مصر ضمن الـ10 الكبار اقتصاديا: رؤية إسلامية لنهضة اقتصادية شاملة (33)

علي شيخون
"الصناعة ليست قطاعا من قطاعات الاقتصاد، هي عموده الفقري"- التواصل الاجتماعي
"الصناعة ليست قطاعا من قطاعات الاقتصاد، هي عموده الفقري"- التواصل الاجتماعي
شارك الخبر
المجموعة السادسة: القطاعات الإنتاجية الاستراتيجية

حين تُقرّر مصر أن تصنع وتزرع وتبني، فمصر لا تحتاج أن تُثبت لأحد أنها كانت هنا، والتاريخ شاهدٌ عدل والحجارة لا تكذب. لكن السؤال الذي يُلحّ على كل من يُحب هذا البلد ليس عن الأمس بل عن الغد، ليس عمّا بنيناه بل عمّا سنُنتجه، وما سنصدّره لعالم لا ينتظر أحدا.

ها نحن نصل إلى قلب الرحلة. في المقالات السابقة أرسينا الفلسفة، وأصلحنا المؤسسات، وهيّأنا العقول، ونظّمنا التمويل، وجاء وقت السؤال الحقيقي ماذا تُنتج مصر للعالم؟ وكيف تُحوّل ما تملكه من أرض وشمس ونيل وموقع وشباب وتاريخ إلى ثروة حقيقية وقيمة مضافة تُقاس وتُحسب وتُحترم؟

هذه المجموعة تُجيب على هذا السؤال عبر خمسة مسارات إنتاجية هي في جوهرها خمسة وجوه لمصر التي يمكن أن تكون، مصر التي تصنع وتُصدّر، مصر التي تزرع وتُؤمّن غذاءها وغذاء غيرها، مصر التي تستقبل العالم وتُبهره، مصر التي تربط القارات وتُدير حركة البضائع، ومصر التي تُفكّر وتبتكر وتُنتج المعرفة لا أن تستوردها.

هذه ليست أحلاما معلّقة في الهواء، هي إمكانات موجودة في التربة والموقع والإنسان المصري تنتظر فقط إرادة حقيقية ومنهجا واضحا.

33- استراتيجية الصناعة الوطنية

في كل بيت مصري، ثمة شيء مستورد كان يمكن أن يكون مصريا. ليس هذا اتهاما بل هو تساؤل يستحق أن يُقلقنا، فمصر التي أنشأت في يوم من الأيام صناعات أدهشت المنطقة، وأسّست مصانع كانت فخر القارة، هذه مصر تجد نفسها اليوم أمام سؤال لا مفر من مواجهته: أين ذهبت صناعتنا؟ وإلى أين يجب أن تذهب؟

كل اقتصاد وصل إلى مصاف الكبار في التاريخ الحديث مرّ بلحظة تحوّل صناعي حاسمة، لم يصل إلى العالمية بالخدمات وحدها، ولا بالسياحة وحدها، ولا بتصدير الخام، وصل لأنه قرّر في لحظة ما أن يُحوّل ما تملكه من موارد إلى منتج يحمل بصمته، ويُباع في أسواق العالم بشروطه

الإجابة ليست في البكاء على الماضي، ولا في الانبهار بما صنعه الآخرون؛ الإجابة في إدراك حقيقة واحدة بسيطة وعميقة في آنٍ معا، أن الأمم التي تحترم نفسها تصنع ما تحتاج، وتُصدّر ما تُجيد، ولا تترك مستقبلها رهينة في يد سلاسل توريد لا تتحكم فيها. مصر لديها كل المقوّمات، الموقع، والموارد، والعقول، والسوق. ما ينقصها ليس الإمكانية، بل الإرادة.

أهمية الصناعات الاستراتيجية لنهضة مصر الاقتصادية

الصناعة ليست قطاعا من قطاعات الاقتصاد، هي عموده الفقري، وكل اقتصاد وصل إلى مصاف الكبار في التاريخ الحديث مرّ بلحظة تحوّل صناعي حاسمة، لم يصل إلى العالمية بالخدمات وحدها، ولا بالسياحة وحدها، ولا بتصدير الخام، وصل لأنه قرّر في لحظة ما أن يُحوّل ما تملكه من موارد إلى منتج يحمل بصمته، ويُباع في أسواق العالم بشروطه.

ما المقصود بالصناعات الاستراتيجية؟

ليست كل صناعة استراتيجية، وليس كل إنتاج يستحق هذا الوصف. الصناعة الاستراتيجية هي تلك التي تجمع بين شرطين لا يكفي أحدهما وحده أن يكون غيابها خطرا على الأمن الوطني أو التنموي، وأن يكون وجودها رافعة حقيقية للاقتصاد الوطني بما يتجاوز حدوده الضيقة. وبهذا المنطق تنتمي إلى هذه الفئة أربعة أنواع من الصناعات:

- الصناعات السيادية، وهي التي يُشكّل غيابها ثغرة في أمن الدولة، كصناعات الدواء والغذاء والطاقة والصناعات الدفاعية. هذه الصناعات ليست قرارا اقتصاديا بحتا بل هي قرار وجود.

- الصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة العالية، وهي التي تأخذ الخام المحلي وتُحوّله إلى منتج نهائي أو شبه نهائي، كالصناعات النسيجية والكيماوية والهندسية والغذائية التحويلية. هنا تكمن الثروة الحقيقية التي تتركها كثير من الدول النامية على الطاولة.

- الصناعات الرابطة والمحرّكة، وهي التي تُنشئ حولها شبكة من الصناعات المغذّية والخادمة، فتخلق تأثيرا تضاعفيا في الاقتصاد. صناعة السيارات مثلا لا تعني مصنعا واحدا، بل تعني مئات الموردين والمصنّعين الفرعيين الذين ينهضون معها.

- صناعات المستقبل، وهي الصناعات التكنولوجية الناشئة التي تحكم من يمتلكها شكلَ الاقتصاد العالمي القادم، كصناعات الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والتكنولوجيا الحيوية وأشباه الموصلات؛ الدخول إليها مبكرا هو الفارق بين من يصنع المستقبل ومن يشتريه.

الصناعة في الميزان الإسلامي وأهميتها لنهضة مصر

الصناعة في الوقت ذاته، من منظور إسلامي راسخ، ليست مجرد نشاط اقتصادي بل أداء لأمانة حمّلها الله الإنسان في هذه الأرض.
الصناعة في الوقت ذاته، من منظور إسلامي راسخ، ليست مجرد نشاط اقتصادي بل أداء لأمانة حمّلها الله الإنسان في هذه الأرض

قبل أن نتحدث عن الاستراتيجيات والخطط، لا بد أن نقف لحظة عند هذا الأساس. فالإسلام لم يكن يوما دينا يدعو إلى الزهد في الإنتاج أو التقاعس عن العمل، فقد جاء القرآن الكريم ليُرسي مفهوم الاستخلاف في الأرض فريضة وأمانة: "وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ". والاستخلاف ليس مجرد إقامة شعائر، بل هو عمارة للأرض بكل ما تعنيه الكلمة، زراعة وبناء وصناعة وإنتاجا.

وجاء الأمر القرآني صريحا لا يحتمل التأويل: "وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ". وقد فهم العلماء هذه الآية فهما شاملا يتجاوز السلاح إلى كل صور القوة، الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية. فالقوة في كل عصر تعني امتلاك أدواته، وأدوات عصرنا هي المصنع والتقنية والابتكار. الأمة التي لا تصنع سلاحها وغذاءها ودواءها وتكنولوجيتها لا تُعِدّ ما استطاعت من قوة، بل تتركها رهينة إرادة غيرها.

وأدرك فقهاء الإسلام الكبار هذه الحقيقة حين قرّروا أن ما لا تتم الواجبات إلا به فهو واجب، فإن كانت القوة والكرامة والاكتفاء واجبات على الأمة، فالصناعة التي تُحققها واجبة هي الأخرى. وهذا ما يُسمى في الفقه الإسلامي بـفقه الوسائل، فالوسيلة إلى الواجب واجبة. بل إن النبي ﷺ حين سُئل عن أفضل الكسب، ذكر عمل الرجل بيده في إشارة بالغة الدلالة إلى أن الإنتاج المباشر وإضافة القيمة الحقيقية هما أشرف أوجه الكسب وأطهرها. وأكد حثّه على الإتقان بقوله ﷺ: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يُتقنه"، فالإتقان ليس فضيلة شخصية فحسب، بل هو شرط الصناعة التي تصمد وتنافس وتُكرّم من يعمل فيها.

ومن هذا الأساس الراسخ تنبثق أهمية الصناعة لنهضة مصر في أربعة أبعاد لا تنفصل:

- الصناعة تصنع السيادة، فالدولة التي لا تصنع دواءها تظل رهينة لمن يصنعه، والتي لا تُنتج غذاءها تظل عرضة لابتزاز من يملكه، والتي لا تمتلك تكنولوجيا محلية تظل تابعة لمن طوّرها تستأجر منه الحاضر وتستعير منه المستقبل. السيادة الحقيقية في عصرنا لم تعد تُقاس بالحدود وحدها بل بخطوط الإنتاج، والأمن القومي الحقيقي يمتد ليشمل أمن الدواء وأمن الغذاء وأمن الطاقة وأمن المعلومة، وكل هذا لا يتحقق إلا حين تقرر الدولة أن تُنتجه بيدها.

- الصناعة تُشغّل وتُكرّم، فمصر بثروتها البشرية الشابة الهائلة تحتاج إلى محرك توظيف حقيقي لا إلى موظفين يملأون مكاتب. الصناعة هي الوحيدة القادرة على تحويل هذا الزخم البشري من ضغط ديموغرافي إلى طاقة إنتاجية، فكل مصنع يقوم يقوم معه مجتمع، وكل عامل يجد مكانه يتحول من مستهلك يُثقل الميزانية إلى منتج يُعزّز الاقتصاد. وهذا التحول يمتد إلى البعد الأخلاقي، إذ يُعيد للإنسان كرامته حين يُعطي ولا يأخذ فحسب، وهو ما أكده الإسلام حين جعل الكسب الحلال عبادة والعمل المتقن قُربى.

- الصناعة تُضاعف القيمة، فالفارق بين بيع الخام وبيع المنتج النهائي ليس فارقا في السعر فحسب هو فارق في المكانة والمستقبل، فمصر التي تُصدّر قطنا خاما تختلف كليا عن مصر التي تُصدّر ملابس راقية تحمل اسمها. وفي المنظور الإسلامي، إضافة القيمة إلى الموارد التي استخلفنا الله عليها ليست مجرد خيار اقتصادي بل هي أداء للأمانة، فأن تأخذ ما أعطتك الأرض وتُطوّره وتُعيده للبشرية في صورة أنفع وأفضل، هذا هو معنى العمارة الحقيقية.

الصناعة تبني المستقبل، الصناعة الاستراتيجية هي البيئة الطبيعية التي تتفتّح فيها بذور الابتكار المصنع يُدرّب مهندسين ويطرح مشكلات تحتاج حلولا ويخلق حاجة للبحث والتطوير. والإسلام الذي افتتح وحيه بأمر "اقْرَأْ" وأوجب طلب العلم فريضة، لم يعنِ العلم النظري المجرد وحده، بل عنى أيضا العلم التطبيقي الذي يخدم الإنسان ويُعمّر أرضه.

لهذا كله، الصناعة الاستراتيجية ليست خيارا تنمويا بين خيارات هي شرط النهضة، وثمن الجلوس بين الكبار، وأداء للأمانة التي حمّلنا الله إياها في هذه الأرض.

الصناعة في التاريخ الإسلامي- شاهد من التراث

حين نبحث عن نماذج تُلهمنا، لسنا بحاجة أن نذهب بعيدا، يكفي أن نعود إلى تراثنا بعين الاقتصادي لا بعين المتحسّر. فالحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي لم تكن حضارة مساجد ومخطوطات فحسب، كانت حضارة إنتاج وصناعة واختراع، وكانت مصر في قلبها لا على هامشها.

أسّس الفاطميون في مصر دور الصناعة على ضفاف النيل والإسكندرية مجمّعات صناعية متكاملة تبني السفن الحربية وتُصنّع الأسلحة وتُدير أضخم أسطول في البحر المتوسط، وحين رأى البنادقة هذا النموذج الصناعي العبقري، نقلوه حرفيا إلى مدينتهم وسمّوه بالاسم العربي ذاته. فكلمة "Arsenal"التي يستخدمها العالم اليوم ما هي إلا تحريف لـدار الصناعة؛ مصر إذن لم تستورد هذا المفهوم يوما بل صدّرته.

وفي الوقت الذي كانت فيه مصانع النسيج المصرية الطرازات تُنتج أقمشة تصل إلى أسواق آسيا وأوروبا وأفريقيا، وتُشكّل عملة تجارية مطلوبة قبل أن تُعرف البورصات، كانت دمشق تحرس سرا صناعيا استراتيجيا هو الفولاذ الدمشقي، فولاذ جمع بين الصلابة والمرونة في معادلة عجز الغرب عن فهمها قرونا وسمّاها سحرا، بينما كانت في حقيقتها تقنية صناعية متقدمة صنعت التفوق العسكري الإسلامي وحمت طرق التجارة.

أما الثورة الصناعية الأعمق في تاريخ الحضارة الإسلامية فكانت صناعة الورق. حين انتهت معركة نهر طلاس، لم ينظر العباسيون إلى أسرى الصينيين نظرة المنتصر المتعالي، بل نظرة العاقل الذي يعرف قيمة المعرفة، فاستخرجوا منهم سر صناعة الورق، وأسّسوا في سمرقند أولى مصانعه خارج الصين، ثم انتقلت الصناعة إلى بغداد فالقاهرة فالأندلس، ومنها أخيرا إلى أوروبا بعد ثلاثة قرون. هذا الورق لم يكن ثقافة فحسب، بل كان صناعة استراتيجية مكّنت من تنظيم الدولة وتوثيق العقود وإدارة الأسواق، ومن يملك الورق كان يملك القوة.

وخلف هذا الإنتاج كله كانت عقول علمية تُحوّل الفكرة إلى أداة والنظرية إلى تطبيق. الجزري الذي صمّم في القرن الثاني عشر مضخات مياه وآلات آلية وساعات دقيقة موثّقة برسومات هندسية تُدهش المهندسين حتى اليوم، كان يضع أسس الأتمتة قبل عصرها بثمانية قرون. والخوارزمي الذي أرسى الجبر ووضع نظام الترقيم العشري الذي يقوم عليه كل حساب في عالمنا، كان يحلّ مشكلات عملية في التجارة وتقسيم المواريث وقياس الأراضي، أي رياضيات في خدمة الإنسان لا في خدمة المعادلة. والزهراوي الذي لم يكتفِ بوصف الجراحة بل اخترع لها أكثر من مائتي أداة، بعضها لا يزال يُستخدم بتصميمات مشابهة، كان يبني صناعة طبية استراتيجية متكاملة. وابن يونس الذي رصد السماء من القاهرة وأنجز زيجه (السجل الفلكي المنظّم) الفلكي الشهير، كان يضع علم الملاحة والتوقيت على أسس دقيقة تخدم التجارة والسفر والزراعة.

وفوق كل هذه الشواهد العملية، أنتج العقل الإسلامي نظرية تحليلية تُتوّج المشهد كله. حين كتب ابن خلدون في مقدمته أن "الصنائع هي عصب العمران وليست زينته"، وأن المدن تقوم وتزدهر بقدر ما تُنتج وتتراجع بقدر ما تستهلك دون أن تُنتج، كان يصوغ قبل آدم سميث بثلاثة قرون ما تُسمّيه نظريات التنمية الحديثة بالقيمة المضافة ودور التصنيع في النمو، إنه فكر إسلامي أصيل لم ينتظر شهادة الغرب ليثبت جدارته.

هذا الإرث الغني لا يُقرأ للفخر فحسب، يُقرأ لأنه دليل عملي موثّق على أن الإيمان والإنتاج لا يتناقضان بل يتعاضدان، وأن الأمة التي جمعت بين الاستخلاف الحضاري وإتقان العمل استطاعت أن تصنع العالم وتُعلّمه. ومصر التي كانت جزءا أصيلا من هذه المنظومة الصناعية، بدورها فب الصناعة ومصانع نسيجها وعلمائها الذين رسموا السماء وعالجوا الأبدان، لا تحتاج أن تستعير نموذجا من الخارج، تحتاج فقط أن تتذكر أنها صنعت من قبل، وأن في عروقها من الإرث الحضاري ما يكفي وقودا لنهضة جديدة.

تجارب الدول في الصناعات الاستراتيجية

التاريخ الاقتصادي الحديث ليس في جوهره إلا سجلا لأمم قرّرت أن تصنع، وأمم قرّرت أن تنتظر، والفارق بين من وصل ومن تأخر لا يكمن دائما في الموارد والثروات بل في الإرادة والمنهج.

التاريخ الاقتصادي الحديث ليس في جوهره إلا سجلا لأمم قرّرت أن تصنع، وأمم قرّرت أن تنتظر، والفارق بين من وصل ومن تأخر لا يكمن دائما في الموارد والثروات بل في الإرادة والمنهج

دعونا نقرأ هذا السجل معا: كانت كوريا الجنوبية في مطلع ستينيات القرن الماضي واحدة من أفقر دول العالم، يكاد دخلها يشابه بعض دول أفريقيا جنوب الصحراء، لم تكن تملك نفطا ولا معادن نفيسة ولا أراضي زراعية واسعة، لكنها امتلكت شيئا أثمن من كل ذلك: رؤية حكومية واضحة، وإرادة شعبية صلبة، وقرارا لا رجعة فيه بأن تصنع.

بدأت كوريا بالصناعات الخفيفة -النسيج والأحذية- ثم تسلّقت سلّم القيمة المضافة بثقة وعزيمة الصلب، والسفن، والكيماويات، والسيارات، والإلكترونيات. كل مرحلة كانت تُموّل المرحلة التي تليها، وكل صناعة كانت تُدرّب الأجيال التي تبنيها. واليوم تقف كوريا بين أكبر عشرة اقتصادات في العالم، وتحمل سياراتها وأجهزتها اسمها في كل قارة.

الدرس الكوري ليس في التفاصيل بل في المبدأ: التدرّج المنهجي من الأبسط إلى الأعقد، والصبر الاستراتيجي الذي لا يستعجل ثمار اليوم على حساب بناء الغد.

وعلى الطرف الآخر من الكرة الأرضية كانت ألمانيا تكتب قصة مختلفة تماما في النوع لكنها مشتركة في الجوهر. لم تراهن ألمانيا على الحجم الكبير والإنتاج الضخم فحسب، بل راهنت على شيء أعمق: التخصص العميق والجودة التي لا تُساوَم. فأنتجت ما يُعرف بالميتلشتاند، تلك الصناعات المتوسطة المتخصصة التي تبدو صغيرة في مظهرها، لكنها تحتل مراكز قيادية عالمية في تخصصاتها الدقيقة. مصانع لا تُصنّع أشياء كثيرة، لكنها تُصنعها بإتقان لا يُجاريه أحد.

هذا النموذج الألماني يحمل رسالة بالغة الأهمية لمصر: الضخامة ليست شرطا للنجاح الصناعي، التميّز والإتقان في تخصص محدد قد يصنعان ثروة وطنية أعمق وأكثر استدامة من عشرة مصانع عملاقة تنتج بلا هوية.

أما الصين فقصتها فصل مختلف كليا في كتاب الصناعة العالمية. دخلت الصين إلى عالم الصناعة من أوسع أبوابه: العمالة الوفيرة والتكاليف المنخفضة، وكان ذلك في بدايته مجرد مصنع كبير للعالم. لكن الصين لم تقبل أن تظل في هذا الدور إلى الأبد، استثمرت عائدات هذه المرحلة في شيء واحد بإصرار لافت: نقل التكنولوجيا وتوطينها وتطويرها. وبعد عقود من الصبر الاستراتيجي، لم تعد الصين مجرد مصنع العالم، بل أصبحت منافسا تكنولوجيا حقيقيا في الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والفضاء وشبكات الاتصال.

الدرس الصيني لا يدعو إلى تكرار تجربتها بحذافيرها فلكل دولة سياقها، لكنه يُذكّر بحقيقة ثمينة: لا عيب في أن تبدأ من حيث تقدر، شريطة ألا تقبل أن تبقى هناك.

وفي قلب آسيا، تقف اليابان شاهدا فريدا لا تكتمل قراءة التحول الصناعي بدونه. لم تكن اليابان في منتصف القرن الماضي مجرد دولة مهزومة تلملم جراحها، كانت أرضا محترقة وشعبا مُنكسرا واقتصادا مُدمَّرا. وحين رأى العالم ما آلت إليه أحوالها، لم يتوقع كثيرون أن تعود، ناهيك عن أن تتصدّر، لكن اليابان فعلت شيئا لم يفعله كثيرون قبلها: لجأت إلى ما في أعماقها قبل أن تلجأ إلى ما في خزائنها.

السر لم يكن في المال، ولا في الموارد الطبيعية التي تكاد تخلو منها اليابان خلوّا شبه تام، السر كان في كلمة واحدة يعرفها كل ياباني ويعيش على إيقاعها: "كايزن"، أي التحسين المستمر. ليست تقنية إدارية فحسب، بل فلسفة حياة تقول إن كل شيء قابل للتحسين، وأن الكمال ليس وجهة تصل إليها بل رحلة لا تنتهي.

هذه الفلسفة هي التي حوّلت المصنع الياباني من منشأة إنتاج إلى مجتمع إتقان. العامل الياباني لا يؤدي مهمة هو يُمارس حرفة، والمهندس لا يُشرف على خط إنتاج هو يصون شرفا مهنيا، والمنتج الذي يخرج من المصنع لا يحمل سعرا فحسب يحمل سمعة لا تُباع ولا تُساوَم. وحين تحوّلت هذه القيم من ثقافة فردية إلى منظومة صناعية، وُلد ما يُسمّيه العالم اليوم الجودة اليابانية، وهي علامة باتت في ذاتها ميزة تنافسية لا يملكها من لا يكتسب ثقة المستهلك جيلا بعد جيل.

والمفارقة اللافتة أن ما فعلته اليابان بالإتقان والجودة ليس غريبا على التراث الإسلامي، بل هو صدى لما قاله النبي صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرنا: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يُتقنه". الإتقان في الإسلام ليس فضيلة اختيارية، هو أمر رباني يرفع العمل من مجرد نشاط اقتصادي إلى مرتبة العبادة. واليابان التي لا تعرف هذا الحديث طبّقت روحه، فكان ما كان من نهضتها الصناعية المذهلة.

الدرس الياباني لمصر ليس في استيراد تقنية أو نسخ نموذج، بل في استيعاب حقيقة واحدة عميقة الصناعة التي تقوم على الإتقان لا تحتاج إلى حماية جمركية تُبقيها، ولا إلى دعم حكومي يُنقذها، ولا إلى شعارات وطنية تُسوّقها، تحتاج فقط إلى مستهلك يُجرّبها مرة واحدة ثم يعود إليها من تلقاء نفسه.

وفي عالمنا الإسلامي، تقدّم ماليزيا نموذجا أقرب إلينا روحا وثقافة وظروفا. انطلقت ماليزيا من اقتصاد يعتمد على المطاط والقصدير، ثم قرّرت بجرأة أن تُحوّل نفسها إلى قوة صناعية وتكنولوجية. رسمت خططها بأفق بعيد، واستقطبت الاستثمارات الأجنبية لا لتبقى تابعة لها، بل لتتعلم منها وتُوطّن خبراتها. وحين أطلقت صناعتها الوطنية للسيارات، لم يكن الهدف الربح السريع، بل كان بناء كفاءة هندسية محلية تُشكّل نواة لصناعات أكثر تعقيدا في المستقبل.

ماليزيا لم تُقلّد الغرب ولم تنكفئ على نفسها، وجدت طريقا ثالثا يُوازن بين الانفتاح على العالم والحفاظ على الهوية والقرار الذاتي.

وفي قلب هذه التجارب كلها، تبرز حقيقة واحدة تتكرر مع اختلاف الزمان والمكان: لا توجد وصفة صناعية واحدة تصلح لكل الأمم، لكن توجد مبادئ مشتركة لا تتغير: الإرادة السياسية الحقيقية، والرؤية بعيدة المدى، والصبر الاستراتيجي الذي يُفرّق بين من يبني وطنا ومن يُدير مشروعا.

في المقال التالي -إن شاء الله- نستعرض استراتيجيات الصناعات الاستراتيجية وتحدياتها.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)