لا أحد يستطيع إنكار نجاح النظام
المصري في "وأد" مجموعات الألتراس
في المحروسة، ضاربا عصفورين بحجر واحد في "تصفية" ألد خصومه بعد "إفشال" الثورة والعبث بمكتسباتها، والانتقام من كل الناشطين أثناءها والزج بهم في
غياهب السجون من خلال تلفيق القضايا وإصدار أحكام مجحفة وعقوبات مشينة بحق الأفراد
المؤثرين في تلك الحقبة، لكن مع ذلك تظل ملفات روابط الألتراس في مصر جديرة بالنبش
والبحث والتقصي ولم تبح بكامل أسرارها بعد رغم كل ما سبق ذكره.
ولعل في خبر خروج الشاب "السيد علي فهيم" الشهير باسم "سيد
مشاغب" هذه الأيام ومغادرته لزنزانته بعد قضائه 11 عاما في السجن وما تلاها
من تداعيات مؤلمة؛ أهمها إعادة
اعتقاله بعد ساعات قليلة فقط من الأفراج عنه،
المؤشر الأبرز على أن النظام المصري لم يشف غليله بعد من هؤلاء الشباب الذين يحظون
بشعبية جماهيرية وينظر إليهم بالريبة والتوجس، والدليل أن تهمة إعادة اعتقال
"
سيد مشاغب" كانت جاهزة للتنفيذ فور وصوله لمنزل أسرته، حيث أصدر قاضي
المعارضات في محكمة جنوب الجيزة قرارا بحبسه لمدة 15 يوما على ذمة التحقيقات بتهمة
"تعطيل حركة المرور وإثارة الشغب وترويع المواطنين ببولاق الدكرور".
لم يمض على مغادرته أسوار السجن سوى ثلاث ساعات لتتم إعادة اعتقاله مجددا،
ما أجج الغضب الشعبي على مواقع التواصل الاجتماعي التي اجتاحها خبر الإفراج عنه
قبل أن تصعق بالتهمة الجديدة، ولعل في تدوينة شقيقه مصطفى على فيسبوك ما يختصر
حالة هذا الشاب وأسرته حين كتب:
"والله والله والله ما كان عايز حاجه غير يروح لبيته وعياله والله
كان تعبان ومرهق جدا، واحنا مروحين في العربية بيقولي انا نفسى انام بس عمال يبص
للشوارع ويقولي الدنيا اتغيرت.. واحنا مروحين نزلت من العربية أشتري له علاج من
الصيدلية مالقيتهوش وقولتلو هجبلك من المنطقة.. جينا نخش الشارع الساعة حوالي 2
صباحا الناس هي اللي هجمت علينا من فرحتهم وشدوا سيد من العربية والله والله ما
كان عاوز ينزل من العربية وما كنا نعرف أن هيحصل كده وكنا قولنا للجيران مش عايزين
حد يسلم عليه ولا يفرحله واحد خارج من 11 سنة سجن أكيد مش هيبقى عايز أذى لنفسه
تاني والله ما كان عايز ينزل وما كان عاوز ينزل غير قدام البيت ويطلع بيته في سلام
وأول ما دخلنا قدام البيت والله كان بيحاول يطلع عالطول وعافر مع الناس وطلع على
شقه أمي دخل الحمام غسل وشه وقعد كام دقيقه وطلع خد شاور حتى وأخد لبس مني، نزلت أجبله
العلاج وطلعتهوله ونزلنا مشينا الناس أقسم بالله أنا وقرايبي.. بعد كده نزل في شقة
أمي سلم على أهله بعد كده قالنا أنا هطلع أنام وأرتاح. وطلع والله شقته قولنا
هينام شويه وينزل يقعد معانا.. لحد ما قبضوا عليه من جوا الشقة الساعة 4:30 الفجر".
وأكمل بلهجة مؤثرة: "أبويا مات مقهور على ابنه، وأمي حاليا ربنا يستر
عليها بعد اللي حصلو، أهله وجيرانه فرحانة برجوعه بعد غياب 11 سنة في شارع جانبي الساعة
3 بليل. أكيد الموضوع مش فيه أي مساس لأي حد والله".
لماذا كل هذا الحقد؟
كان سيد من المتيمين بالساحرة المستديرة وتحديدا بنادي الزمالك الذي انتسب إليه
منذ نعومة أظافره، وبعد محاولات باءت بالفشل من أجل الاستمرار في ارتداء القميص الأبيض
كلاعب، أصر الشاب على التعبير عن حبه لهذا الكيان بطريقة مختلفة وجديدة حينها، من
خلال تأسيس رابطة مشجعي الفريق أو ما يعرف بـ"الألتراس" وأطلق عليها اسم
"الوايت نايتس" التي سرعان ما تحولت لظاهرة غزت الملاعب المحلية
والعربية والأفريقية، لينصّب "سيد مشاغب" على رأس الرابطة أو ما يطلق
عليه حسب مصطلحاتهم "الكابو"، أي القائد والمشرف على المجموعة، وبشهادة
الجميع حينها لم يبخل الشاب عن الفريق لدرجة أنه في إحدى المرات باع ذهب زوجته من أجل
تمويل رفع "تيفو" لافتة عملاقة للاحتفال بمئوية تأسيس نادي الزمالك في
سنة 2011، وحينها استضاف الفريق الأبيض نادي أتلتيكو مدريد الإسباني في اللقاء
الشهير بينهما والذي خطفت فيه اللوحات الفنية في مدرجات ستاد القاهرة الدولي الأنظار،
حيث برع سيد ورفاقه في تسويق اسم وصورة الزمالك في مناسبة عالمية كبيرة.
لكن ومع بداية الثورة انخرط فيها سيد ورفاقه، أسوة بباقي الشباب المصري
الباحث عن الخلاص والانعتاق من استبداد نظام مبارك، وكان لروابط الألتراس دور بارز
بحكم الزخم البشري والتأثير الهائل على قطاع مهم وحيوي، لذلك كان من المنطقي أن
يدفع هؤلاء الثمن غاليا في القادم من السنوات، ولعل في المآسي التي حصدت مئات الأرواح
في "بور سعيد" و"الدفاع الجوي" خير مثال على ما قدمه هؤلاء
الشباب من تضحيات جسيمة من أجل بلدهم. والأحداث الأخيرة بالذات كانت السبب في
اعتقال "سيد مشاغب" والزج به مع رفاق آخرين في السجن بتهمة
"التحريض". وكان من أشهر خصومهم حينها المستشار مرتضى منصور الذي دخل في
صولات وجولات ذائعة الصيت مع الألتراس، مؤكدا أنه لن يتوانى في إنهائها والتنكيل
بأفرادها.
وبالفعل حكم على سيد بالسجن سبع سنوات سنة 2017، ليتم تجديد العقوبة بعد
انتهائها وإضافة قضايا أخرى، على غرار "نشر أخبار كاذبة" وتفاصيل أخرى أوصلت
الحكم في المجموع ليصل إلى 11 عاما، ويبدو أن كابوس هذا الشاب وأسرته لم ينته بعد
رغم كل هذه المدة.
ماذا بعد؟
الاحتفال الشعبي بعودة "سيد مشاغب" سواء افتراضيا وحتى على أرض
الواقع بين جيرانه وأصدقائه أحدث رجة عنيفة لدى النظام الذي لم يدخر وسيلة في
تشويه صورة "الكابو" أثناء فترة اعتقاله، والدليل أن العديد من أصدقائه
انفضوا من حوله وتخلوا عنه بل وتبرأوا منه لاحقا، وهذا ما حفز السلطات على السماح
بخروجه لكن حجم التعاطف مع قضيته وعودة اسمه للأضواء بهذا الحجم الكبير جعلها تعيد
حساباتها من جديد، لذلك لم تدم فرحة أسرته أكثر من ثلاث ساعات فقط ليتم إعادة
اعتقاله مجددا.
هذا الموضوع يستحق اهتماما أكبر والقفز على السخرية من مصطلحات "الألتراس"
وحجم تأثير كرة القدم في الحياة السياسية لأن الدليل ماثل شاخص أمامنا اليوم،
والنظام يعي جيدا هذه النقطة ويعمل بشتى الوسائل على محاربتها دون كلل ولا ملل،
ولكن السؤال المطروح: إلى متى سيتم التنكيل بهؤلاء الشباب الذين دفعوا الثمن باهظا
وخسروا مستقبلهم وزهرة شبابهم في المعتقلات والزنازين المظلمة؟
طالما أحكمتم القبضة على الرياضة والإعلام والهواء والفضاء وأضحت روابط
المشجعين كما تريدونها بعيدة عن رفع الرسائل الاجتماعية والسياسية وباتت تفتقر
للتأثير كما في السابق، فارحموا سيد وأمثاله ممن تركوا الجمل بما حمل ولا يريدون
سوى معانقة ذويهم أو بالأحرى من بقي منهم، والعيش بسلام وأمان..
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.