من إدارة الأزمات إلى كسر العظام: الإقليم يتجه نحو المجهول في 2026 (1)

محمود النجار
"كوارث سياسية وعسكرية وأخلاقية قامت بها الإمارات لصالح أجندة صهيونية بحتة"- جيتي
"كوارث سياسية وعسكرية وأخلاقية قامت بها الإمارات لصالح أجندة صهيونية بحتة"- جيتي
شارك الخبر
العام 2026 لا يبدو عام انفجار مفاجئ، بل عام نفاد الصبر على إدارة الانهيار؛ فبعد سنوات من تدوير الأزمات وإعادة إنتاجها، وتمديد الصراعات، والرهان على تسويات مؤقتة لا تُنهي الحروب ولا تبني دولا، يقترب الإقليم العربي من لحظة مختلفة: لحظة يدرك فيها اللاعبون الإقليميون والدوليون أن كلفة الإبقاء على الوضع القائم باتت أعلى من كلفة تغييره. لم تعد السياسة تُستخدم لفتح مسارات حل، بل لتأجيل الصدام. ومع تراكم الملفات المفتوحة من السودان إلى غزة، ومن اليمن إلى ليبيا، يصبح السؤال أقل دبلوماسية وأكثر خشونة: إلى متى يمكن إدارة الانهيار دون أن يُفرض حل بالقوة؟

الإقليم الذي عاش على التهدئات المؤقتة، والوساطات المكررة، والتوازنات الهشة، يصل إلى نقطة يتقاطع فيها الإرهاق مع الحسابات الصلبة. أزمات بلا أفق سياسي، حروب بلا منتصر، ودول تُستنزف حتى آخر ما فيها، بينما يُعاد تدوير الخطاب نفسه عن الاستقرار. في هذه اللحظة، لا تعود المواجهة احتمالا نظريا، بل خيارا مطروحا على الطاولة، ولو بغير إعلان.

عام 2026 يبدو أقرب إلى لحظة اختبار قاسٍ للاعبين الإقليميين النشطين، وفي مقدمتهم الإمارات، التي بنت خلال العقد الماضي شبكة نفوذ عابرة للحدود

عام 2026 يبدو أقرب إلى لحظة اختبار قاسٍ للاعبين الإقليميين النشطين، وفي مقدمتهم الإمارات، التي بنت خلال العقد الماضي شبكة نفوذ عابرة للحدود، لكنها تدخل الآن مرحلة تآكل المواقع، لا توسّعها.

وللتذكير، فقد دعمت الإمارات حفتر ضد الحكومة الشرعية في ليبيا، ودعمت حميدتي ضد الحكومة الشرعية في السودان، ودعمت الانفصاليين في جنوب اليمن، ودعمت حكومة ميانمار ضد مسلمي الروهينغا، ودعمت الهندوس ضد مسلمي الهند، ودعمت الصين ضد مسلمي الإيغور، ودعمت القوى المتطرفة في الصومال، وساهمت في بناء سد النهضة الإثيوبي، وحاربت المسلمين في أوروبا وحرضت عليهم؛ فقد تسببت في غلق أكبر مسجد في إيرلندا، وهو مسجد ومركز إسلامي يعدّ الأهم في البلاد، وساندت المعارضة الماليزية الفاسدة، ومولت الانقلاب ضد عمران خان في باكستان، ومولت الانقلاب على أردوغان، وكانت وراء الانقلاب في مصر، وكانت المحرض الأول على حصار قطر، وكانت ستغزوها لولا التدخل التركي، وحاولت التدخل في الجزائر وتونس، واستولت على ثروات كل من النيجر ومالي وبوركينا فاسو، وخصوصا الذهب.. إضافة إلى ما لا يتسع له المجال من كوارث سياسية وعسكرية وأخلاقية قامت بها الإمارات لصالح أجندة صهيونية بحتة، لا مصلحة للعرب فيها من قريب أو بعيد، وليس آخرها التحالف مع الكيان المحتل ضد المقاومة في غزة وفلسطين بعامة.

أولا: الإمارات والكيان الصهيوني: تحالف وظيفي لا شراكة متكافئة

من الخطأ قراءة العلاقة الإماراتية الإسرائيلية بوصفها تحالفا سياسيا تقليديا، بقدر ما هي تحالف ميكانزمي يقوم على تقسيم أدوار: إسرائيل: عقل أمني/ تكنولوجي، والإمارات: منصة لوجستية "تمويل، وغطاء عربي". وهذا يظهر بوضوح في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وبعض الملفات الأمنية في ليبيا والسودان.

لكن المشكلة أن كلفة هذا الدور بدأت ترتفع؛ فالكيان المحتل لا يدفع أثمانا سياسية في الإقليم، والإمارات تدفع من رصيدها العربي والأفريقي.. ومع اشتداد الحرب في غزة وتحوّل الكيان المحتل إلى عبء أخلاقي وسياسي عالمي، يصبح الارتباط الوظيفي به نقطة ضعف لا مصدر قوة كما خُيّل لأبو ظبي التي باتت في أعين الجميع مثالا صارخا للخيانة والارتهان لأعداء الأمة!

وأتصور أن عام 2026 قد يكون أول عام تُجبر فيه أبو ظبي على خفض مستوى دورها الخبيث؛ لا لأنه هابط أخلاقيا، بل لأنه أصبح مكلفا سياسيا.

ثانيا: غزة كحدث أنهى عصر "الإدارة" وفتح عصر الانفجار

ما جرى في غزة لم يكن حربا بقدر ما كان انهيارا دوليا جماعيا للأخلاق، ففي 2026، ستتكشّف نتائج هذا الانهيار؛ حيث لم يعد ممكنا احتواء الغضب، بعد أن فقدت المسكنات السياسية خواصها العلاجية، ولم يعد مصطلح التهدئة قابلا للتسويق..

غزة ليست فصلا في كتاب 2026، بل الصفحة التي احترقت وبقي أثرها. ما بعدها ليس امتدادا طبيعيا للتاريخ، بل تاريخٌ مُصاب بجرح مفتوح. وكل محاولة للحديث عن الاستقرار أو النظام أو التهدئة دون المرور من غزة، هي كتابة فوق رماد لم يبرد بعد.

الكيان المحتل لا يدفع أثمانا سياسية في الإقليم، والإمارات تدفع من رصيدها العربي والأفريقي.. ومع اشتداد الحرب في غزة وتحوّل الكيان المحتل إلى عبء أخلاقي وسياسي عالمي، يصبح الارتباط الوظيفي به نقطة ضعف لا مصدر قوة كما خُيّل لأبو ظبي التي باتت في أعين الجميع مثالا صارخا للخيانة والارتهان لأعداء الأمة

في 2026، لن تكون غزة سؤالا أخلاقيا معلقا، بل عاملا محدِّدا لمسار المنطقة؛ فالسابقة التي فُرضت هناك ستُنتج ثلاثة مسارات متوقعة:

1. تطبيع العنف بشكل أكثر اتساعا، فما جرى في غزة سيُقرأ، عمليا، كإشارة سماح بمزيد من العنف والقتل والتدمير، حيث إن الإفراط في ممارسة الجريمة لا يترتب عليه ثمن سياسي حاسم أو عقاب دولي، لأن العقاب الدولي قابل للتأجيل أو التفريغ..

والرأي العام يمكن إنهاكه حتى يفقد قدرته على الرفض؛ وفي 2026، سيظهر هذا في نزاعات أخرى تُدار بعقلية "اضرب أولا وفسّر لاحقا"، لأن غزة أثبتت أن الصدمة لا تردع طويلا.

2. انحسار السياسة واتساع الأمن: غزة ستُسرّع انتقال المنطقة من منطق التسويات إلى منطق "إدارة أمنيّة للأزمات"، قائم على الاحتواء بالقوة لا بالحلول الدبلوماسية، أو إعادة الحقوق إلى أهلها، ومعاقبة المجرم.. وباختصار، سيسود منطق خفض سقف السياسة لصالح الإخماد القسري أو القهري للأزمات.

في 2026، سيُعاد تعريف "الاستقرار" كغياب للفوضى الظاهرة، لا كوجود لعدالة أو أفق، وستُبرَّر الإجراءات القاسية باعتبارها دروسا مستخلصة من "الفوضى الغزاوية".

3. تآكل الشرعية وتراكم الغضب المؤجل: إن النتيجة الأخطر ليست الانفجار الفوري، بل تراكم اللا معنى: شعوب ترى ولا تُصدّق، قوانين تُستدعى وتُعلّق حسب هوية المستفيد منها، وخطاب رسمي لا يقنع حتى أصحابه..

غزة لم تُغلق بابا في التاريخ، بل فتحت سابقة. وفي 2026، ستُدار المنطقة على أساس تلك السابقة: عنف بلا رادع، سياسة بلا أفق، واستقرار بلا شرعية. وما يبدو اليوم صمتا، سيتحوّل غدا إلى سياق عام يصعب الفكاك منه.

وللحديث بقية..
التعليقات (0)

خبر عاجل