قضايا وآراء

هل بات إعلان "إسرائيل الكبرى" وشيكا؟

عادل العوفي
"هل انتهت مطامع الكيان ويدها العربية التي تضرب في السر والعلن"- جيتي
"هل انتهت مطامع الكيان ويدها العربية التي تضرب في السر والعلن"- جيتي
شارك الخبر
ظلت قطاعات واسعة في الوطن العربي تتعاطى بسخرية واستهزاء مع كل الآراء التي تفيد بأن "رؤية إسرائيل الكبرى" أضحت خطرا محدقا تجاوز مرحلة "الهلوسات" و"الأحلام" ليصبح واقعا ملموسا؛ لم يعد الطرف الصهيوني يجد أدنى غضاضة في الجهر به من رأس القيادة حتى وسائل الإعلام وصولا لفئات عريضة من عموم المواطنين.

وها نحن اليوم نقفز من إطار الشعارات لنصطدم بصخرة الواقع القاسية (كما اعتدنا دائما دون الاستفادة من دروس وكوارث التاريخ البعيد منها والقريب)، ويبدو أن أوان اللعب على المكشوف قد حان، وعلى كل طرف تحمل مسؤولياته أمام المد الصهيوني الجارف الذي وجد ضالته في "شريك عربي" يمهد له الأرضية ويفتح الأبواب المغلقة بطرقه الملتوية المعهودة، لتبدأ مرحلة جديدة وخطيرة ربما ليس من قبيل الصدفة أن تتطور بهذا الشكل المريب قبل إسدال الستار على سنة 2025 وبداية العام الجديد.

كنوز البحر الأحمر:

إذا دققنا في ما ينشر عبر وسائل الإعلام الإسرائيلية ومعها معاهد الدراسات سنجد كلمة "القرن الأفريقي" متداولة بقوة منذ سنوات بل وعقود خلت، وحتى "استهداف" أو رصد إقليم "أرض الصومال" وإشهار الاعتراف به لم يأت من فراغ أو مجرد خطوة مستجدة بعد المأزق الكبير الذي حتمته المواجهة مع حركة "انصار الله" وتحديدا منذ السابع من أكتوبر، إذ إن هناك سلسلة اتصالات وتعاونا ملموسا في مجالات متنوعة مثل الأمن والزراعة والملاحة البحرية مهدت للوصول إلى النقطة الحالية؛ التي تفيد بضرورة وضع النقط على الحروف وإخراج العلاقة من إطارها السري للعلني، و"إغواء" الطرف الآخر بفرصة "ثمينة" تتجلى في الاعتراف بالسيادة، وهي هدف يسيل له لعاب المستبدين بالحكم في إقليم "أوغادين" التواقين لذلك منذ أمد بعيد، والمحاطين بعزلة وعجز واضح في تسويق "مظلمتهم" لكسب التعاطف الدولي والإقليمي، ليأتي "طوق النجاة" ممثلا في التحالف الثنائي الإسرائيلي-الإماراتي الساعي لاستغلال الموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي يخدم مصالح الطرفين في عدة قضايا، وبالتالي ضرب عدة عصافير بحجر واحد.

يتواجد الإقليم عند المدخل الجنوبي لخليج عدن مقابل السواحل الجنوبية لليمن في نقطة تصل بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، ومن هذا المنطلق ظلت المنطقة محط صراع دولي تاريخي سواء عبر إحكام بريطانيا لقبضتها عليها في أواخر القرن التاسع عشر، وأيضا الوجود العسكري المكثف خلالها في ثمانينيات القرن الماضي في صراعها الشرس مع النفوذ السوفييتي هناك، مع العلم أن سواحل "أرض الصومال" يبلغ طولها 740 كيلومترا وتقع على مسافة تتراوح بين 300 إلى 500 كيلومتر من اليمن والمناطق المنضوية تحت لواء الحوثيين تحديدا، بما فيها ميناء الحديدة، وهذا يعني ويختصر الكثير من الأهداف للكيان الصهيوني الذي أثبت عجزا وتخبطا كبيرين في المواجهة معهم.

لكن السؤال المطروح: هل انتهت مطامع الكيان ويدها العربية التي تضرب في السر والعلن عند حدود الصومال؟

الجواب جاء سريعا أكثر من المتوقع لا سيما بعد الصراع المتجدد على أرض اليمن بين "الحليفين" السعودي والإماراتي، ليبدأ كل طرف في نشر الغسيل الوسخ للشريك "السابق" ويعود الشعار العريض المتمثل في انفصال اليمن للواجهة. ومرة أخرى يطل الكيان الصهيوني برأسه مهللا لما يحدث، مجهزا كل الترتيبات لإعلان جديد وهذه المرة "دولة اليمن الجنوبي"، ليتكرر سيناريو مشابه لما ذكرناه سابقا لكن بمعطيات وأحداث مغايرة؛ لأن أرض اليمن شهدت صراعات متعددة، والأطراف فيها متشعبة للغاية دون إغفال معطى مهم ورئيس يكمن في وجود الجار السعودي بإرثه وثقله التاريخي؛ الذي بات يستشعر خطرا داهما على حدوده وقد تلتهم النيران ثوبه في أية لحظة. ومن هنا يمكن تبرير حالة الهيجان والغضب العارم التي اجتاحته تجاه الطرف الإماراتي وتحركاته المريبة في محافظتي "المهرة" و"حضرموت"، لكن هل رد الفعل السعودي الحالي يكفي؟

خريطة التحالفات:

لا بد من إعادة التذكير دائما بمربط الفرس والحرب الهمجية على غزة، حين كنا نصرخ بأن القطاع وأبطاله آخر معاقل الصد التي تحمي هذه الأمة، وبأن الأنظمة العربية ستردد بعد فوات الأوان أُكلنا يوم أُكلت غزة، واليوم أضحى هؤلاء يقفون على أعتاب سيناريوهات مصيرية، والكيان الصهيوني أحكم قواعد اللعبة جيدا من خلال التسلل الذي يجيده للضرب على وتر الملفات الشائكة، فنراه يعمق تحالفه مع إثيوبيا مستهدفا الأمن المائي ومستقبل بلد بحجم مصر ومعه السودان، ويمر نحو صفقة مريبة مع قبرص واليونان هدفها الملاحة والثروات النفطية والغازية في شرق المتوسط، وبالتالي تطويق تركيا التي تشكل هاجسا لا يتوانى قادة الكيان وممثليه في الجهر به، وصولا للتحركات الحالية في القرن الأفريقي وغاياتها الواضحة وضوح الشمس.

فهل ما زالت لغة الخطابات المتهالكة والبيانات الإنشائية الركيكة صالحة للسعودية ومصر بعد أن اتضحت الرؤية على الأرض اليوم، وأكدت المعطيات الحالية بما لا يدع مجالا للشك أنهم الأهداف القادمة على الخريطة الصهيونية؟ أما آن الأوان لتغيير خريطة التحالفات والبحث عن آفاق أرحب مع تركيا وشركاء آخرين يدركون ويستشعرون حجم الخطر الداهم وحساسية المرحلة الآنية، لأن نيران التقسيم تنتقل بسرعة قياسية من السودان إلى ليبيا والصومال واليمن وسوريا.. فمن بقي ليذود عن هذا الوطن الكبير الممزق يا ترى؟ وهل بات إعلان "إسرائيل الكبرى" وشيكا؟ وعلى ماذا نراهن لمنع حدوث ذلك؟

نختم بكلمات معبرة صاغها في ذروة نكسة 67 الشاعر السوري نزار قباني في قصيدته "هوامش على دفتر النكسة" ومازالت تصلح لواقعنا الحالي حين كتب: "ما دخل اليهود من حدودنا.. إنما تسربوا كالنمل من عيوبنا"..
التعليقات (0)