بحسب
ما قاله السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام، فقد أخبره نتنياهو بأنه مندهش من
التعاون
الإماراتي اللافت، مضيفا: "إن رئيس الإمارات محمد بن زايد، فعل ما طُلب
منه، وأكثر".
وقال
الإعلامي جمال ريان في إحدى مقالاته: "الإمارات ليست مجرد عمارات شاهقة،
وشوارع أنيقة، وحركة تجارة ومصانع وورش، إنما هي مستوطنة للتآمر على الأمة".
وعليه،
لا يبدو ممكنا القفز فوق الدور الإماراتي في
مصر، ولا غضّ الطرف عن حجم التدخل
المنهجي الذي أفضى إلى الإمساك بعديد المفاصل الاستراتيجية، سياسيا واقتصاديا
وأمنيا، على امتداد الجغرافيا المصرية.
تتبنى
الإمارات استراتيجية تثير الكثير من الجدل حول دورها في المنطقة العربية؛ فبينما
يُنظر لتحركاتها في دول مثل ليبيا واليمن والسودان والصومال كعامل محفز للانقسام
وإثارة الفوضى؛ عبر دعم أطراف ضد أخرى، إلا أن دورها في مصر يتخذ منحى مختلفا،
لكنه لا يقل خطورة؛ إذ تتركز الجهود هناك على التغلغل في البنية
الاقتصادية من
خلال سياسة استحواذ ممنهجة، طالت الأراضي الاستراتيجية، والسواحل، والمؤسسات
الحيوية، والمصانع، وصولا إلى قطاعي الصحة والفنادق. هذا التوسع يُقرأ في سياق
محاولة
السيطرة على مفاصل الدولة المصرية، وتفكيك استقلاليتها الاقتصادية، بما
يتماشى مع أجندات إقليمية أوسع تهدف إلى إضعاف القوى العربية الكبرى من الداخل.
لا يبدو ممكنا القفز فوق الدور الإماراتي في مصر، ولا غضّ الطرف عن حجم التدخل المنهجي الذي أفضى إلى الإمساك بعديد المفاصل الاستراتيجية، سياسيا واقتصاديا وأمنيا، على امتداد الجغرافيا المصرية
فقد استحوذت
الإمارات العربية المتحدة على مجموعة واسعة من الأراضي والأصول والشركات والمنشآت
والموانئ في مصر، وشمل ذلك قطاعات حيوية مثل العقارات، والأسمدة، والشحن، والخدمات
المصرفية، والمستشفيات، والبنوك، والمنتجعات.. إلخ.
وفيما
يلي أبرز المنشآت التي تم الاستحواذ عليها أو الاستثمار الضخم فيها:
- رأس الحكمة: تعد أضخم صفقة في تاريخ مصر، حيث حصلت
الإمارات على حقوق تطوير مدينة رأس الحكمة بمساحة 170.8 كيلومتر مربع على الساحل
الشمالي.
- موانئ في الساحل الشمالي بمساحة 6.5 مليون متر مربع..
- أب تاون كايرو: في القاهرة بمساحة 4.5 مليون متر
مربع..
- ميفيدا: في القاهرة الجديدة بمساحة 3.8 ملايين متر
مربع..
- بوابة القاهرة: مشروع قيد التخطيط.
واستحوذت
على حصص مؤثرة في شركات حكومية وقطاع خاص كبرى، أبرزها:
- شركة أبو قير للأسمدة والصناعات الكيماوية: استحواذ
على حصة من الأسهم.
- شركة مصر لإنتاج الأسمدة..
- الشركة المصرية لإنتاج الإيثيلين (إيثيدكو): استحواذ ADQ على حصة 30 في المئة.
- شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع: استحواذ
على حصة من الأسهم.
- شركة الحفر الوطنية: استحواذ ADQ على حصة 35 في المئة.
- الشركة المصرية للحفر: استحواذ ADQ على حصة 25 في المئة.
- الفنادق التاريخية: تضمن مشروع رأس الحكمة
والاتفاقات المرتبطة به استثمارات في قطاع الضيافة تشمل نحو 50 فندقا.
- القطاع المصرفي: تمتلك الإمارات وجودا قويا عبر بنوك
كبرى مثل بنك أبو ظبي الأول وبنك الإمارات دبي الوطني.
وتتجلى
خطورة هذا الاستحواذ في السيطرة على مفاصل حيوية تمس الأمن القومي وصحة المواطن
بشكل مباشر؛ ففي قطاع الموانئ، بسطت الشركات الإماراتية نفوذها على بوابات مصر
البحرية، حيث تسيطر موانئ دبي العالمية على ميناء العين السخنة الاستراتيجي، بينما
حصلت مجموعة موانئ أبو ظبي على حق إدارة وتشغيل ميناء سفاجا لمدة 30 عاما،
بالإضافة إلى الاستحواذ على حصص حاكمة في شركة الإسكندرية لتداول الحاويات.
أما
في القطاع الصحي، فقد تم اختراق هذا المرفق السيادي عبر استحواذات ضخمة قادتها
شركة أبراج كابيتال على كبرى المستشفيات، مثل النيل بدراوي، والقاهرة التخصصي،
والشروق، فضلا عن السيطرة على أكبر سلسلتين لمعامل التحاليل في مصر (البرج
والمختبر).. هذا التغلغل في البنية التحتية والخدمات الأساسية يُنظر إليه كأداة
لتحويل الدولة من منتج ومتحكم في أصولها إلى ساحة استثمارية تدار مقدراتها من
الخارج، بما يخدم أجندات إقليمية تهدف لإضعاف ثقل مصر الاستراتيجي.
وجدت الإمارات، في ظل القبضة العسكرية الصلبة، وغياب أي قوة داخلية قادرة على زعزعة الاستقرار الأمني القائم، فرصة سانحة للانتقال من منطق النفوذ إلى منطق الهيمنة
يتجاوز
هذا التغلغل الاقتصادي كونه مجرد صفقات تجارية ليثير مخاوف أمنية وسيادية عميقة؛
فالاستحواذ الإماراتي لم يكتفِ بالمفاصل الخدمية، بل امتد ليتملك مساحات شاسعة من
الأراضي والمواقع الاستراتيجية تحت غطاء التطوير العمراني. وتبرز صفقة رأس الحكمة
كنموذج صارخ، حيث تم التنازل عن 170 مليون متر مربع من أكثر سواحل مصر حيوية،
وتحويلها إلى منطقة ذات طبيعة خاصة تُدار خارج الأطر التقليدية للدولة.
هذا
التمدد نحو المنافذ البحرية في السخنة وسفاجا، والسيطرة على قواعد البيانات الصحية
للمواطنين عبر معامل التحاليل والمستشفيات، يمنح جهات خارجية قدرة على رصد وتحليل (نبض
الدولة) بمفهومه الأمني الواسع.. إن تحويل أصول الدولة المصرية إلى جزر استثمارية معزولة
تابعة لقوى إقليمية، يُعد في جوهره تنفيذا لمخطط إضعاف المركزية المصرية وتفكيك
قدرتها على اتخاذ قرار سيادي مستقل، بعيدا عن ضغوط الممولين، وهو ما يصب في نهاية
المطاف في مصلحة الأجندات التي تهدف لزعزعة استقرار القوى العربية الكبرى.
وقد
وجدت الإمارات، في ظل القبضة العسكرية الصلبة، وغياب أي قوة داخلية قادرة على
زعزعة الاستقرار الأمني القائم، فرصة سانحة للانتقال من منطق النفوذ إلى منطق
الهيمنة، عبر ما يمكن تسميته بالاستعمار الناعم للدولة المصرية؛ استعمار لا يأتي
بالدبابات، بل بالمال، ولا يرفع أعلاما، بل يوقّع عقودا وصفقات، مستغلا هشاشة
الاقتصاد، وضيق الخيارات، والحاجة الملحّة للسيولة بأي ثمن.
وقد
تضافرت هذه العوامل مع هشاشة إدارية مستفزّة، وارتباك مؤسسي فاضح، لتفتح الأبواب
على مصاريعها أمام تغلغل متدرّج، بدا في ظاهره استثمارا، وفي جوهره شراء ممنهجا
لمفاصل الدولة، قطعة بعد قطعة. ولعلّ ما جرى في جزيرة الوراق ليس سوى نموذج كاشف،
يفضح كيف تحوّل هذا التغلغل إلى مصدر اضطراب أمني واجتماعي، يكاد، في مآلاته، أن
يهدّد تماسك البلد ذاته.
وللحديث
بقية..