لا يستطيع إنسان أياً كان بعد مضي عصر الأنبياء والمرسلين الزعم بأنه أحاط بالحق والحقيقة من جميع جوانبهما، ولعلها جزء من أبرز جوانب تيه العقل البشري اليوم، فيظن الظان أن كل الحق معه في مختلف شئون حياته، فهو المربي الأول حينما يربي أبناءه، وهو الطبيب الذي يراجع دواءه وطعامه، والبعيد عن الأخطاء والخطايا إذا عاتبه أحدهم أو همّ بنصحه، فلا يقبل منه كلمة ويحرجه برد مفحم. ورحم الله شيخنا الغزالي لما قال ما معناه: إن البعض يحسن في مجال من مجالات الدنيا فيتدخل في آخر لا يحسنه وكأنه أجاد بالمجالين لإجادته بواحد منهما.
وللأسف الشديد، فلأسباب منها من ظن البعض الخيرية المطلقة بنفسه، تؤتى بالإجمال أبواب كثيرة من أبواب الصلاح والإصلاح في الأمة، فإذا كان كل متطوع للخير يظن بنفسه عدم الخطأ او الخطيئة وفعل الصواب على الدوام فمن أين -يا ترى- أوتيت الأمة وتراجعت؟ وما سبق لا ينفي وجود الكثير من أهل الخير والصلاح الذين يحبون أن يراجعوا، ويقبلون الصواب إذا ما اتضح أو شرحه أياً كان لهم:
1- يقول الله تعالى في سورة الكهف: "إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدى"
(الآية 13)، ذلك لأن
الشباب أكثر تقبلاً للاختلاف ونزولاً على رأي المُختِلفِ معهم إن رأوه صواباً، ولا يستطيع منصف إنكار أن كبار السن لما تصفو نفوسهم يكونون أقدر على تفهم
الرأي الصائب، لكن لماذا لا يؤخذ بالأمرين معاً، فلا يُستبعد شاب دون الثلاثين أو حتى العشرين من مجالس الرأي؟ وقد تخطّى الرسول -صلى الله عليه وسلم- مجرد أخذ الرأي لتولية سيدنا أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- في الأيام الأخيرة من حياته الطاهرة الشريفة، للثأر من الروم عقب "معركة مؤتة" وفي الجيش وقتها كبار الصحابة الكرام، فكيف يصر طرف من الأمة اليوم على أخذ القرار بعيداً عن الشباب؟!
2- من دلائل وعلامات عظم ديننا الإسلام التي قد تغيب عن بعض العاملين به، أن شيئاً من الإحاطة به من جميع جوانبه لا تكون إلا لكبار الدعاة المخلصين، والمقصود بالأخيرين المحاولين الإلمام بديننا.
3- لسنا بمعرض سرد كيف وصول عمدة نيويورك زهران ممداني لمنصبه ولا شيئاً من تقييمه، ولكننا نتوقف أمام اختيار طرف من الغربيين -ولو قليل- لشاب دون الأربعين ومسلم مختلف معهم في الديانة إذا وثقوا في قدرته على حل مشكلاتهم، فلماذا فيما يخص جهد المسلمين الأهلي لا يتطوع طرف من كبار السن المتطوعين لنصرة وخدمة طرف من مجتمعاتنا وقضاياها؟ وكيف يبقى كبار السن في المقدمة وإن قصرت دون بعضهم القدرة على المواصلة والتنقل؟
4- هل يتخيل أحد الذين يرفضون أن "ينازعهم" أحد الرأي بل يسخرون منه علناً -أياً كان وكانت نيته- أننا يمكن أن نقوم من نومنا ذات صباح فنجد
الناس جميعاً يرتدون نفس الثياب، يسيرون بنفس الاتجاه، يقصدون نفس المطاعم والمواصلات والأعمال، ويعودون معاً في نفس التوقيت للبيوت، أو يرتادون المساجد، هل يظن أحد المستأثرين برأيهم أن الحياة ستصبح حياة وقتها؟
5- وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ
أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إلا مِنْ رحم ربك ولذلك
خلقهم" – (هود: 118-119). وفي تفسير القرطبي نقلاً عن بعض ذوي العلم أن الله
خلق الناس للاختلاف!
6- ما يضير البعض لو اختلفت الآراء ولم يؤخذ بما يريد في أمر ما؟
أوَ ليس بحبه الأخذ برأيه دائماً يحكم على نفسه بحب رأيه؟
أو البحث عن مصلحة من ورائه؟
ماذا لما يكون رأيه غير مناسب في لحظة خطيرة من حياة الأمة؟
7- "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ
كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ
وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ
عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ" (آل عمران: 159).
لم يكن الرسول العظيم يلزم الصحابة الكرام برأي واحد، بل كان حريصاً على استجلاء
آرائهم، وفق الأمر الإلهي ثم رحمة من نفسه بهم، وبذلك تجمعوا حوله وأحبوه أكثر من
محبتهم لأنفسهم وأهاليهم!
8- أوَ ليس حمل طرف من الأمة على رأي واحد وإن أدى لسيلان الدماء يدفع ببعض الناس للمشقة، خاصة أن آراء أخرى تنصح بالتريث والتمهل والانتظار، وإن أخذ بعضهم بالرأي الذي فيه شدة ثم لم يتراجع، وإنما جاء بعد حين فأنكر موقفه الأول بالكلية، أو ترك الناس يصطلون وظل في مكانه يبرر لقراره؟.. وصدق الله تعالى:
"أَلَمْ
يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى"!
9- يربط البعض بين الاختلاف في الرأي والعمل لصالحه،
أي يدخل الاختلاف في الرأي في ما يعرف بـ"لقمة العيش". ومع إيماننا التام بأن الله تعالى تكفل بالرزق، ولكن كيف يسوغ البعض لأنفسهم ما لم يسوغه الله في علاه لذاته العليا؟
ومع الفارق الضخم في السياق، صدق الرسول العظيم: "لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ما" (رواه الترمذي وصححه).
10- للبعض الذي يزايد فيرمي المختلف معه بالخيانة يرتكب إثم رفض الرأي الذي لا يوافقه ويرمي البعض بالباطل، ويخيف صاحب رأي معارض له ولو كان صائباً من الجهر برأيه. يقول -على سبيل المثال- شيخ العربية الراحل محمود شاكر -رحمه الله-:
"أحب أن أقول لكل امرئ (عربي شريف) إنه مسئول عن هذه الأمة التاريخية العظيمة المسماة بالأمة العربية مسئولية حقيقية، وعلى كل امرئ أن يبصر بوضوح قبل فوات الوقت".
11- ورحم الله الشيخ الراحل محمد الغزالي مجدداً، إذ يقول -مع الفارق- إن الإلحاد تقع مسئوليته على بعض المتدينين الذين كرّهوا الناس في دين الرحمة باعتماد التشدد واتخاذ جانب لا يحبه الله من جوانب الأخذ برأي واحد!
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.