يتصاعد
التوتر بين الرياض وأبو ظبي على خلفية تباين رؤى البلدين في الإقليم، بعد سنوات من
الشراكة الوثيقة. فقد برز
اليمن كمؤشر مبكر إلى هذا الخلاف، حيث انحرفت أهداف
التحالف الذي قاده ضد الحوثيين. فقد ركزت
السعودية على منع تفكك اليمن والحفاظ على
وحدة أراضيه، فيما أولت
الإمارات أولوية لدعم حلفائها الانفصاليين في الجنوب. ومع
مرور الوقت، تزايدت الشكوك المتبادلة وتباعدت المصالح بين الطرفين.
في أواخر
2025، حيث اتهمت الرياض؛ أبو ظبي صراحة بتوجيه المجلس الانتقالي الجنوبي
(الانفصالي) نحو التصعيد على حدود المملكة، واعتبرت أن أمنها القومي "خط
أحمر". وفي تطور غير مسبوق، استهدفت طائرات التحالف السعودي شحنة أسلحة في
ميناء المكلا قادمة من الإمارات، وطلبت من القوات الإماراتية مغادرة اليمن خلال 24
ساعة. أمام هذا التصعيد، أعلنت أبو ظبي سحب ما تبقى لها من وحدات في اليمن
"طوعا" تجنبا لمواجهة مباشرة.
هذه
الأحداث اختتمت فعليا فصلا من التدخل الإماراتي في اليمن، حيث أُجبر المجلس
الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيا على التراجع وتم حله لاحقا مطلع 2026.
وهكذا بدا
أن الرياض انتقلت من سياسة احتواء الخلاف مع أبو ظبي إلى سياسة مواجهة صريحة؛
هدفها تحجيم نفوذ الإمارات الإقليمي ومنعها من فرض أمر واقع يُقسّم الدول ويهدد
استقرار الجوار السعودي.
تسعى الرياض لحشد نفوذها وعلاقاتها لكبح تمدد الإمارات في تلك الدول، فيما تحاول أبو ظبي التمسك بمكتسباتها هناك عبر تحالفات جديدة، أبرزها شراكتها المتنامية مع إسرائيل
بعد
تطورات اليمن، اتجهت الأنظار إلى منطقة القرن الأفريقي والساحل الغربي للبحر
الأحمر بوصفها ساحة جديدة للصراع السعودي-الإماراتي، فهذه المنطقة حيوية للأمن
القومي السعودي ولطموحات أبو ظبي الجيوسياسية على حد سواء. وقد حذرت تحليلات
مستقلة من أن بؤرا إقليمية أخرى -من بينها الصومال والسودان- مرشحة لتفجير مزيد من
الخلافات بين الحليفين السابقين. وتؤكد المعطيات الحالية صحة ذلك؛ إذ تسعى الرياض
لحشد نفوذها وعلاقاتها لكبح تمدد الإمارات في تلك الدول، فيما تحاول أبو ظبي
التمسك بمكتسباتها هناك عبر تحالفات جديدة، أبرزها شراكتها المتنامية مع إسرائيل.
في
الصومال، شهدت الأسابيع الأخيرة تحولا دراماتيكيا في مواقف مقديشو. فبعد فترة من
التردد، اتخذت الحكومة الصومالية قرارا جريئا بإلغاء جميع اتفاقياتها مع الإمارات
في مجال الموانئ والتعاون الأمني والعسكري، متهمة أبو ظبي بتقويض سيادة الصومال
ووحدته الوطنية. أعلنت مقديشو هذا القرار في 12 كانون الثاني/ يناير 2026 بشكل
صريح، مؤكدة أن لديها أدلة موثوقة على "ممارسات خبيثة" إماراتية تمس
سلامة الأراضي الصومالية واستقلالية قراره السياسي. لم يكن الخلاف مجرد نزاع تقني حول إدارة ميناء أو برنامج تدريب، بقدر ما
أصبح صراعا على السيادة في نظر الصوماليين.
وقد جاء
قرار الإلغاء تتويجا لسلسلة احتكاكات سابقة مع الإمارات، أبرزها حادثة ضبط أموال
إماراتية مشبوهة عام 2018 في مطار مقديشو، وما تلاها من اتجاه أبو ظبي لدعم
الأقاليم الفيدرالية والكيانات المنشقة كأرض الصومال (صوماليلاند) خارج نطاق سلطة
الحكومة.
ولعل
القشة التي قصمت ظهر البعير مؤخرا تمثلت في تقارير عن قيام الإمارات بتهريب زعيم
الانفصاليين اليمنيين، عيدروس الزبيدي، عبر الأراضي الصومالية دون علم الحكومة، وهو
ما اعتبرته مقديشو تعديا فجا على سيادتها وتورطا إماراتيا مباشرا في دعم عناصر
انفصالية على حساب الدولة الصومالية.
هذا
التحول الصومالي يتزامن مع تصاعد تنسيق غير مسبوق بين مقديشو والرياض والقاهرة.
فقد كشفت تقارير موثوقة أن السعودية اختتمت محادثات مع
مصر والصومال لتشكيل تحالف
عسكري جديد يهدف إلى تعزيز أمن البحر الأحمر، وجاءت هذه الخطوة في إطار جهود
سعودية لكبح نفوذ الإمارات في المنطقة. ومن
المتوقع أن يزور الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود الرياض قريبا لوضع اللمسات الأخيرة
على هذه الشراكة الاستراتيجية.
ويسعى هذا
المحور الناشئ إلى توحيد الرؤى الأمنية والعسكرية على امتداد الساحل الغربي للبحر
الأحمر، بما يشمل تبادل المعلومات وتنسيق الدوريات وربما نشر قوات مشتركة لحماية
الممرات البحرية وردع أي محاولات اختراق خارجية. وتُقرأ هذه الخطوة بوضوح كاستجابة
مباشرة للتحركات الإماراتية-الإسرائيلية الأخيرة في القرن الأفريقي.
في صلب
تلك التحركات، جاء اعتراف إسرائيل بإقليم صوماليلاند الانفصالي (أرض الصومال) كجرس
إنذار إقليمي. فقد أصبحت إسرائيل في أواخر كانون الأول/ ديسمبر 2025 أول دولة في
العالم تعترف بـ"جمهورية أرض الصومال" المعلنة من جانب واحد منذ 1991.
وكشفت مصادر صحفية أن هذا الاختراق الدبلوماسي تم بوساطة إماراتية مكثفة وراء
الكواليس، أي أن أبو ظبي استخدمت نفوذها وشراكتها الجديدة مع تل أبيب لتحقيق هدف
جيوسياسي يخدم رؤيتها.
فالإمارات
تنظر إلى أرض الصومال كبوابة نفوذ استراتيجية على خليج عدن، حيث سبق وأن استثمرت
في ميناء بربرة هناك وحاولت إقامة قاعدة عسكرية. وبالتالي فإن انتزاع اعتراف دولي
بهذا الكيان الانفصالي يرسخ موطئ قدم لأبو ظبي، ويضع مزيدا من الضغط على حكومة
مقديشو المركزية. إلا أن خطوة الاعتراف الإسرائيلي استفزت مصر بشكل خاص ودقت ناقوس
الخطر في القاهرة؛ إذ اعتبرتها تهديدا لأمنها القومي قد يفتح باب نفوذ إسرائيلي في
منطقة القرن الأفريقي المتاخمة للبحر الأحمر ومنابع النيل.
وردا على
ذلك، سارعت مصر إلى تعزيز وجودها العسكري والدبلوماسي في الصومال خلال الفترة
الأخيرة. فالقاهرة التي تراقب بحساسية أي تقارب بين تل أبيب ودول القرن الأفريقي -خاصة
إثيوبيا- رأت في الاعتراف بصوماليلاند محاولة لتطويقها استراتيجيا. ومن هنا جاء
انضمامها الفعّال للتحالف الناشئ مع السعودية والصومال، لقطع الطريق على ترتيبات
إماراتية-إسرائيلية من شأنها إعادة رسم خريطة النفوذ في القرن الأفريقي على حساب
الدول العربية الكبرى.
أما في
السودان، فإن الانقسام أكثر وضوحا ودموية. فقد انزلقت البلاد منذ نيسان/ أبريل
2023 في حرب أهلية بين الجيش النظامي بقيادة عبد الفتاح البرهان ومليشيا الدعم
السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) المدعوم إماراتيا. وسرعان ما تحول هذا
الصراع إلى ساحة لتنافس إقليمي بين المحورين الخليجيين: السعودية تقف بحزم وراء
الجيش السوداني بوصفه السلطة الشرعية والضامن لوحدة الدولة، فيما تدعم الإمارات
مليشيا الدعم السريع بالمال والسلاح في الخفاء، سعيا لترجيح كفة حليفها العسكري.
وتنظر
الرياض وأبو ظبي إلى المعركة في الخرطوم كفرصة لترسيخ نفوذهما في بوابة
أفريقيا
الغنية بالموارد. وإذ تدرك المملكة صعوبة حسم حميدتي عسكريا في وجه جيش دولة بحجم
السودان، فهي تراهن على شرعية البرهان الدولية والتفاف الداخل حول الجيش لكسب
المعركة سياسيا وميدانيا. في المقابل، تراهن أبو ظبي على تكريس واقع ليبي جديد في
السودان عبر إطالة أمد النزاع وتقسيم البلاد فعليا إلى مناطق نفوذ متصارعة.
فسيناريو انشطار السودان إلى معسكرين -كما حدث في ليبيا بين شرق وغرب- قد لا يمثل
كارثة بالنسبة للإمارات، بل ربما يمنحها نفوذا مستداما عبر رعاية حميدتي في إقليم
دارفور ومناطق سيطرته، ما يبقي شوكة في خاصرة الحكومة المركزية في الخرطوم ويضمن لأبو
ظبي كلمة في ترتيبات ما بعد الحرب. ولعل هذا تحديدا ما تخشاه السعودية ومصر التي
تعتبر استقرار السودان ووحدته امتدادا لأمنها المائي والاستراتيجي.
لذا، تكثف
الرياض جهودها دبلوماسيا -عبر استضافة محادثات جدة- أو ضمنيا عبر دعم لوجستي
للجيش، بهدف إفشال مشروع الإمارات غير المعلن لتفتيت السودان.
في خضم
هذا المشهد المعقد، وجدت السعودية تأييدا متزايدا من دول عربية وأفريقية لموقفها
الرافض لنهج الإمارات الإقليمي. فقد بات يُنظر إلى أبو ظبي -في عواصم عدة- كمصدر
لعدم الاستقرار عبر تشجيعها نزعات انفصالية أو إضعافها للحكومات المركزية في دول
هشة. وعلى سبيل المثال، أشار تقرير في صحيفة الخبر الجزائرية إلى استياء عميق في
الجزائر من "ممارسات إماراتية" وُصفت بأنها معادية وتخدم أجندات
التفتيت. وتتهم الجزائر صراحة أبو ظبي بدعم حركة انفصالية في منطقة القبائل (ماك)
على أراضيها بالتنسيق مع شبكات إسرائيلية ومغربية، وهو أمر تعتبره الجزائر تهديدا
مباشرا لوحدتها الوطنية. كما أعربت رسميا عن رفضها تمدد النفوذ العسكري الإماراتي
في أفريقيا وعلاقات أبو ظبي المتنامية مع إسرائيل. وما الموقف الجزائري إلا مثال
بارز على مزاج إقليمي آخذ في التشكل ضد سياسات الإمارات.
فالسعودية
ليست وحدها في إدراك مخاطر تفكك الدول؛ تشاركها في ذلك مصر وسلطنة عمان وحتى قطر
وتركيا، وجميعها -رغم تباين مصالحها- تتقاطع في دعم وحدة الدول الوطنية وتعزيز
مؤسساتها بدلا من إضعافها عبر المليشيات أو الانفصال.
وقد وجدت
الرياض في هذا الظرف فرصة لتجاوز خلافاتها السابقة مع بعض تلك الدول ورص الصفوف
خلف أجندة الحفاظ على النظام الإقليمي القائم ضد محاولات التفكيك. فالتقارب
السعودي-القطري والتركي خلال السنوات الأخيرة، وكذلك التفاهم السعودي-المصري
العميق، يصبّان في خانة تشكيل جبهة عريضة تناهض أي مشاريع لإعادة رسم الخرائط على
أسس عرقية أو طائفية أو قبلية.
لكن في
المقابل، لا تبدو أبو ظبي معزولة تماما؛ إذ تراهن على أوراق قوة خاصة بها لحماية
نفوذها ومكتسباتها. أبرز تلك الأوراق شراكتها الاستراتيجية مع إسرائيل التي شهدت
طفرة منذ اتفاقيات أبراهام عام 2020، فهذه الشراكة وفرت للإمارات قناة تأثير جديدة
في واشنطن والعواصم الغربية، فضلا عن تعاون أمني وتقني يعزز حضورها في مناطق مثل
القرن الأفريقي.
يبدو القرن الأفريقي اليوم مسرحا لمواجهة استراتيجية مفتوحة على كل الاحتمالات بين ثقلين إقليميين؛ السعودية، مدفوعة بثقلها الاقتصادي والديني ورؤيتها الطموحة 2030، اختارت خط المواجهة المباشرة لضمان أن النظام الإقليمي لن ينحرف باتجاه التفتيت والفوضى
لقد حرصت أبو
ظبي على تسويق نفسها في الغرب كحليف موثوق وصديق لإسرائيل، بحيث باتت تُصنَّف
كأكثر دولة عربية تنسيقا مع تل أبيب. هذا التقارب مكّنها من نسج لوبي قوي في
واشنطن يحظى بدعم الأوساط الموالية لإسرائيل، مما يساعد في صد أي ضغوط سعودية
محتملة عليها هناك. وبالتوازي، تتبع الإمارات خطابا سياسيا يركز على مكافحة
الإرهاب والتطرف الإسلامي في المنطقة، لتبرير تحركاتها العسكرية ودعمها لبعض
الفصائل. فهي تصبغ خصومها الإقليميين -كحكومة الصومال أو حتى الجيش السوداني-
بتهمة احتضان الإسلاميين (لا سيما الإخوان المسلمين)، بينما تُقدّم دعمها لقوى
متمردة كقوات حميدتي على أنه جزء من الحرب على "التطرف". وهذه السردية
تجد آذانا صاغية في أوساط معينة في واشنطن، خاصة لدى التيار اليميني المعادي
للإسلاميين، مما يسمح لأبو ظبي بتبرير تدخلاتها كإسهام في مكافحة الإرهاب الدولي
وليس مجرد صراع نفوذ.
وعلى سبيل
المثال، روّج إعلاميون مقربون من الإمارات لفكرة أن قوات الدعم السريع في السودان
تحارب "إرهابيين" داخل الجيش الحكومي المرتبط بفلول الإسلاميين. كذلك
تباهت أبو ظبي بأن المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل والذي رعته في اليمن كان يقف
في خندق واحد معها ضد حزب الإصلاح ذي الخلفية الإخوانية. ومن خلال هذه المقاربة،
تسعى الإمارات إلى الصمود في وجه الضغوط السعودية عبر كسب تعاطف ودعم القوى
الدولية المؤثرة، وتصوير تحركاتها الإقليمية على أنها جزء من رؤية أمنية دولية
مشتركة وليست مجرد طموح إمبريالي خاص.
في واشنطن
تحديدا، يدور سباق هادئ بين الرياض وأبو ظبي لكسب ود صناع القرار وترجيح كفة إحداهما
في هذا الصراع المكشوف. تسعى السعودية إلى إقناع الولايات المتحدة بأنها ركيزة
الاستقرار في المنطقة وبأن تصديها لنفوذ أبو ظبي المزعزع يصب في صالح النظام
الإقليمي والعالمي. وقد أفادت تقارير بأن مسؤولين سعوديين حثّوا واشنطن على الضغط
على الإمارات لتخفيف دعمها لقوات حميدتي في السودان، كما شدّدوا على أن جهود
المملكة لتوحيد الصف في اليمن والحيلولة دون تقسيمه تستحق مساندة غربية قوية
باعتبارها تخدم استقرار شبه الجزيرة العربية ككل. وفي الوقت عينه، تحذّر الرياض من أن استمرار النهج الإماراتي في تغذية
الانقسامات سيقوّض أي مبادرات سلام شاملة في المنطقة.
هذه
الرسائل تهدف من جهة إلى تعزيز صورة السعودية كقائد مسؤول في العالم العربي يتولى
احتواء الأزمات، ومن جهة أخرى إلى إبراز أبو ظبي كطرف مغامر يغامر بوحدة الدول
لتحقيق مصالحه، ما قد يضر بالمصالح الأمريكية على المدى البعيد.
في
المحصلة، يبدو القرن الأفريقي اليوم مسرحا لمواجهة استراتيجية مفتوحة على كل
الاحتمالات بين ثقلين إقليميين؛ السعودية، مدفوعة بثقلها الاقتصادي والديني
ورؤيتها الطموحة 2030، اختارت خط المواجهة المباشرة لضمان أن النظام الإقليمي لن
ينحرف باتجاه التفتيت والفوضى. فهي تسعى إلى استعادة موقع "الشقيق
الأكبر" في العالم العربي، وإعادة ضبط توازن القوى بعيدا عن أيدي لاعبين جدد
نسبيا كالإمارات.
أما
الإمارات، بقدراتها المالية وتحالفاتها الحديثة، فلا تبدو مستعدة للتراجع بسهولة
عن طموحات رسمتها لنفسها في العقد الماضي. لقد بنت أبو ظبي شبكة مصالح مترابطة
تمتد من موانئ عدن وبربرة إلى سواحل إريتريا وموانئ البحر الأحمر، وعززتها بشراكات
دولية قوية سواء مع إسرائيل أو قوى غربية أو حتى قوى إقليمية كإثيوبيا. هذه التشابكات ستجعل عملية إزاحة النفوذ
الإماراتي مهمة معقدة وطويلة الأمد، ولن تتحقق بمجرد ضربات جوية في المكلا أو ضغوط
دبلوماسية هنا وهناك.
ورغم أن
كفة الرياض ترجح ديموغرافيا وجغرافيا ضمن العالمين العربي والإسلامي، فإن نجاحها
في إقصاء أبو ظبي عن القرن الأفريقي ليس أمرا مضمونا بعد. فالقرن الأفريقي تاريخيا
منطقة نفوذ دولي متداخل، وقد يؤدي تزاحم الأجندات السعودية والإماراتية (ومعهما
أجندة أخرى) إلى تعقيد المشهد أكثر بدل حسمه.
على المدى
القريب، حققت السعودية إنجازات ملموسة بدفعها الصومال للانفضاض عن الإمارات وتوجيه
بوصلة الخرطوم نحو محور عربي أقرب لها، فضلا عن إخراج الإمارات عسكريا من اليمن.
هذا الزخم يمنح الرياض موقعا متقدما في رسم معالم نظام إقليمي جديد تكون فيه وحدة
الدول واستقرارها أولوية جامعة.
اصطفاف العواصم العربية، بما فيها دول ذات ثقل سياسي مثل الجزائر، أقرب إلى رؤية السعودية في حماية الدولة الوطنية ومناهضة هندسة الانقسام
لكن في
المقابل، تُظهر الإمارات قدرة على المناورة وإعادة التموضع: فمن التحالف مع
إسرائيل، إلى تنويع شركائها في القرن الأفريقي (كما تفعل في إثيوبيا وأرض
الصومال)، إلى استخدام القوة الناعمة المالية لنسج ولاءات محلية عابرة للولاءات
التقليدية للدول.
لقد دخلت
العلاقات السعودية-الإماراتية مرحلة غير مسبوقة من التنافس المكشوف بعد عقود من
التضامن الظاهري، ومن المرجح أن يستمر هذا الصراع الهادئ ساخنا تحت السطح في القرن
الأفريقي خلال السنوات المقبلة.
نجاح
الرياض أو إخفاقها في إزاحة نفوذ أبو ظبي هناك سيعتمد على مدى تماسك التحالفات
التي تبنيها (مع الصومال ومصر والآخرين)، وعلى قدرتها على تقديم بدائل تنموية
وأمنية مقنعة لدول المنطقة تغنيها عن الدعم الإماراتي. وفي الوقت نفسه، ستعتمد
قدرة الإمارات على الصمود على مدى براعتها في استخدام شراكتها مع إسرائيل كورقة
ضغط دولية، وعلى مهارتها في تجنب مواجهة مباشرة وشاملة مع السعودية عبر انتهاج
سياسات مرنة عندما يتطلب الأمر.
في
النهاية، يُرجّح عدد من الخبراء أن السعودية ستكون الرابح الأكبر متى ما نجحت في
إقناع دول القرن الأفريقي بأنها الشريك الأكثر موثوقية، والأشد احتراما لمبدأ
السيادة الوطنية وعدم التدخل. فإذا
استطاعت الرياض أن تُقدِّم نفسها بوصفها سندا للاستقرار ووحدة الدولة، لا بوصفها
راعيا لخرائط النفوذ المتكسّرة، فإنها ستُراكم رصيدا سياسيا يتجاوز حدود التحالفات
الظرفية إلى بناء شرعية إقليمية جديدة، وعندئذٍ ستتحول هذه الأفضلية إلى ضربة
قاصمة للمشروع الإماراتي؛ لأن البيئة العربية -في صورتها العامة- باتت أكثر حساسية
تجاه مشاريع التفكيك وإنتاج الكيانات الموازية، الأمر الذي يجعل اصطفاف العواصم
العربية، بما فيها دول ذات ثقل سياسي مثل الجزائر، أقرب إلى رؤية السعودية في
حماية الدولة الوطنية ومناهضة هندسة الانقسام.
وإلى جانب
ذلك، فإن وزن الرياض في واشنطن، من حيث الشبكات الاستراتيجية المتراكمة وموقعها في
معادلات الطاقة والأمن الإقليمي، يظل أوسع نطاقا وأعمق تأثيرا من وزن أبو ظبي، حتى
وإن حاولت الأخيرة تعويض ذلك بتسريع التطبيع وبناء شراكات خاصة مع إسرائيل؛ لأن
محددات النفوذ في العاصمة الأمريكية لا تُختزل في ملف واحد، بقدر ما تُقاس بقدرة
الدولة على إنتاج الاستقرار وليس استيراد الأزمات، وعلى تقديم نفسها كضرورة
استراتيجية لا كخيار تكتيكي.