بمواجهة التفكك الصامت: كيف تحوّل الزواج بمصر من سكن ورحمة لمشروع خوف وقلق؟

أحمد هلال‎
"يسأل الشاب اليوم: ماذا لو انتهى الزواج؟ ماذا سيكون مصيره مع أولاده؟"- عربي21
"يسأل الشاب اليوم: ماذا لو انتهى الزواج؟ ماذا سيكون مصيره مع أولاده؟"- عربي21
شارك الخبر
تزداد أعداد المتخاصمين داخل أروقة محكمة الأسرة في مصر يوما بعد يوم، وتتفكك الأسرة المصرية التي حافظت على صلابتها وقوة روابطها وصلة الرحم والمودة والرحمة والسكينة، ليصبح الطرفان خصمين؛ بما لا يمكن معه القدرة على إرسال حكم من أهله وحكم من أهلها وإن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما.

لم تكن الأسرة المصرية يوما مجرد وحدة اجتماعية عابرة، بل كانت عبر التاريخ الحصن الأخير الذي احتمى به المجتمع المصري من الانهيار، والوعاء الذي حفظ هويته الدينية والأخلاقية والثقافية رغم كل ما مرّ به من أزمات وتحولات واضطرابات سياسية واقتصادية.

فالبيت المصري لم يُبنَ يوما على فلسفة الصراع، ولا على عقلية العقود الجافة والمصالح المؤقتة، وإنما قام على ذلك المعنى القرآني العميق الذي لخّص فلسفة الأسرة كلها في آية واحدة: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّة وَرَحْمَة". إنها ليست مجرد آية تُتلى في عقود الزواج أو تُكتب على جدران البيوت، بل هي إعلان إلهي عن طبيعة العلاقة التي يقوم عليها العمران الإنساني كله: السكن، والمودة، والرحمة.

تتعرض الأسرة المصرية لتحولات عميقة تهدد بتفكيك هذا التوازن الفطري، وتحويل العلاقة بين الرجل والمرأة من علاقة سكن ورحمة إلى علاقة خوف وتحسب وصراع قانوني مفتوح

فالسكن يعني الطمأنينة النفسية، والشعور بالأمان، والانتماء، والاحتواء. والمودة تعني استمرار الروابط الإنسانية رغم ضغوط الحياة وتقلباتها. أما الرحمة، فهي ذلك الخيط الخفي الذي يمنع البيوت من الانهيار عند أول خلاف أو أزمة. ولهذا لم يكن الزواج في التصور الإسلامي مجرد علاقة بين رجل وامرأة، بل مؤسسة لحماية المجتمع نفسه: حماية الأخلاق، وحماية الفطرة، وحماية النسب، وصناعة الإنسان المتوازن نفسيا وروحيا.

غير أن ما يشهده المجتمع المصري في السنوات الأخيرة يبعث على القلق الحقيقي؛ إذ تتعرض الأسرة المصرية لتحولات عميقة تهدد بتفكيك هذا التوازن الفطري، وتحويل العلاقة بين الرجل والمرأة من علاقة سكن ورحمة إلى علاقة خوف وتحسب وصراع قانوني مفتوح.

لقد أصبح قطاع واسع من الشباب ينظر إلى الزواج لا باعتباره بداية استقرار، بل باعتباره مخاطرة مجهولة النتائج. يسأل الشاب اليوم: ماذا لو انتهى الزواج؟ ماذا سيكون مصيره مع أولاده؟ هل سيفقد دوره الطبيعي كأب؟ هل يتحول البيت إلى ملفات ومحاكم ونفقات وصراعات ممتدة؟ هل يصبح الأب مجرد ممول مالي منزوع التأثير الإنساني والتربوي؟

هذه الأسئلة لم تعد هامشية أو فردية، بل أصبحت جزءا من الوعي الجمعي لجيل كامل يعيش حالة قلق متزايدة تجاه فكرة الزواج نفسها. وهنا تكمن الكارثة الصامتة، فحين يتحول الزواج الذي جعله الله سكنا ورحمة إلى مصدر خوف، تبدأ الأسرة في فقدان معناها الحضاري تدريجيا، ويبدأ المجتمع في الدخول إلى مرحلة خطيرة من التآكل البطيء.

إن أخطر ما يحدث اليوم ليس فقط ارتفاع معدلات الطلاق، بل انهيار الثقة بين الرجل والمرأة، وتحوّل العلاقة الأسرية إلى معادلة قانونية باردة يشعر فيها كل طرف بأنه مطالب بحماية نفسه من الآخر.

وفي خضم هذا المناخ المتوتر، يشعر كثير من الرجال بأن بعض الاتجاهات القانونية والاجتماعية الحديثة تتعامل مع الأب باعتباره طرفا ثانويا بعد الطلاق، رغم أنه يبقى مسؤولا نفسيا وماليا وأخلاقيا عن أبنائه. ويشعر كثير من الآباء بأن الأبوة نفسها تتعرض للتجريف التدريجي: رؤية محدودة، وصعوبات في المشاركة التربوية، وأعباء مالية متزايدة، وصراعات قضائية طويلة قد تستنزف الإنسان نفسيا وماديا. والأخطر من ذلك أن وجود الأبناء الذي ينبغي أن يكون بابا للبركة والاستقرار؛ بدأ يتحول في نظر بعض الشباب إلى مصدر خوف من التورط في التزامات قد تنتهي بحرمانه من أبسط حقوقه الإنسانية كأب.

إن المجتمع الذي يبدأ شبابه بالخوف من الزواج، لا يواجه أزمة اقتصادية فقط، بل يواجه أزمة حضارية وأخلاقية عميقة. فالفطرة الإنسانية لا تتوقف، وحاجة الإنسان إلى الارتباط والاستقرار لا تختفي، لكن حين يصبح الطريق المشروع معقدا ومرهقا ومهددا، فإن البدائل المشوهة تجد طريقها إلى الانتشار: علاقات هشة بلا مسؤولية، وعزوف عن الإنجاب، وتفكك اجتماعي، وفردانية قاسية، وتراجع قيمة الأسرة نفسها.

وهنا تبدأ التشوهات البنيوية التي تصيب المجتمعات من الداخل دون ضجيج. إن الأمم لا تنهار فقط بالحروب، بل تنهار حين تفقد الأسرة قدرتها على إنتاج إنسان سويّ ومتوازن نفسيا وأخلاقيا. وحين يتحول البيت من مساحة رحمة إلى ساحة نزاع، يدفع المجتمع كله الثمن: في التربية، وفي السلوك، وفي الاستقرار، وفي الصحة النفسية للأجيال القادمة.

ضرورة مناقشة هذا القانون في الأزهر الشريف باعتباره المرجعية الشرعية الأصيلة وموافقته واعتماد أي تشريع خاص بالأسرة ، وكذلك لا ينبغي التعامل مع الأسرة بمنطق هندسة اجتماعية باردة منفصلة عن طبيعة المجتمع وتكوينه النفسي والديني

ولهذا، فإن أي حديث عن تطوير قوانين الأسرة يجب أن ينطلق من فهم عميق لطبيعة المجتمع المصري وهويته الحضارية والدينية، لا من استيراد نماذج قانونية نشأت في بيئات مختلفة تماما في فلسفتها الاجتماعية والثقافية. فالأسرة المصرية ليست نسخة مستوردة من النموذج الغربي الحديث الذي يعاني أصلا من تفكك واسع وتراجع حاد في معدلات الزواج والإنجاب والاستقرار الأسري.

ومن هنا تتضاعف خطورة تهميش المرجعية الشرعية والثقافية في ملف الأحوال الشخصية، والتي تتمثل في ضرورة مناقشة هذا القانون في الأزهر الشريف باعتباره المرجعية الشرعية الأصيلة وموافقته واعتماد أي تشريع خاص بالأسرة ، وكذلك لا ينبغي التعامل مع الأسرة بمنطق هندسة اجتماعية باردة منفصلة عن طبيعة المجتمع وتكوينه النفسي والديني.

إن الحفاظ على الأسرة لا يعني ظلم المرأة، كما أن حماية المرأة لا ينبغي أن تتحول إلى تهميش للأب أو تفكيك لدوره الطبيعي داخل الأسرة. فالأسرة ليست معركة انتصار بين الرجل والمرأة، بل شراكة تكاملية لا تستقيم الحياة بدون توازنها.

والمجتمع المصري اليوم بحاجة إلى رؤية تعيد الاعتبار لمعنى السكن والمودة والرحمة، وتعيد بناء الثقة في مؤسسة الزواج، بدل تحويلها إلى مشروع قلق دائم؛ لأن الأمة التي يخاف شبابها من الزواج، وتتراجع فيها قيمة الأبوة، ويضعف فيها الاستقرار الأسري، تكون قد دخلت بالفعل مرحلة خطيرة من التفكك البطيء مهما بدا ظاهرها متماسكا. ولهذا فإن الدفاع عن الأسرة ليس موقفا عاطفيا أو محافظا فحسب، بل دفاع عن بقاء المجتمع نفسه، وعن آخر حصونه النفسية والأخلاقية والحضارية.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)