسه وطريقة بصورة مميزة، وليس بدء فعل الإصلاح بقابل للتراجع عنه ما لم يُعلم صاحبه الآخرين"- Pixabay/Mohammed Hassan
شارك الخبر
تتخذ بعض القرارات الحياتية في حياة بعض البشر طابعا يحمل أمانة وشرفا لم تطاوله حتى الأرض والجبال؛ فإن كانت ورقة مقواة متوسطة الحجم نحملها بين أيدينا عند الدول التي تعترف بمكانة وحق الإنسان في الحياة تمثل عقد وصول بأمان وسلامة، وتلك المنزلة تقدرها وتعمل على دقة وأمان مسارها الضمائرُ النزيهة والقلوب المؤمنة بخير الإنسان والبشرية قبل تلك الدول، وإن كان أصحاب الضمائر يتمنون ويأملون؛ فمع الفارق فإن قرارا يتخذه إنسان بأن يكون مصلحا؛ فلا يكتفي بصلاح نفسه، وإنما يخرج للناس والحياة مقررا رغبته في النهوض بها وبهم وبالتالي أمته؛ فإن مثل هذا القرار لأهم ما يعقده أحدنا من عهود بينه وبين نفسه -ما لم يتراجع صاحبه عنه لاحقا معلنا اكتفاءه بذاته وخاصته- ويشهد الله تعالى على الأمر، وبذا عظم وعظمت الرسالة التي يحملها كاهله؛ يؤمل من صاحبه أن يكون عالما بما يُصلحُ الأمة، وأن يكون خبيرا -كلُّ في مجاله - بالداء؛ عاقدا العزم على علاجه رويدا رويدا، فإن قصر دونه العمر أخذت الراية أجيال من بعده، سواءٌ كانت من صلبه أو منتمية لصلب كلماته ورفاقه كإخوة لدرب واحد مخلصين له، عرف بعضهم بعضا أم لم يعرفوا:

1- أخبرنا رسولنا -صلى الله عليه وسلم- أن "العلماء ورثة الأنبياء، وأن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر" (رواه الترمذي وغيره)، كما أخبرنا الرسول العظيم في حديث آخر: "مَثل العالم الذي يعلّم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه" (رواه الطبراني). إذن فالمصلحون الصادقون يسيرون على درب النبوة، وإكمال رسالتهم، ويا لها من مهمة!

2- في هذا السياق يصبح التربح من أمر كهذا، وكسب المال من أجل الأبناء والأصهار والأحفاد وهلم جرا، جرما بشعا، فإذا علمنا أن ثوارا لا يعرفون تمام عظيم المعاني هذه أفنوا أعمارهم وبذلوا أرواحهم في سبيل استقرار الحياة السوية لقومهم -والأمثلة يقصر دونها التعبير، فتشي جيفارا وغيره بذلوا الغالي والنفيس- فكيف لا يخجل الذي علم وفهم عن الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام؟

3- يعرف المصلح نفسه وطريقة بصورة مميزة، وليس بدء فعل الإصلاح بقابل للتراجع عنه ما لم يُعلم صاحبه الآخرين، فمعيب جدا أن يستمر آخرون في التبعية لكلماتنا، فيبذلون الغالي والنفيس من أنفسهم وهناءات بيوتهم واهلهم، ومنهم آباء ذهب العمر منهم بعيدا ويحتاجون أبناءهم؛ لكنهم آثروا الصلاح الجمعي وتركهم، فإن تراجع كبير منهم، بخاصة إذا كان قائدا ترك في بعض الأحوال أناسا من قومه وتابعي خطاه يعانون في المعتقلات، أو لا يجدون مستشفى يعالجون فيه، وهو فرحٌ براحته وخاصته!

4- إذا كان أولئك المصلحون ملح الأرض، وإذا لم يكن للعلم تمام إلا العمل، فإن قول الشاعر بمثل حال المنسحبين في النقطة السابقة مؤلم غاية الإيلام:

يا معشر العلماء يا ملح البلد   ما يصلح الملح إذا الملح فسَد

وطيب الله ثرى الشيخ محمد الغزالي -عليه رحمات الله- لما قال إن أقواما لم يجدوا غايتهم في الدنيا وصحبة أهلها، فوفدوا على الدعوة مبتغين مصالحهم؛ فأفسدوا الدنيا ولم يبقوا لنا الدعوة التي نتمناها، أو لا نرضى سواها.

5- أوَ ليست الأمة التي تعاني في فلسطين، وأهلنا في غزة، والمتضررون من غيمة تلف الربيع العربي في أنحاء وطننا العربي، بالإضافة لبلدان مسلمة نتخوف عليها مما يحاك لها، إضافة لبلدان غربية وغير غربية فيها المسلمون أقليات يعانون كأقصى ما تكون المعاناة أو حتى أقل قليلا.. أوَ ليس كل هذا بباعث لكل الذين يملكون ضميرا؟ فإما أن يكونوا في هذا الجانب الذي يخص الإخلاص قولا وعملا وتحمل للتبعات أملا في إشراقة شمس مميزة على هذا العالم، في ظل الرضا عن جميل العطاء وحسن الجزاء من رب العباد، أو أن يكونوا في الجانب الذي يرضي أنفسهم وخاصة ذويهم!

6- من عادات النفس البشرية البالغة أن الذي يعرف طريق الصلاح والإصلاح لسنوات؛ ثم يغض الطرف عنهما يصعب انتظار أن يعود إنسانا عاديا بعدها -إلا مَنْ رحم ربي- فإن الإنسان العادي يُرجى له وينتظر أن يعلم ويعرف الطريق إلى لذة أسمى من كل لذة بخدمة الناس والإحسان إليهم وانتظار الأجر من ربهم -سواء اكتفى بالصلاح أو جاوزه للإصلاح- لكن الذي عاش الشعور وقلاه ونساه ماذا يُنتظر منه؟!

7- عاش الرسول الحبيب العظيم وصحابته الكرام والرسل والأنبياء والمصلحون لهدف أسمى من هذه الحياة وأركانها، عاشوا من أجل ازدهار الخيرات بين جنبات هذه الأرض التي أرادوها معمورة باللون الذي يغلب عليه الاخضرار، وأرادوا خير البشرية، وحتى مَنْ وهبهم الله المال بذلوه من أجل الهدف والغاية الأسمى، ففيم تأخذ الدنيا طرف من كانوا في طريقهم؟ وإلى أين تسوقهم؟

8- حُرِمَ شهيد دخول الجنة في "بردة" أو عباءة استأثر بها نفسه من غنائم معركة خيبر السابقة قبل توزيعها، بحسب الحديث الشريف الذي رواه الإمام مسلم.

9- إن عظيم المعاني وجليلها لا يعظم إلا لدى كل صاحب نفس عفية بالخير، كريمة بالإخلاص، وإن أقل القليل من القول كافٍ لتنبيه تلك النفوس!

10- ما قيمة حياتنا ووجودنا إذا ما جئنا لهذا العالم نأكل ونشرب وننام دون غاية أو بصمة إصلاح تبقى من بعدنا؟ وهل يرضى صاحب ضمير عن ترك العالم على هذا النحو دون أن يقول كلمة، أو يبذل مجهودا -كلُّ حسب طاقته- للتغيير؟

11- يحب الإنسان أن يرى آخر بنفس حيزه، يعاني مثلما يعاني، لكنه يتحمل أكثر، ويضرب المثل في المثابرة بعد التصبر، وبمثل أولاء ينهض المصلحون والأمم، وهذه الأسوة والقدوة الحسنة ترتفع بأمتنا حتى تبلغ رسولنا العظيم؛ فلماذا يبخل البعض بنفسه وبها، ويُربك غيره خاصة الشباب وضعيفي التحمل؟

12- رحم الله أحمد شوقي أمير الشعراء القائل:

قف دون رأيك في الحياة مجاهدا    إن الحياة عقيدة وجهاد


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل