ماذا أبقت الإمارات لجيرانها من الجوار.. وكيف صنعت عزلتها بيديها؟

أنيس منصور
"مارست الإمارات  هوايتها المفضلة في بلقنة الأوطان، فدعمت "الكيانات الوظيفية" التي لا تؤمن بالدولة الوطنية"-جيتي
"مارست الإمارات هوايتها المفضلة في بلقنة الأوطان، فدعمت "الكيانات الوظيفية" التي لا تؤمن بالدولة الوطنية"-جيتي
شارك الخبر
تطرح التحولات الراهنة في الجغرافيا السياسية العربية إشكالية بنيوية تتعلق بطبيعة "الدولة الريعية"؛ حين تحاول تجاوز وظيفتها التقليدية نحو لعب أدوار إقليمية تتخطى إمكانياتها الجيوسياسية والشرعية.

إن ما نشهده اليوم من خلافات عميقة في المنطقة العربية هو تعبير عن أزمة عميقة في فهم ماهية "الدولة الوطنية" وسيادتها؛ حيث يُستبدل منطق المؤسسات والتعاون الإقليمي المستدام بمنطق "الاستثمار السياسي" القائم على توظيف الفائض المالي لإنتاج كيانات موازية وهياكل هشة. هذا النمط من التدخل، الذي يفتقر إلى رؤية استراتيجية متماسكة أو مشروع قيمي جامع، يؤدي بالضرورة إلى زعزعة استقرار المحيط وتعميق حالة التفتت في النظام العربي.

وعليه، فإن محاولة فرض النفوذ عبر الأدوات المالية والمليشياوية، بعيدا عن قواعد القانون الدولي وحسن الجوار، لا تعكس قوة حقيقية بقدر ما تعكس "اغترابا سياسيا" عن الواقع التاريخي للمنطقة، وهو ما يفضي في نهاية المطاف إلى حالة من العزلة البنيوية، حيث يجد الفاعل نفسه في مواجهة مع منطق الدولة والسيادة الذي تحاول الشعوب العربية استعادته.

وما نراه اليوم من عزلة تحيط بـ"الإمارات" التي خرجت من عباءة الجغرافيا لتلبس ثوب "المشروع الإقليمي"، ليس سوى النتيجة المنطقية لتشخيص خاطئ لقدراتها، وخلط فادح بين السيولة النقدية والسيولة السياسية.

بدأت القصة في اليمن، حيث تحولت المغامرة من "مساعدة" إلى "هوس جغرافي" لا يرى في الخراب سوى فرصة للاستحواذ على الموانئ والجُزر. هناك، مارست الإمارات هوايتها المفضلة في بلقنة الأوطان، فدعمت "الكيانات الوظيفية" التي لا تؤمن بالدولة الوطنية بقدر إيمانها بالرصيف والميناء، وأنشأت "السجون السرية" التي خرجت رائحتها الكريهة لتلطخ سمعة كل من شارك في ذلك العبث.

لم يكن الطرد الذي جاءها من اليمن خلال أربع وعشرين ساعة سوى رد فعل مناعي طبيعي من جسد وطني أنهكه المرض، فقرر أن يلفظ الجرثومة التي حاولت أن تتخذ من أطرافه البعيدة مستعمرات خاصة، وكانت هذه هي اللحظة التي أدرك فيها الجميع أن المشروع الإماراتي في اليمن ليس مشروعا للتحرير، وإنما هو مشروع للرأسمالية المتوحشة التي تستغل الفوضى وتقوم بنهب الثروات.

ولم يتوقف الهوس عند حدود الجزيرة العربية، بل امتد إلى القرن الأفريقي، حيث تكررت نفس "متلازمة الميناء". ففي الصومال، ضاقت الدولة العريقة ذرعا بالتدخلات التي تهدف إلى تفكيكها وتحويل سواحلها إلى نقاط نفوذ، فكان قرار إنهاء كل الاتفاقيات بمثابة صفعة مدوية على وجه "المشروع الإماراتي".

أما في السودان، فبلغ السقوط الأخلاقي ذروته، عندما تحولت المليارات إلى وقود لحرب أهلية طاحنة، ودعم مباشر لمليشيات لا تعرف سوى القتل والخراب. ولم يكن مستغربا أن يرفع السودان ملف مقاضاة الإمارات إلى مجلس الأمن والمحاكم الدولية، فالدعم اللامحدود للطرف الذي يمزق النسيج الوطني السوداني جعلها مكروهة في نظر الشعب، وحوّلها من "شريك" مزعوم إلى "متهم" دولي، في سابقة لم يعهدها التاريخ الدبلوماسي العربي هذا ناهيك عن الانتهاكات الجسيمة التي لحقت بالآلاف من أبنا الشعب السوداني.

هذا التوتر الإقليمي لم يقتصر على الدول التي تعرضت لتدخل مباشر، بل امتد ليضرب العلاقات مع الأشقاء والجيران. فالسعودية، التي كانت شريكا في التحالف، وجدت نفسها في مواجهة غير معلنة على حدودها في المهرة وحضرموت، حيث حاولت الإمارات أن تشعل نار الفتنة لتهدد الأمن القومي السعودي، في محاولة يائسة لتثبيت نفوذها المتهالك، فما كان من السعودية إلا أن تستنفر وبكل قوة في وجه المشروع الإماراتي، وها هي اليوم تقود مشروعا لعزل الإمارات من المنطقة العربية وأفريقيا.

أما قطر، فما زالت تذكر جيدا حملة السقوط الأخلاقي في الإعلام الإماراتي خلال سنوات الحصار، تلك الحملة التي تجاوزت الخلاف السياسي لتدخل في الأعراض والمحارم، كاشفة عن مستوى من الانحطاط لم يكن ليصدر إلا عن دولة تعتقد أن كل شيء مباح في سبيل تحقيق أهدافها.

ولا ننسى سلطنة عُمان، التي اكتشفت "خلية تجسس" إماراتية في مسقط، في فضيحة دبلوماسية كشفت عن عمق "البارانويا" التي تعيشها هذه الدولة تجاه محيطها الهادئ.

وحتى الجزائر، عملاق أفريقيا، لم تسلم من محاولات التدخل العبثية. تخيلوا، الإمارات تحاول أن تتدخل في شؤون دولة بحجم الجزائر، التي يمتد تاريخها ووزنها الإقليمي ليطغى على كل محاولات العبث. لقد كان الرئيس تبون والشعب الجزائري لها بالمرصاد، في مشهد يذكرنا بدون كيشوت وهو يهاجم طواحين الهواء، لكن هذه المرة كان دون كيشوت يمتلك طائرات مسيرة وأموالا نفطية.

لقد اختارت الإمارات أن تكون قوة تخريبية في محيطها، تدعم الانفصال والمليشيات والخراب، بدلا من أن تكون قوة استقرار وتنمية. والنتيجة الحتمية لهذا المسار هي أن الجسد العربي، رغم علّاته، بدأ يلفظها.

ما الذي أبقته الإمارات للجوار؟ في المحصلة، لم تترك سوى اختلالٍ مزمن في توازن الجغرافيا، وشهيةٍ سياسية مفتوحة على الفوضى.

تحوّل "الجار" الذي يفترض أن تُنظّم علاقته قواعد حسن الجوار والمصالح المتبادلة إلى فاعلٍ تدخّلي يرى في استقرار محيطه تهديدا مباشرا لنموذجه، وفي تماسك الدول عائقا أمام تمدده. في اليمن، أفضى هذا السلوك إلى تفكيك الدولة بدل دعمها؛ وفي السودان، إلى تغذية صراع أهلي لا رابح فيه؛ وفي الصومال، إلى محاولات مستمرة لإعادة هندسة الخريطة خارج منطق السيادة. هكذا جرى استبدال التعاون بالتجسس، والتكامل بتمويل المليشيات، حتى بات الجار العربي يراقب حدوده لا خوفا من عدوٍ خارجي، بل تحسّبا من شقيقٍ يُدير الابتسامة علنا ويدفع كلفة التفكيك سرا. إنها أنانية سياسية مكتملة الأركان، يُربط فيها ازدهار المركز بانهيار المحيط، ويُقدَّم فيها "النفوذ" على حساب الدولة الوطنية.

إن الإرث الذي ستخلفه هذه التدخلات في ذاكرة الشعوب التي تعرضت للعبث الجيوسياسي هو جرحٌ تاريخي عميق سيتناقله الأجيال.

ففي اليمن والسودان والصومال، لن يُذكر اسم هذه الدولة في سياق "الشريك" أو "المساعد"، بل سيُحفر في الوعي الجمعي ككائنٍ طفيلي، استمرأ العيش على جراح الأوطان المنهكة، ومارس سادية مالية بشعة؛ حوّل السيولة النقدية إلى سُمٍّ زعاف يغذي المليشيات ويفكك عُرى المجتمع، ويشتري ذمم المرتزقة ليحرسوا لصوص الموانئ والثروات.

إن الأجيال القادمة، وهي تنبش في ركام أوطانها، ستنظر إلى تلك الحقبة بقرفٍ تاريخي، وستفهم جيدا كيف تتحول "براميل النفط" حين تفتقر إلى "براميل الأخلاق" إلى قنابل موقوتة تُفجر أحلام الشعوب. سيُكتب في سجلاتهم أن هذه الدولة، في لحظة انكسار الأمة، اختارت أن تكون خنجرا في الخاصرة، ومارست خيانة جغرافية مكتملة الأركان، لتسقط أخلاقيا قبل أن تسقط سياسيا، وتتحول من "جار" إلى "عار" يلاحق الذاكرة العربية.
التعليقات (0)