مصر ضمن الـ10 الكبار اقتصاديا: رؤية إسلامية لنهضة اقتصادية شاملة (35)

علي شيخون
"الزراعة في مصر تحمل بُعدا اجتماعيا لا يستهان به"- عربي21
"الزراعة في مصر تحمل بُعدا اجتماعيا لا يستهان به"- عربي21
شارك الخبر
35- الزراعة والأمن الغذائي

ثمة حقيقة يعرفها كل من أمعن النظر في تاريخ الحضارات، أن الأمة التي تفقد سيطرتها على قوتها لا تلبث أن تفقد سيطرتها على قرارها. والزراعة من هذا المنظور ليست قطاعا إنتاجيا من بين قطاعات، بل هي السيادة في صورتها الأكثر صدقا وعمقا.

لمصر في هذا الباب إرثٌ لا تملكه أمة أخرى بالصورة ذاتها؛ فقد كانت لقرون متطاولة مخزن الدنيا ومطعم الشعوب، وكانت تربتها كنزا يحسدها عليه من لا يملك مثله. ولقد أدرك الحكماء عبر التاريخ في حقب متعاقبة قديمها وحديثها أن مفتاح النهوض يبدأ من الحقل قبل المصنع، ومن النيل قبل الميناء. ومن درس تجارب الأمم التي حوّلت شُحّ مواردها إلى وفرة مزدهرة؛ ندرك أن الإرادة السياسية والعلم والتنظيم قادرة على أن تُنبت الخضرة في أشد البقاع قسوة.

غير أن مصر تقف أمام معادلة بالغة الدقة والتعقيد؛ أرضٌ محدودة، وماءٌ يتراجع، وفم يتسع، وعالم لا يُقدّم قوته هدية لأحد. والسؤال المهم هو كيف تُحوّل هذه الضغوط المتراكمة من أعباء إلى محرّكات للتحديث؟

تجيب هذه المقالة عن هذا السؤال من خمسة مداخل متكاملة؛ أولها تأمل ما تمثله الزراعة حقا في منظومة النهوض المصري، وثانيها مصر خزائن الأرض في الإسلام، وثالثها استحضار ما قدّمته التجارب التاريخية والمعاصرة من دروس نادرة، ورابعها استعراض الاستراتيجيات الكفيلة بتحويل الزراعة المصرية من اقتصاد البقاء إلى اقتصاد التميز، وخامسها مواجهة صريحة للتحديات والمعوقات التي تحول دون بلوغ هذا المأمول.

مصر تقف أمام معادلة بالغة الدقة والتعقيد؛ أرضٌ محدودة، وماءٌ يتراجع، وفم يتسع، وعالم لا يُقدّم قوته هدية لأحد. والسؤال المهم هو كيف تُحوّل هذه الضغوط المتراكمة من أعباء إلى محرّكات للتحديث؟

الزراعة في منظومة النهوض المصري أكثر من قطاع

حين يتحدث الاقتصاديون عن الزراعة يميلون إلى اختزالها في نسب المساهمة وحصص التصدير ومعدلات التشغيل، وهذا كله حقيقي لكنه لا يقول الشيء الأهم.

الشيء الأهم أن الزراعة في مصر ليست نشاطا اقتصاديا عارضا يمكن استبداله أو تأجيله، بل هي وريد يسري في عمق الجسد المصري منذ فجر التاريخ؛ هي التي أسّست الاستقرار ورسّخت الانتماء وبنت تلك الشخصية المصرية الصبورة المتجذّرة في التراب، المُدرِكة أن الحصاد لا يأتي إلا بعد الكد والانتظار.

ولعل أعمق ما تمنحه الزراعة لأي أمة تريد النهوض ليس الغذاء وحده، بل الأمان الاستراتيجي، فالأمة التي تزرع أرضها تملك هامش القرار، وتلك التي تستورد قوتها تستورد معه شيئا من إرادتها. ومصر التي تطمح إلى موقع متقدم بين اقتصادات العالم لن تبلغ ذلك المقام وهي مكشوفة الظهر أمام أسواق الغذاء العالمية المتقلبة.

والحقيقة الثانية التي لا تُقال بما يكفي أن الزراعة في مصر تحمل بُعدا اجتماعيا لا يستهان به؛ فهي الحاضنة التاريخية لملايين الأسر في الريف المصري، وهي التي تربط الإنسان بأرضه وتمنحه هوية لا يجدها في المدينة، وأي إصلاح زراعي عميق هو في جوهره إصلاح اجتماعي، يُعيد توزيع الكرامة قبل أن يُعيد توزيع الدخل.

وثمة بُعد ثالث لا يزال يستحق مزيدا من التأمل؛ أن الزراعة في عصر الغذاء المُعالَج والاعتماد المتصاعد على السلاسل الغذائية العالمية باتت ميدانا للابتكار. فالتقنيات الحديثة التي تُحوّل قطرة الماء إلى سنابل والبذرة المُطوَّرة إلى حقل مكتفٍ، والتربة المتعبة إلى أرض مُنتِجة، كل هذا يعني أن الزراعة لم تتقاعد لتفسح المجال للصناعة والتكنولوجيا، بل إنها هي نفسها أصبحت تكنولوجيا.

من هنا، فإن مصر التي تُحسن توظيف زراعتها لا تكتفي بإطعام شعبها فحسب، بل تبني قاعدة صناعية غذائية وتُرسّخ نفوذا إقليميا وتُحصّن استقلاليتها في عالم لا يرحم الضعفاء. الزراعة إذن هي قلعة الصمود وجسر العبور نحو مصر التي نريد.

حين جعل الله خزائن الأرض أمانة

ليس غريبا أن تكون مصر هي الأرض التي اختارها الله مسرحا لأعمق درس في تاريخ الاقتصاد الإسلامي. فحين طلب يوسف عليه السلام من ملك مصر قائلا: "اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم"، لم يكن يطلب منصبا ولا جاها، بل كان يُعلن عن رؤية استراتيجية متكاملة تقوم على ركيزتين لا تقوم النهضة بدونهما الحفظ والعلم. الحفظ الذي يصون الموارد من الهدر والاستنزاف، والعلم الذي يُحسن توظيفها وتوزيعها في أوقات الشدة والرخاء.

وقد أدار يوسف عليه السلام خزائن مصر الزراعية بعبقرية لم يعرف التاريخ مثلها؛ فخزّن في سنوات الوفرة ما أنقذ الأمة في سنوات القحط، وحوّل أرض مصر من بلد يواجه مجاعة حتمية إلى مركز إغاثة يُطعم الشعوب المجاورة. لم يكن ذلك معجزة خارقة للأسباب، بل كان تخطيطا رشيدا وإدارة واعية وإرادة راسخة، مُستندة إلى علم ربّاني وأمانة نادرة.

التجارب التاريخية والمعاصرة دروس من رحم الأرض

التاريخ الزراعي لم يكتبه المنتصرون في ساحات الحرب بل كتبه الصابرون في الحقول. وحين تقرأ مسيرة الأمم التي حوّلت أزماتها الغذائية إلى نماذج يُحتذى بها، تجد أن القاسم المشترك بينها لم يكن وفرة الأرض ولا غزارة الماء، بل كانت وضوح الرؤية وشجاعة القرار.

- الأندلس حين صنع العقل جنة من قاحلة: لم تكن شبه الجزيرة الإيبيرية حين وطئها المسلمون أرضا سخية بطبعها، بل كانت جافة شحيحة المياه. غير أن العقل الأندلسي لم يُسلّم للطبيعة بالهزيمة فأنشأ منظومة ري هندسية بديعة من قنوات وسواقٍ وآبار ارتوازية تحمل الماء إلى حيث تعجز السماء عن الوصول، وطوّر تقنيات الزراعة المدرّجة على المنحدرات، وأدخل محاصيل لم تعرفها أوروبا من قبل. فكانت النتيجة أن تحوّلت تلك الأرض إلى جنة خضراء أطعمت الأندلس وصدّرت إلى العالم، وتركت إرثا زراعيا لا تزال إسبانيا تعيش على بعض أصدائه حتى اليوم.

- مصر في عهد محمد علي الزراعة كمشروع دولة: حين قرر محمد علي بناء دولة حديثة بدأ من الأرض لا من الجيش. فحوّل نظام الزراعة الموسمية المرتبطة بفيضان النيل إلى زراعة دائمة مستمرة على مدار العام، وأدخل محاصيل استراتيجية جديدة جعلت من مصر موردا أساسيا للأسواق الأوروبية. كانت الزراعة عنده ليست قطاعا بل ذراعا من أذرع السلطة وعمودا من أعمدة السيادة، وأثبت بذلك أن إصلاح الأرض يسبق إصلاح كل شيء آخر.

- هولندا معجزة الإنتاجية في أضيق رقعة: لا شيء في الجغرافيا الهولندية يُوحي بأنها ستكون يوما من كبار مصدّري الغذاء في العالم؛ أرض ضيقة وسماء غائمة وتربة لم تكن في معظمها أرضا أصلا، بل بحر استُردّ منه بالعزيمة والهندسة. غير أن هولندا قرّرت أن تجعل من قيودها الجغرافية مختبرا للابتكار، فطوّرت أنظمة البيوت المحمية المتحكّمة بدرجة الحرارة والضوء والرطوبة، وأعادت اختراع الإنتاجية الزراعية حتى باتت تُنتج من الهكتار الواحد ما يعجز عنه من يملك أضعاف مساحتها. الدرس الهولندي ليس درس الأرض، بل درس العقل الذي يرفض أن تكون الجغرافيا قدرا.

- اليابان في عهد ميجي.. الحقل بوابة المصنع: حين قررت اليابان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أن تنهض كانت الزراعة جزءا أصيلا من مشروعها النهضوي لا هامشا فيه. فأعادت تنظيم منظومتها الزراعية وحدّثت أدواتها، وسعت إلى تحويل فائضها الزراعي وقوتها البشرية الريفية نحو التصنيع الناشئ. وإن كانت العلاقة بين الحقل والمصنع في تلك المرحلة أكثر تشابكا مما تختصره عبارة، فإن الثابت أن اليابان لم تتعامل مع زراعتها كعبء موروث بل كرافعة واعية نحو مستقبل تريده.

- البرازيل وتحويل العجز إلى وفرة: كانت أراضي السيرادو البرازيلية الشاسعة أرضا يصعب استثمارها زراعيا بسبب طبيعة تربتها ومناخها، فقرّرت البرازيل ألا تقبل هذا الحكم، فاستثمرت على مدى عقود في البحث الزراعي المؤسسي لتطوير تقنيات تُلائم بيئتها الخاصة وتُعالج إشكاليات تربتها. وكان الصبر الاستراتيجي الممنهج هو سلاحها الأمضى، حتى تحوّلت تلك الأرض إلى ركيزة من ركائز قوتها الغذائية العالمية.

والدرس الذي تتفق عليه هذه التجارب جميعا لا يتعلق بسرّ تقني خفي، بل بمعادلة بسيطة في ظاهرها عميقة في جوهرها؛ حين تُعامل الدولة الزراعة كأمن قومي لا كقطاع تجاري فحسب، وحين تضع الفلاح شريكا في المشروع الوطني لا مجرد يد عاملة، وحين تربط الجامعة بالحقل والمختبر بالتربة، عندها تبدأ معجزة زراعية حقيقية.

ومما تكشفه هذه التجارب أيضا أن التحول الزراعي الناجح لم يكن يوما حدثا عابرا، بل كان دائما مسارا ممتدا تبنيه أجيال متعاقبة تؤمن أن ما تزرعه اليوم تحصده الأمة غدا. وهذا الأفق الزمني الممتد هو ما يميز الأمم ذات المشاريع الحضارية عن تلك التي تعيش على وقع الأزمة.

استراتيجيات واجبة للنهوض
التحول الحقيقي يبدأ حين تقرر الأمة أن تتعامل مع أرضها كمشروع حضاري متكامل لا كموروث تقليدي يُدار بعقلية الأمس

لا تتحول الزراعة من عبء إلى قوة بالأمنيات، ولا بالخطط التي تُكتب ثم تُنسى في أدراج المكاتب؛ التحول الحقيقي يبدأ حين تقرر الأمة أن تتعامل مع أرضها كمشروع حضاري متكامل لا كموروث تقليدي يُدار بعقلية الأمس، وتنطلق مساهمة القطاع الزراعي في نهضة مصر الاقتصادية من الاستراتيجيات التالية:

- التكامل بين الزراعة والطاقة: مصر تمتلك إشعاعا شمسيا استثنائيا في أراضيها الصحراوية الشاسعة؛ توظيف الطاقة الشمسية لتشغيل منظومات الري وضخ المياه الجوفية في الأراضي البعيدة عن النيل يفتح آفاقا زراعية ضخمة بتكلفة تشغيلية منخفضة. هذا التزاوج بين قطاعي الزراعة والطاقة المتجددة هو أحد أقوى الروافع غير المستغلة في مصر.

- الأمن الغذائي كسياسة خارجية: عندما تُحقق مصر اكتفاءها الغذائي وتمتلك فائضا تصديريا فهي لا تملك فقط قوة اقتصادية، بل تملك ورقة ضغط دبلوماسية حقيقية في محيطها العربي والأفريقي. الغذاء في عالم اليوم سلاح ناعم لا يقل أهمية عن غيره، وأمة تُطعم جيرانها لا تحتاج كثيرا من الكلام لتثبت نفوذها.

- ثورة الماء قبل ثورة الأرض: كل حديث عن زراعة مصر يمر إجبارا من هذا المضيق الضيق، والتحول من الري التقليدي المبذّر إلى تقنيات توصل الماء إلى جذر النبتة لا إلى التربة المحيطة بها، هو في حد ذاته ثورة زراعية صامتة تضاعف الإنتاج دون أن تضيف قطرة واحدة. ترشيد الماء ليس خيارا تنمويا، بل شرط وجود.

- التوسع الأفقي المدروس: مصر تمتلك مساحات شاسعة خارج الوادي القديم تنتظر من يُحسن قراءة إمكاناتها، والتوسع فيها ليس مغامرة في المجهول بل امتداد طبيعي لأمة تعي أن مستقبلها لا يتسع في رقعة ضيقة توارثتها الأجيال. غير أن نجاح هذا التوسع مشروط بأن يصحبه توطين بشري حقيقي وبنية تحتية وخدمات، لا أن يظل أرضا تُزرع ويُهجر من يزرعها.

- من المحصول إلى المنتج: مصر التي تبيع ثمارها خاما تمنح الآخرين فرصة تصنيعها والربح منها، ثم تشتريها مُصنَّعة بأضعاف ما باعتها به. كسر هذه الحلقة المُضعِفة يستلزم بناء منظومة تصنيع زراعي تحوّل المحاصيل إلى صناعات غذائية ذات قيمة مضافة عالية، تفتح أسواقا جديدة وتُرسّخ حضورا تنافسيا حقيقيا.

- تحرير الفلاح: الفلاح المصري يحمل في يده وعقله وخبرته الموروثة ثروة لا تُقدَّر، لكنه كثيرا ما يُحاصَر بين وسيط يأكل هامشه وسوق لا يعرف مداخلها وتمويل لا يصله بسهولة. تحريره من هذا الحصار بإيصال التمويل الميسور والتسويق المباشر والمعرفة التقنية إليه، هو بالضبط الفارق بين فلاح ينتج للبقاء وفلاح ينتج للتميز.

- توطين العلم في الحقل: الجامعة التي تبقى أبحاثها حبيسة أوراقها العلمية، والمختبر الذي لا يجد طريقه إلى التربة، كلاهما يؤدي نصف دوره فحسب. الزراعة الذكية التي تستشعر رطوبة التربة وتُجدوِل الري وتُنبّه إلى الآفات قبل انتشارها لم تعد ترفا تقنيا بل ضرورة تنافسية. ومصر التي تمتلك طاقات شبابية علمية واعدة قادرة على صنع هذا الجسر بين المعمل والمزرعة إن أُحسن توجيهها وتحفيزها.

- الشراكة الزراعية الأفريقية: أفريقيا التي تمتلك أكبر احتياطي من الأراضي الزراعية غير المستغلة في العالم هي عمق استراتيجي لم تُحسن مصر بعدُ توظيفه؛ شراكة تُصدّر فيها مصر خبرتها وتقنيتها وتستورد منها المساحة والموارد، تُحوّل مصر من دولة تحلّ أزمتها الغذائية إلى قوة غذائية إقليمية تُدمج الأمن الغذائي بالنفوذ الاستراتيجي في آنٍ واحد.

- إعادة الاعتبار للإنسان الزراعي: كل الاستراتيجيات السابقة تفترض وجود إنسان مؤهل يُنفّذها، وإعادة بناء منظومة التعليم والتدريب الزراعي من القاعدة، وإعادة الاعتبار لمهنة الزراعة في وجدان الشباب المصري الذي بات يرى فيها تراجعا لا مستقبلا، هو الرهان الحقيقي الذي تخسره مصر في صمت. فالأرض لا تنتظر من يحبها فقط، بل من يعرف كيف يُحسن الحوار معها.

كل هذه الاستراتيجيات لن تُفضي إلى نتيجة ما لم تجمعها إرادة سياسية تُعلن بوضوح أن الزراعة أولوية وطنية لا تتأخر، وأن المشروع الزراعي المصري ليس موسما ينتهي بالحصاد بل رهان استراتيجي تُقاس على نتائجه أجيال.

التحديات والمعوقات

لا تُحلّ مشكلة لم تُسمَّ بصدق، ولا تُعالَج أزمة وصفَها من لا يجرؤ على رؤيتها كاملة. والزراعة المصرية تحمل جراحا حقيقية تستحق أن تُقال بوضوح قبل الحديث عن أي نهضة.

أولها: غياب الإرادة المؤسسية الحقيقية: التحدي الأعمق ليس شُح الماء ولا تفتّت الأرض، بل غياب جهة تقود المشروع الزراعي بإرادة متواصلة لا تتبدّل بتبدّل الحكومات، فالزراعة في كثير من الأحيان تُدار بعقلية الاستجابة للأزمة لا بعقلية بناء المستقبل.

غياب الإرادة المؤسسية الحقيقية لا يعالجه إلا قرار سياسي يرفع الزراعة من ملف وزاري إلى مشروع دولة تتوارثه الحكومات ولا تتوقف عنده. والفجوة بين المختبر والحقل لا تُجسَّر إلا بسياسة ممنهجة تُلزم مؤسسات البحث بأن تقيس نجاحها بما وصل إلى الفلاح لا بما نُشر في الدوريات

ثانيها: الفجوة بين البحث العلمي والحقل: مصر تمتلك مؤسسات بحث زراعي عريقة، لكن ما تنتجه من معرفة وتقنية نادرا ما يجد طريقه إلى الفلاح الحقيقي في حقله. الهوة بين المختبر والتربة هي من أكثر الهوات كُلفة على الإنتاج الزراعي المصري.

ثالثها: أزمة الماء: فمصر تعتمد على نهر واحد تتشارك فيه دول عديدة، في وقت يتصاعد فيه الطلب وتتراجع فيه الحصص. وما يزيد الجرح عمقا أن نسبة كبيرة من هذا الماء الشحيح تُهدر في أساليب ري لا تنتمي إلى عصرنا.

ورابعها: تفتّت الأرض الزراعية: فالحيازات الصغيرة المتناثرة تحول دون أي تحديث حقيقي أو تطبيق لتقنيات العصر، وتجعل الفلاح أسير قطعة أرض لا تكفيه.

وخامسها: هجرة العقول الزراعية: فالشباب المصري الذي يرى في الزراعة تراجعا لا مستقبلا يشدّ رحاله نحو المدينة، تاركا الحقل لمن تقدّم في السن وتأخّر في المعرفة.

وسادسها: ضعف منظومة التسويق: إذ يظل الفلاح رهين وسيط يأخذ الأكثر ويعطي الأقل، بينما يدفع المستهلك ثمنا مرتفعا لا يصل منه إلى من زرع إلا القليل.

وجامع هذه التحديات كلها أنها ليست قدرا محتوما، بل هي مسائل لها حلول تجرّبها أمم أشد ضيقا من مصر وأقل إمكانات. والفارق الوحيد بين من حلّها ومن لا يزال يشكو منها هو قرار واحد: أن تُعامَل هذه التحديات كأولويات لا كمؤجّلات.

فغياب الإرادة المؤسسية الحقيقية لا يعالجه إلا قرار سياسي يرفع الزراعة من ملف وزاري إلى مشروع دولة تتوارثه الحكومات ولا تتوقف عنده. والفجوة بين المختبر والحقل لا تُجسَّر إلا بسياسة ممنهجة تُلزم مؤسسات البحث بأن تقيس نجاحها بما وصل إلى الفلاح لا بما نُشر في الدوريات.

شُح الماء يُعالَج بثورة في الري لا بالشكوى من السماء، وتفتّت الأرض يُحلّ بالتكتل الزراعي التعاوني الذي يجمع الحيازات الصغيرة في منظومة إنتاجية واحدة دون أن يُفقد الفلاح ملكيته، وهجرة الشباب عن الزراعة تُعكس حين تُصبح الزراعة مهنة تقنية مُربحة يفخر بها أصحابها لا يعتذرون عنها، وضعف التسويق يُكسر بربط الفلاح مباشرة بالسوق عبر المنصات الرقمية التي أسقطت الوسيط في قطاعات أخرى ويمكنها أن تُسقطه هنا.

وختاما، فإن مصر التي أطعمت العالم قديما لم تفعل ذلك لأن النيل كان يجري في أرضها وحدها، بل لأن أبناءها كانوا يعرفون كيف يستثمرون ما بين أيديهم. وهذه المعرفة لم تمت، بل تنتظر من يُعيد إيقاظها.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل